غرفة خشنة من الصفيح  تسع سريرًا واحدًا خلف مستودع للأثاث المنزلي. لم يكن للغرفة باب. عمد إلى جمع عدة قطع من الخشب من حاوية بجانب المستودع وصنع منها باباً مهترئًا  يصدّ عنه سفّ الرمال حين تهبّ الرياح الشمالية .

     سرير أعرج تسند إحدى قوائمه قطعة حجر، فوقه مرتبة سرير مبعوجة من الوسط ومخدة كالحة. بجانب السرير طاولة حديد يضع فوقها جهاز التسجيل ، وعلبة صلصة فارغة ينفض فيها رماد سجائره. رياح شتويّة عاصفة، وصقيع تنفثه جدران الصفيح. الرعد يزمجر. صوت ارتطام حبات المطر على سقف الصفيح ينتهك أعصابه. ضوء شحيح ينبعث من مصباح  يتدلّى  في سقف الصفيح وقد خَبَتَ  ضوءه  بعد أن تكوّم فوقه  الغبار وبراز الحشرات .

    خشخشة أقلقته. بحث تحت السرير. لم يستطع تبيّن  مصدر صوت الخشخشة. المصباح ضئيل الضوء. هزّ طرف السرير بقوّة فرأى جرذًا  يعبر إلى أسفل  باب الحمام الملحق بغرفة الصفيح .لم يشأ أن يفتح الباب فتندلق رائحة عفنة تأتي من حفرة في أرض الحمام. عاد إلى سريره. أشعل جهاز التسجيل وراح يستمع إلى أغنية.

    مواء القطط يبعث حزنًا آخر لا يحتاجه؛ ليس له مكان بين أضلاعه. امتلأ صدره حتى فاض بحزن يعيشه وآخر يجترّه. كعادته يناصص الكائنات أحزانها ، حتى قطعة الحجر التي تسند رجل السرير الأعرج  يشعر معها بثقل السرير ويأسى  عليها.

    قام وأخرج حقيبته. ما زالت ملابسه داخلها. قلّب محتوياتها إلى أن عثر على ألبوم الصور. عاد إلى سريره. تمدد وبدأ يقلّب صور الألبوم . انثال عليه حنين جارف. توالت عليه أحزان طفولته ثانية ، تذكّرها لأول مرّة بهذه التفصيلات الغارقة في النسيان. حضرت بكامل عنفوانها وضجرها وأيضًا ألمه. كل صورة يشاهدها  لا يعبرها قبل أن تعبر دمه وروحه. ركّز نظراته على عينيه في صور طفولته وشبابه الأول. الصور نقيّة الألوان. تُشعُّ في نفسه ألوانًا من أسئلة غامضة وإن فتّق أسرارها آلمتهُ. كانت الصور تبثّه حكاياتها وكان يستمع لبثّها ويستمتع بألمه القديم الذي لم يغادر يومًا ذاكرته.

    ينتصف الليل والنوم معاند لا يجيء. البرد يشتد وصوت قرع حبات المطر يلوّث سمعه، يجعله نزقًا. قبل أن يُعيد ألبوم الصور إلى حقيبته، أخرج  صورة ابنه البكر. نظرات ابنه تحكي .. تقول .. ترجو.

    شعر أنه هبط  اليوم في قعر جثة نهار، رائحة عفنة تنزّ من مساءاته وصباحاته الأولى، كان الألم ينحدر إليه عابرًا سُدفة الليالي  ليسقط في بدنه. يرتعش  خوفًا وهلعًا.

    الليل يمضي بطيئًا وبوادر الصبح الآتي تُقبل متثاقلة. أخذته سِنة من نوم. أفاق على صوت يمامة تهدِلُ على سطح غرفة الصفيح. 

    أخرج حقيبته من تحت السرير. فتحها وأخرج قصاصة ورق مكتوب عليها بحبر بهتت زرقته عنوان ابنه في المدينة البعيدة.

شتات

عبدالكريم بن محمد النملة

عبدالكريم بن محمد النملة قاص وروائي. صدر له كتاب الأعمال القصصية الكاملة، ونشر أربع روايات. نشر نصوصًا في العديد من المجلات والجرائد المحلية والعربية. يمكن متابعة حسابه على تويتر ⁦‪@byqlb‬⁩