"إن الأعمال الفنية، على اختلاف أشكالها من رواية وقصيدة ومسرحية وتصويرٍ زيتي وسينما، تستطيع أن تكون وسيلةً تفسّر لنا وضعنا الإنساني، بحيلها وطرائقها المستترة، وعبر الميل إلى الخفة والرزانة. وقد تكون أعمال الفن دليلاً نحو فَهم العالم بصورة أصدق وأرشد وأذكى."

-آلان دو بوتون

     لماذا نهتم بالفن والأدب؟ طُرح هذا السؤال مراتٍ عديدة يتعنى حصرها، وتفاوتت الإجابات عليه، وكثرت الكتابات والمناقشات فيه، بين مُعارضٍ يحصر المعرفة في أفقٍ ضيقة، ومدافع يحاول بكل ما أوتي من معرفة وقوة أن يطرح حجته بشكلٍ منصف وسليم. حين أذكر كلمة فن في هذا المقال أقصد فيه الأدب بأنواعه والفنون بجميع أشكالها.

     عندما اخترت دراسة الأدب واجهت انتقادات شتى واستنقاص غريب، وأحيانًا نظرة شفقة لا يُفهم ما الدافع وراءها، يخيّل للناس بأن على المرء أن يختار تخصصًا ملائمًا لسوق العمل، بيد أن اللغة لن تترك مكانها يومًا لأجل سوق العمل، هي باقية أبد الدهر، ووجودها حتمي وضروري، ولكن على من يهتم بسوق العمل أن يبتعد عن الأدب والفن، أقول ذلك بصدق، على الجامعات أن تعيد التفكير وتختار بعناية من هم كفء للغة وآدابها، لأن هذا العدد الهائل من الطلاب المتخصصين لكنهم لا يفرقون بين تاءٍ مربوطة ومفتوحة عدد مُهيب ومُخيف، واللغة أمانة، والأمانة لا تؤتمن لأيٍ كان، قد أبالغ ولكنني أشعر بالغيرة على هذا التخصص، وأود لو كان هناك تشديد في طريقة قبول المتقدمين عليه.

     لنعد إلى سؤالنا، لماذا كان الأدب والفن ضرورة؟ أو هل هما حقًا ضرورة وهل تنفعنا لوحة مرسومة أو قصيدة ورواية وكيف يحدث هذا الانتفاع؟ هذه الأسئلة فضفاضة وواسعة إلى حد يمكن أن يؤلف فيها كتاب آخر بجانب الكتب العديدة التي تحدثت عن أهمية الفن وفائدته. يقول ماثيو أرنولد وهو شاعر وناقد إنجليزي بأن كل عمل فني عظيم يتسم "بالرغبة في إزاحة الخطأ الإنساني، وتجاوز اضطراب البشر ومحو معاناتهم...فطالما كان الفن صيحة احتجاج على الأوضاع القائمة، وبالتالي حافزًا على تقويم بصيرة الناظر أو تعليمه كيف يدرك الجمال، ومعاونته على فهم الألم أو إنعاش حساسيته ووجدانه، وتغذية قدرته على التعاطف أو إعادة التوازن لرؤيته الأخلاقية عبر الحزن أو الضحك."

     الفن يمنحنا فرصة التعبير عما يختلج خواطرنا، وهو وسيلة مثالية للدفاع عن المغلوبين والضعفاء والمهمشين والمناضلين، هو تصوير لقضايا مغيّبة، أو إعطاء الصوت لمن لا صوت له، أو لمن لا يملك رفاهية أن ينصت له أحد، يسلط الفن الضوء على معاناة لا تكترث بها قنوات الأخبار والصفحات الإخبارية، عن حروب وصراعات الفرد التي يعيشها بعيدًا عن الأعين، عن مشاكله وهمومه ونظرته للحياة وتفاعله معها، جميعها أشياء تعطينا شيئًا لا يمكن أن نجده في أي مصدرٍ آخر. قد يحدث أننا لم نعايش حربًا في حياتنا، ولا نعرف شخصًا معرفةً شخصية قد مرت بلاده بحرب، لكننا وبفضل الأدب استطعنا أن نفهم أوضاعًا لم نكن لنحس بها بهذا القدر لولا الأدب. لنا في نضالات بلداننا العربية أمثلة لا تنتهي، وأوضاع الأفغان مثلاً ومعاناتهم الطويلة وغيرها من البلدان المنكوبة. لا يصوّر الإعلام المشاهد التي تحدث في الخفاء بعيدًا عن الكاميرات– المعاناة الإنسانية التي يعاصرها هؤلاء المستضعفون– بل يهتم بالصورة الكاملة، بتوثيق حدث انفجار في إحدى المناطق، أو مجزرة في مكانٍ آخر، لكن خلف هذه المشاهد صراعات عديدة لا يستطيع نقلها وتصويرها بشكلٍ منصف سوى الأدب. 

