هاتفها عبر أنفاسه اللاهثة المتقطعة. وصل بالأثير رغبة في استنشاق جرعة من هواء متجدد كاد ينفد من محيط وجوده. يستشعر خطر نفاده دومًا قبل تكرار كل نوبة من النوبات المتواصلة التي لا يفصلها عن بعضها سوى ساعات تهدأ فيها نفسه بقليل. تتركه هي ساعية في الأرض. تفك أسر خطواتها المكبلة لترتب فوضاها الخاصة ويستريح هو إلى جوار ذكرياته الملحة، ولحظات فروسيتها النادرة، وطموحاته التي غادرها مرغما بالتحطمات المتوالية بالآمال. صورته وهو يحتضنهم؛ هي وأخواتها، صغارًا بألوانها الباهتة قبالته على الحائط.

     عندما استجابت لرنة نغمته المعهودة المميزة، جاء همسه الخافت إلى مسامعها المنشغلة بأبواق السيارات والزحام المحشورة فيه، كفحيح غادر لألم ينذر بالخطر الخارج من صدره إلى قلبها. لملمت شتات تركيزها وشظاياها المبعثرة محاولة أن تجعله خاصًا بها، لتشحذ كل انتباهها له. أدركت الخطر المنذر. نزعت السماعة الخارجية عن أذنها. تشبثت بالهاتف بقبضة يدها تلصقه على أذنها. تصيخ السمع أكثر. تنتظر تأكيدًا لحروفه التي تتجمع كي تطلب نفس الطلب المعتاد: "جهاز أكسجين"

     عندما كانت تتمسح فيه – خلسة –كهرة صغيرة غادرها الحنان وسط أقرانها، وعفا على احتوائها الطفولي زمن ازدحم فيه البيت بإخوة، حقَا كان لها وحدها. كان إخوتها يظنون أن تكون هي من تهبه، لذهاب أمهم إلى المدى الذي لا يستطيعون فيه أن يحصلوا عليها مرة أخرى، كان يربت عليها ويمسح على كتفيها، يهمس بتمتمات هاربة من عيون من حولها، وينظر إليها نظرة ملؤها الامتنان.

     يبتعد الهاتف عن أذنيها تلقائيا – كحركة ملاكم ينسدل ذراعه الذي كان يصد به اللكمات على إحدى فخذيه مترنحًا – برغم ما يضطرم بداخلها، يؤجل شيئًا مما انتوت عمله في رحلتها الخاطفة أو خططت له على عجل، أو تعيد ترتيب شيء قبل آخر؛ كي تقتنصه من قبضة الوقت. ينتابها الوقوع في أسر الحيرة، برغم ما اعتادت عليه.

     في حلقات اغترابها عنه، كانت تعلق الآمال على أن يكون بخير في كنف من حضر من هؤلاء المتراصين – كبارا هم وأبناؤهم - في الصورة التي انزوت في ركن الحجرة البحرية التي لا يغادرها؛ لهوائها المستمر وهدوء ما تبقى من وقت حيث لا ضجيج ولا أصوات صاخبة لأحفاده البعيدين عنه، ولا روائح غير رائحة لفافة الدخان التي يصر على استنشاقها برغم المحاذير، كلما أوهم نفسه أنه بخير أو أنه بعيد عن مكمن الخطر، وحيدًا يدندن أغنية: "شمس الأصيل."

     تناولت الهاتف مرة أخرى في ضجر وألم لا يحتمل وبلهفة، وبآلية تتحدى الموقف، وبدقة مرت على الأسماء المدونة بدليل الهاتف، لتقف على "جهاز أكسجين." ينطلق الصوت الملسوع آليا من خلف المسافات: 

"ألف سلامة، أعتذر، يمكننا التواصل معكم بعد ساعتين، نعرف العنوان لكن الأجهزة كلها مشغولة."

     طوت مسافاتها تحت قدميها على عجل. تختصر أهدافها بمكالمات هاتفية تلغي أو تؤجل بها بعض أشياء، ثم معاودة التذكير لينطلق النداء من هاتفها ممهورا بذات الجملة تسبقها اسمها، ليكون الرد:

 "نعتذر مرة أخرى عن التأخير.. سنوافيكم بالموعد".

تتلاشى أشياء كانت تود شراءها له، وأخرى لنفسها، وأخرى لحفيدتها الأولى المنتظر قدومها، وتجديد اشتراكات النادي لابنتها وابنها قبل نزولهم في العطلة السنوية لتقضي معهم أياما قد تصحبه معها ليدرك نسيم البحر، ويتنفس بعض الهواء النقي، قبل أن تعود هي وتدرك دورة أخرى من دورات اغترابها، ويعود كل طير إلى منفاه المختار. تلتصق بوعيها تفاصيل غربتها معه، ولا تفارق ذهنها القادر على امتصاص كل الصدمات، حين ترك كل إخوتها صغارا مع أمهم وسافر بها للعمل في إحدى دول النفط والصحراء. لم تكن تدرك أنه كان يؤهلها لحياة الاغتراب والتنقل الدائمة، كي يسلمها رايته البيضاء، ويقعد ليعاني من رئته المعطلة.

     تناوشه دقات الساعة القديمة التي ترن في فضاء الصالة الفارغة المؤدية إلى حجرته. يستشعر دوران عقاربها المتسارعة في وقت الراحة والمتباطئة في وقت الأزمة، ولا يراها. يزداد ضغطها على صدره. تزداد معها نوبات السعال المتلاحقة التي تعقبها بدايات الاختناق، فتمتد يده إلى الهاتف كي يستعجل عودتها، فتباغته هي بالاتصال في ذات اللحظة مهدئة ومطمئنة.

     حينما مثلت بين يديه، كانت لا تزال تستجدي الوقت، وهي تعاود الاتصال دون جدوى تتعجل جهاز الأكسجين. قعدت تحت قدميه تمسح عليهما، تتحاشى النظر في عينيه، وهي تناوله بلهفة مهدئ السعال الذي جلبته معها يخفف مؤقتا آثاره، لكنه اقتنص نظرة عينيها، سحبهما إليه، ثبَّت عينيه فيهما. سحب نفسًا عميقًا، فاشتبكت عيناهما بتوتر وحنو متبادل.

     في انتظار جهاز الأكسيجين الغائب، تمدد بداخله شعور بأنه في وجودها قد نبتت له رئة أخرى، لم يكن يشعر بها قبل الآن، في حين تنبت فيها الرغبة لتأجيل الكثير من الأشياء.

رئةٌ أخرى

محمد عطية محمود

محمد عطية محمود هو قاص وروائي، وناقد مصري. صدر له العديد من القصص القصيرة والروايات والدراسات النقدية. نال على العديد من الجوائز الأدبية من أبرزها، جائزة إحسان عبدالقدوس في الرواية عام٢٠١١ وجائزة اتحاد كتاب مصر في الرواية (جائزة يوسف أبورية) عام ٢٠١٣. وجائزة هيئة قصور الثقافة في النقد ٢٠٠٧، و٢٠١٧. شارك في العديد من الملتقيات والمؤتمرات الدولية كباحث في مجال السرد، يمكن متابعة حسابه على تويترmohammadattia66@