ضرب آلة تنبيه سيارته للمرة الثالثة، فلم يأته جواب. صرّ على أسنانه ولعن نفسه أن قطع هذه المسافة المضنية، ثم تعزى بأنه يمشيها للمرة الأخيرة. لم يطل به الوقت حتى أشار له أحد المارة أن حافلة تعطلت وقطعت الطريق، فأفرغ ضجره في مذيعة الراديو، ثم أدار مقود سيارته وتملص من الطريق إلى أن أظلته شجرة مغبرة في شارع مقفر. راجع خرائط هاتفه فوجد طريق العودة سالكًا، فتنفس الصعداء وما أن هم بالمسير، حتى اجتاحته غصة.

     قبل ستة أشهر وعد أمه أن يبقي الصلة مع أبيه. وقتها ظن أنه وعد شكلي آخر لن تعوزه الحيلة في كسره، وتطييب خاطر أمه لاحقًا كما جرت عادته. أمر واحد فقط كبل رغبته: أمه رحلت، ووعود الراحلين تحمل رائحتهم، وهو منذ ستة أشهر يفتش عن رائحتها بأنف كلب. استرخى في مقعده يتذكر كيف كانت تحاصره في الأيام الأخيرة، تسأله في الصباح والمساء أن يحفظ وعده. تضجر من طلبها مرة وسألها عن سبب إلحاحها فقالت:

 -"أبوك يحبك... لكن بطريقته."

يتذكر جملتها فيفترسه سؤاله العتيد:

 -"لماذا رحلت هي أولا؟"

     تأمل وجهه في مرآة السيارة، صورة مطابقة لوجهها، ولكن قلبها كان قلب أم. قاست وجادت بالكل، أما هو فله قلب حُرم طويلًا فصّم عن الكل سواها. قلبها ظل أخضر، قلبه أسود، قلب أبيه حجر. أربما لهذا توقف قلبها أولاً؟! زمجر وصاح:

 -"ورثت منكِ الملامح، وأورثني قلبه... فليغص بما زرع!"

     صعد منحدر الشارع الطويل، تسبقه أنفاسه، تحاصره رغبته أن يدر على عقبيه، ولكن عبارتها الخافتة "عشان خاطري" واصلت دفعه حتى بلغ رأس الشارع. تأمل البيت القديم لأول مرة منذ رحيلها.  غشته وحشة لما رأى البيت من وراء ضباب العرق واللهاث وقد تحدب وحيدًا وسط البنايات الجديدة. صعد درجات السلم على مهل، لا من تعب، ولا من عوز شجاعة، ولكن ليقبض على ذكريات بعيدة وخزت قلبه مع كل درجة. قبل أن يضغط زر الجرس انتابته رجفة... أهي مهابة دخول البيت في غيابها؟ أم تخلي الجفاء عنه ليواجه الوداع الأخير وحيدًا؟ لاذ بالسخط، وذكر نفسه بالسيناريو؛ دقيقة للتحية، دقيقة لتصنع السؤال عن الحال، نصف دقيقة لخنق أي اختلاج للمشاعر، نصف دقيقة لإعلامه بالقرار، دقيقة لتصنع الاضطرار، دقيقة أخيرة لوداع مقتضب. خمس دقائق لا غير هي مدة الزيارة ...الأخيرة. رن الجرس. 

    انفتح الباب، وهبط صمت دام دهرًا.، بدا أبوه أقصر قامةً، بالكاد يفرد ظهره، وقد غزا وجهه شحوب. قطع الأب الصمت بابتسامة مرتعشة. فرد ذراعيه وضمه، فارتجف الولد لما أحس بالأذرع القاسية وكأنها تحولت إلى عيدان قش لا ترى تحت الأكمام. همس الأب في الصالة:

 -"عاش من شافك".

أطرق الابن وتساءل:

هل خرج الصوت من الفم أم من هذه الشقوق الجائرة في العنق وأول الصدر؟

قام الأب بغتة فكاد أن يسقط، ولكنه اتكأ على مقعد وحيد. سأل:

-"قهوتك زيادة؟"

رد الابن دون أن ينظر إليه:

-"سادة."

-"من شابه أباه..."

قطع الأب جملته وابتلع ابتسامته، ولكن الابن رفع رأسه إليه أخيرًا وقال من بين أسنانه:

-"فما ظلم."   

     تقهقر الأب إلى المطبخ تاركًا الابن يعاين ثقلًا مفاجئًا في اللسان. جاء اليوم ليخبر والده بقبوله عقدًا للعمل في بلاد بعيدة. سيرحل في غضون أيام معدودات. سينشغل في إنهاء إجراءات التأشيرة ومقعد الطائرة، لكن الكلمات والوقفات التي داوم التدرب عليها طيلة أسبوع مضى فرت، وتركته تحت وطأة التردد.

     انسابت من المطبخ رائحة البن المحوج. والتقطت أنف الابن رائحة حلوى تخبزُ  على مهل في الفرن، فصّر على جفونه ليكبت عبرة نزقة، ولكن دوي سقوط الأواني وتحطم الأطباق انتزعه من سكونه فاندفع دون أن يدري إلى المطبخ. وجد الأب جالسًا على الأرض ملطخ بالبن تحوطه بركة صغيرة من الماء ورغوة الصابون، وشظايا الزجاج ورافد دم ينبع من راحته اليمنى. دون أن يرفع الأب عينيه تمتم:

 -"بسيطة...بسيطة" 

ساعده الابن على الوقوف. أسنده إلى الحوض ليغسل يده. فتح الصنبور على آخره. كانت المياه مقطوعة، ولكن دموعهما لم تتوقف.

فراق مستحيل لأحجار هشة

طه سويدي

طه سويدي هو طبيب مصري يقيم في المملكة المتحدة يكتب القصة والمقالة والرواية. صدرت له عن دار المصري للنشر والتوزبع رواية العزومة، وأصدر مجموعة قصصية بعنوان اختيارات. حاز على جائزة مسابقة قصص على الهواء المنظمة بشراكة مجلة العربي الكويتية، وإذاعة مونت كارلو عن قصة "منديل".