     للأدب نفع كبير على النفس البشرية لا نجد له وجودًا في العلوم الطبيعية كما يدعي غالبيتهم بأن المعرفة التي تؤتي ثمارها في المجتمع والفرد والعالم مقتصرة على العلم الطبيعي دون سواه. نحتاج لهذه العلوم كما نحتاج أيضًا للعلوم الإنسانية، والتي لا تقل أهميةً عنها، وكما تقول جوخة الحارثي:" إن فكرة قياس الإفادة من العلوم الإنسانية بنوع الإفادة من العلوم البحتة فكرة غير مجدية. نحن نتحدث عن حقلين مختلفين من حقول المعرفة، فالتطبيق المباشر لمسألة فيزيائية أو معلومات طبية مختلف كليًّا عن طريقة الأدب في تعليمنا: الطريقة التي تتجنب المباشرة في المقام الأول". وتضيف:" لا يمكن فصل الأدب عن الفكر، كما لا يمكن فصله عن السيكولوجيا والسوسيولوجيا والفلسفة والتاريخ وعلوم أخرى.." 

     ولنفهم أكثر حاجتنا للفن سأعود إلى أرنولد الذي قال بأن الفن هو "نقد الحياة" وقد فسر هذه العبارة -آلان دو بوتون- في كتاب قلق السعي إلى المكانة قائلاً بأن الذي نفهمه من عبارة أرنولد بأن: "الحياة ظاهرة تحتاج إلى النقد، وذلك لأن البشر، كمخلوقاتٍ قاصرة طريدة الفردوس، عُرضة لمخاطر دائمة، مثل خطر عبادة آلهةٍ باطلة، أو العجز عن فهم المرء لنفسه، وإساءة تأويل سلوك الأشخاص الآخرين، وسيطرة القلق والرغبات عليهم بصورة هَدَّامة، وسقوط النفس ضحية للتفاهة والضلال. وهكذا فإن الأعمال الفنية، على اختلاف أشكالها من رواية وقصيدة ومسرحية وتصويرٍ زيتي وسينما، تستطيع أن تكون وسيلةً تفسّر لنا وضعنا الإنساني، بحيلها وطرائقها المستترة، وعبر الميل إلى الخفة والرزانة. وقد تكون أعمال الفن دليلاً نحو فَهم العالم بصورة أصدق وأرشد وأذكى." 

     ويقول عبده خال عن أهمية الرواية:" الرواية ليست للتسلية وإلا لما كُتب عنها دراسات من قبل أساتذة الجامعات ولما حصلت على الكثير من الجوائز، ولما تعب الروائي في كتابتها مستغرقًا في ذلك سنوات من عمره."

قرأت مرة مقالاً عن تأثير الأدب على الدماغ، فقد توصل العلماء من أن التجارب والمواقف التي يمر بها بطل شخصية ما، تؤثر على دماغ القارئ ويتفاعل معها كما لو أنه هو من عاش التجربة شخصيًا، لذا فالأدب يُكسبنا تجارب وخبرات ويضيف لنا أكثر مما نتوقع، على الصعيد اللغوي والنفسي والروحي. 

