صوت زمارته جمّعنا من ركضنا في الحواري. التففنا حول عربته الخشبية التي أوقفها عند تقاطع حارتي "الشط وسوق السمك." يرفع عنقه بالزمارة منغّما ألحانًا نحاسية؛ اعتادتها آذاننا من الإذاعة. ردد المارون مع لحنه أغنية:

" منديل الحلو .. يا منديله، على دقة قلبي بغنّيله" 

تتمايل الصبايا معه. امتدت الأكف إليه بالقروش الفضية، ومن ثم استقرت في علبة حديدية ذات غطاء مغلق على عربته الخشبية. يداه سريعتان في قطف الغزل الساخن من فوهة الماكينة المثبتة على سطح العربة، ثم يضعه في كيس بلاستيكي ليقتطفه كف. تذوب خيوط الغزل في أفواهنا فتتلون شفاهنا بمزيج لونيّ فاقع ويسيل لعاب الصغار على ملابسهم احمرارا.

   لا يكفيني كيس واحد، فقررت أن أشتري ثلاثة أكياس. أمسكتها بقوة، خشية أن يختطفها ولد من مستأجري الدراجات إذا مرق بجانبي متعمدًا التمايل يمنة ويسرة ليكون أكثر قربًا. ارتكنت بجسدي الصغير جانبًا ملتصقًا بسور بيت عائلة القاضي. دوي الزمارة يدوي، فيتوافد الأولاد والبنات عليه. ألمح "محمود" بطوله الفارع  ولاسته اللامعة التي زانت جلبابه المكوي بعناية، بورقة مالية ارتفعت بها كفُّه الكبيرة فوق الأيدي الصغيرة. تناولها البائع متجاهلًا كفوف الصغار الممتدة، غير منصت لجلبتهم. سرعان ما أعطاه أكياسًا عديدة. أخذها محمود وهو يتطلع عاليًا تجاه شباك مغلق. يعلم أن عيونًا تترقبه من ثنايا خشب الشيش. إنها الصبية "صفاء". يبدو أنهما متفقان على ذلك عند سماع الزمارة. دقائق وستدفع جانبي الشباك، ويبرز رأسها مغطى بطرحة سوداء، أبانت بياض وجهها. التقت أعينهما -محمود وصفاء- فابتسما. تظاهرت الفتاة بسقي أصص الزرع المرصوصة على حافة الشباك، واستمرت النظرات مع البسمات.

   نادى محمود البنت "غادة" التي تسكن في بيتنا. جاءته تلعق أصابعها المحمرة. أعطاها الأكياس كلها وكان نصيبها كيسًا كبيرًا.عينه على الضلفتين اللتين أخفتا ببطء الوجه الأبيض وهما ضمّان ليعود الشباك مغلقًا بلونه الكابي. يعلم محمود أن صفاء ستنتظر البنت على السلالم، لتأخذ منها الأكياس، والصغيرة لا تعلم أن ورقة مطوية اختبأت في أحد هذه الأكياس.

    تراقصت الابتسامات على وجوه بعض العيال. لا مجال للهمس الآن، عليهم أن يغوصوا في الحواري، ثم يجلسوا في حلقة مستظلين بجدار كبير هامسين عن البنت "صفاء" وغرام محمود بها. يحكون عن لقاءاتهما أعلى سطح البيت عند حبال الغسيل، وقد رآه البعض متسللًا ساعة العصاري مرتقيًا سلم بيتها الحجري. ولو سأله أحد السكان، سيخبره أنه صاعد إلى شقة خاله في الدور الثالث. يبرع الولد "فتحي" في وصف اللقاء، رغم اعتراضي بأن كل كلامه من الأفلام العربية "الأبيض والأسود". لا ينتبه لي أحد من العيال الشغوفين بحكاية محمود عندما يظهر لصفاء من وسط حبال الغسيل، فتضرب صدرها وتبسمل، وتقول بدلع:

 -"هو أنت يا محمود ، حسبتك  العفريت."

يضحك الأولاد، ويواصل فتحي همسه عن خروجهما عند السواقي، وجلوسهما على سور البحر، ومحمود يشتري لها " الجيلاتي" ويجلس بجوارها ثم يمسك يدها .. آه منك يا فتحي يا كلب، لسانك زالف مثل أبيك. يجلس وسط المقهى مرتديًا جلبابًا فخمًا رمادي اللون، لا يبدله إلا مع تغير الفصول من شتاء إلى صيف. يتحلق الرجال حوله. يحكي لهم، فيتغامزون ضاحكين، ويتبارون في إكرامه بالشاي وأحجار الشيشة، وهكذا كل مساء.                             

    ابتسمتْ " غادة " لي وأنا أعطيها غزل البنات. تشجعتُ أكثر فتقدمت خطوة، لا أعرف ماذا أقول لها. فتحت هي الكيس، وتمتمت بثقة:

-"شكرا."

 غرقتُ في عرقي وانحبستْ الكلمات على لساني. نظرات البنت ثابتة وهي مستندة على الدرابزين الخشبي لسلالم بيتنا، وقد علا صوت التلفزيون من خلف أحد الأبواب. قالت:

-"أروح أنا اشوف فيلم عبد العزيز محمود ." 

أعطتني ظهرها ودخلت شقتها، وواصلت أنا صعودي على السلالم إلى شقتنا. ليت لساني كان زالفًا مثل الولد فتحي .

منديل الحلو

د.مصطفى عطية جمعة

مصطفى عطية جمعة، أستاذ الأدب العربي والنقد، قاص وروائي وكاتب أدب طفل.