     حينما نقرأ عملاً أدبيًا جيدًا نستطيع أن نخرج منه بفوائد عديدة، فوائد لا تُقاس بالكم بل بالكيف، فلا يهم كم قرأت كتابًا بل كيف استفدت مما قرأته، ولا يهم كم فائدة ومعلومة خرجت بها بل كيف ستتفاعل مع هذه الأفكار الجديدة وما الذي ستُضيفه لك، وفيما يتعلق بالأخلاق لا نجدها في هيئة مواعظ مباشرة، أو أسلوب علمي يخاطب العقل فحسب، بل نلمسها بالاشتراك بين العاطفة والعقل، الأدب الجيد لا يسرد الأخلاقيات في هيكل جامد، بل يمررها لنا خلف الأسطر في قصةٍ ما، يهذب النفس، ويرسم فيها أثرًا واضحًا وجليًّا ليكون شخصًا متفردًا بذاته. وهنا قد يكون الأدب سلاحًا ذا حدين، وإذا لم نختر من نقرأ له بكل عناية، فقد نجد أنفسنا ننساق خلف قناعات وآراء خاطئة أو ناقصة. قد يستخدم بعض الكتّاب الأدب لإيصال أفكارهم المشوهة، ومعتقداتهم الباطلة، وهنا يقع الدور على القارئ النبيه الذي ينتقي بعناية ما يناسبه وما يناسب معتقده وإيمانه. وكما قد يستغله البعض في جوانب باطلة قد يستخدمه الكثير للتحسين. فمثلاً عبر الأدب الإسلامي نستطيع أن نقف ضد النظرة الإرهابية التي يُنظر بها لهذا الدين، في قالبٍ أدبي سردي بعيد عن الوعظ والإرشاد المباشر، نستطيع أن نصوّر هذا الدين على حقيقته المجردة من كل محاولات التشويه التي أُلصقت به، إذ تميل النفس البشرية بطبيعتها في الغالب للأسلوب القصصي وتنفر من الأسلوب التوجيهي الذي يخاطب العقل وحده.

     أستطيع أن أسرد مئات الأمثلة عن أعمالٍ أدبية كان لها الأثر الكبير، والجامع المشترك بينها جميعًا هي تلك السمة العاطفية التي تستميل قلوبنا منذ الوهلة الأولى، وتشد أذهاننا، وتُصغي لها أفئدتنا، سواءً أناقشت قضايا كبرى أم صغائر الأمور. فمثلًا في رواية المعطف لغوغول نتابع شخصية مهمّشة ومثيرة للشفقة لا تثير اهتمام أحد. يسخر الجميع منه ومن معطفه الرث البالي، لكنه يستمر في الحفاظ عليه كسواه ممن هم من الطبقة الكادحة، نتابع حياته الروتينية العادية إلى أن يقرر كسر هذا الروتين وحياكة معطف جديد، والذي لم يكن بالأمر السهل للطبقة الاجتماعية المطحونة التي ينتمي إليها، وحين يحصل بعد عناء على معطف جديد يُسرق منه فيندفع مقهورًا محاولاً استعادته لكنه يفشل فيعود مع قهره ومعطفه القديم الممزق.  قد يتساءل البعض ما الذي أستفيده من ملاحقة معطف مسروق؟ غير أن الذي يقرأ هذه الرواية لا يستطيع ألا يفهم المغزى العميق خلف بساطة الفكرة، فبواسطة هذا المعطف يصوّر الكاتب مجتمعًا بيروقراطيًا مضطَهِدًا، ويحمل رسائل أخلاقية مؤثرة، ويبرز مرحلة من مراحل روسيا في تلك الحقبة.  هذه الرواية كانت سببًا في انتشار القصة آنذاك، وتأثر الكثير من الكتّاب الروسيين وغيرهم بها، وقد قال أحد الكتّاب بأنهم قد خرجوا جميعًا من هذا المعطف. رواية بسيطة في هيكلها، عميقة في معناها، استطاعت أن تكسب هذه المكانة الأدبية وتحظى باهتمام جميع الآداب حتى يومنا هذا، يجب أن نقف ونتساءل ما الذي أكسبها هذه المكانة؟ وسنجد الجواب هو في قدرتها على لمس قلوب قرائها، وقدرتها في إيصال الأفكار والمشاعر والقضايا ومعالجتها في قالب مبسط.

      وفي ثلاثيّة غرناطة مثلاً نستطيع أن نعرف تاريخ الأندلس الحزين بسقوط آخر معالم الدولة الأندلسية، نستطيع -عبر العاطفة- أن نعرف التاريخ وحقائقه من خلال قصة تأخذنا في طيّاتها إلى أزمنةٍ مضت وأمكنة لم يبق منها سوى الآثار، هذه السمة التي يرمز لها الكثير من المستخفين بالأدب بأنها ليست إلا هدرًا للوقت، وكما عبّرت جورج إليوت: "إن لم يوسّع الفن حدود تعاطفنا الإنساني فلا نفع له من الناحية الأخلاقية." 

     وللفن التشكيلي دوره في تمرير الأفكار والمشاعر وغيرها عبر لوحة مرسومة بفرشاةٍ ولون. كان الرسام الفرنسي جان باتسيت شاردان متميزًا بأعماله الفردية الخاصة، إذ اهتم برسم الحياة اليومية وكل ما تحويه من أشياء عادية لم يفهم الناس المغزى خلفها، ولا كيف يكرّس فنان مثله جهده وموهبته في تصوير مشاهد ليس لها شأن.  ومنذ الأزل كان الناس يمارسون هذه النظرة الدونية لكل من يبتعد عن التفاخر والنبل ويقترب من العادية والبساطة والإنسانية، ركز شاردان في أعماله على الحياة الساكنة والحياة اليومية للطبقة الكادحة، إذ اهتم بتصوير تفاصيل حياتهم العادية والتي كما عبّر عنها معاصروه بأنها "دون المستوى" فأخذ يتناول صورًا من حياتهم وهم يمارسون أمورهم الدنيوية البسيطة، فيصوّر أطباقًا مكسورة وثمارًا مختلفة وأرغفة خبز، وامرأة بثياب رثة تقشر بيضةً لرجلٍ مريض، وأخرى ترتب طاولة العشاء المتواضعة، سأل العديد عن سبب توجهه لهذه المشاهد في أعماله في حين كان الأغلب يتجه للمواضيع التي وضعتها الأكاديمية الفرنسية للفنون التشكيلية آنذاك في عام 1648، وقد تم ترتيبها حسب الأهمية واضعين في المقام الأول الموضوعات التاريخية، ثم البورتريهات الشخصية، ثم المناظر الطبيعية، وبعدها تصوير الحياة اليومية والذي كان يعد أقل شأنًا وأقرب للنبذ، كان شاردان يقف في صف أي رؤية تُنبذ، ويبرزها في أعماله، وقد قال عنه مارسيل بروست:" لقد علَّمنا شاردان أن ثمرة كمثرى ممتلئة بالحياة بقدر ما تمتلئ بها امرأة، وأن إبريقًا قد يبلغُ جمال حجر كريم". ومرة أخرى الذي ميّز شاردان هي السمة العاطفية والإنسانية في أعماله، حتى إن صورة امرأة فقيرة ترتب طاولة العشاء المتواضعة وأخرى تقشر بيضةً بدت أكثر جاذبية وإحساسًا بالحياة من صورة ملك يعتلي صهوة جواده.

     إذًا هذا ما يفعله الفن. يقربنا من فهم النفس البشرية، إذ يتوغل بها، ويعكس ما تخفيه في طيّاتها. يعرفنا على أشياء لم نكن نعرفها أو لم نكن نهتم ونلتفت لها، وحين نعرفها نكتشف مدى جهلنا وتتفاقم لدينا الرغبة في أن نعرف أكثر. يُثرينا لُغويًا وفكريًا ونفسيًا، ويفتح آفاقنا ويوسعها. يُكسبنا الفن قدرةً على فهم الأشخاص من حولنا، يُنقذنا، مثلما أنقذت الحكايات شهرزاد من القتل على يد شهريار، ومثلما أنقذ الرسم فريدا كاهلو من ملازمتها لفراش المرض، ومثلما أنقذ العديد من العزلة والاكتئاب والمرض والفقد والغربة والفراق والألم.  لذا فالأدب والفنون بشكل عام ضرورة، تقطع لنا شوطًا طويلاً في فهم الحياة عبر تجارب الآخرين، عبر شخصيات خيالية وعالم مُتخيَّل، وهنا تكمن لذة الأدب وقوة سحره.

أماني عبدالرحمن هي كاتبة ومدونة وفنانة تشكيلية من السعودية. صدر لها رواية -يمامة التلاق-  والعديد من المقالات في صحيفة الجزيرة الثقافية. يمكن متابعة حسابها على تويتر: ​​amani13b@

الفن بين نقد الحياة والتخفيف من وطأتها

أماني عبدالرحمن