أتذكر ذاك اليوم حين طلب مني  أبي أن أعتلي ظهر كتاب بدلا من الوقت الضائع بين التلفاز واللهو هنا وهناك. كررها أبي مرارا  حتى  أصبحت الكتب هي جوادي المجنح الذي  يأخذني لأسفار وعوالم ما رأيتها من قبل. أرتشف من رحيقها الذي لا ينضب وأبحر في معالمها اللامتناهية. أحببت الكتب ورائحتها. أصبحت صديقي، جليسي وأنيسي. يهرب النعاس ويعتريني القلق من عدم وجود كتب وأقلام بجوار وسادتي. أيضًا، سرقت من أبي عادة تحويل السرير إلى حاوية مكسرات. أستيقظ بين الفينة والأخرى أنقنق وأقرأ، أقرأ وأنقنق هكذا حتى يأتي الصباح– الصباح الذي بدا لي اليوم تغشاه ضبابة؛  ضبابية شقيقة ديدحانة التي ضللت العقول وأظلمت القلوب. الصواب بيّن والخطأ كذلك بيّن ولكن بفعل تلك المتحورة تشابك الاثنان.

     رائحة عتيقة فواحة ملأت أركان الغرفة فهي رائحة مكتبتي بكتبها التي تتلألأ بين الرفوف، اشتقت إليها كثيرا، فقد غبت عنها لأيام وما كانت هذه عادتي. من بين الثنايا والرفوف بالمكتبة التقطت كتاب عن  مقبرة سندجم رقم TT1، وهي مقبرة أثرية تنسب للموظف سندجم الذي عاش في أواخر عهد الملك سيتي الأول والسنوات الأولى من عهد الملك رمسيس الثاني بالأسرة التاسعة عشرة بالدولة الحديثة وذلك طبقا لتقسيم المؤرخين للتاريخ المصري القديم،  وهي واحدة من أكثر من 50  مقبرة بمنطقة دير المدينة كانت مخصصة فقط  للفنانين والعمال وعائلاتهم، الذين قاموا بأعمال رسم وحفر الجداريات وتلوينها بوادي الملوك، ومقابر زوجات الملوك والأمراء بوادي الملكات  ومقابر النبلاء، أما عن موقع دير المدينة فيقع غرب الأقصر، يحده معبد الرمسيوم ومدينة هابو ووادي الملكات. لفت انتباهي تلك المناظر المصورة على الجدار الشرقي لحجرة الدفن حيث يتكون المنظر من خمس شرائح  محاطة بالماء، في الشريحة الرابعة نجد شجر النخيل والدوم  محملا بالثمار الناضجة وبينها شجر الجميز، وفي الشريحة الخامسة صُورت حديقة من الزهور منها زهر أزرق اللون وزهر اللقاح بزهورها الصفراء وصورت أيضا زهور الخشخاش الأحمر القرمزي، وهو نبات عشبي حولي صغير ارتفاعه يتراوح بين 30 إلى 40  سم، رائحته نفاذة وقوية مر الطعم. له أسماء شائعة كالخشخاش المنثور، الخشخاش الشائع، الخشخاش، زغليل، ديدحان، وقد بدأ المصريون يزرعونه من عهد الأسرة الثانية عشرة. كان يستخدم في تكوين الأكاليل الجنائزية، واستخدمت الزهور في صناعة  المشروبات والمواد الصابغة. أما البذور فقد استخدمت في صناعة الكعك. هذا النوع يختلف عن النوع الذي يستخلص منه الأفيون الذي يعرف بالخشخاش المنوم  والذي غالبا ما جلب إلى مصر لزراعته منذ عهد الأسرات وكان يستخدم للزينة.  كما شاع استخدامه في مجال الطب، واستخدم في العلاج كمخدر لتسكين الآلام ولطرد غازات الأمعاء. ولا عجب في نهج القدماء، فقد استفادوا بكل ما تجود به الطبيعة دون ضرر أو ضرار.

هذا عن الماضي ولكن أين الحاضر وكيف سيكون المستقبل بعد تغيير مسار الأفيون؟!  

     الحاضر ربما رأيته  وأنا في عمر السابعة. ففي ليلة مرض جدتي لأبي،  نقلها أبي لعيادة الطبيب في الحال. ألحيت عليه بالذهاب معه، لم يرفض ولكن مخافة علي من نقل العدوى تركني مع السائق في الحديقة الداخلية للعيادة. أهمني أمر جدتي كثيرًا، فحاول السائق التخفيف عني. حاورني قائلًا:

"شوفي أحواض الورود والزهور حواليكِ، جميلة كييه! زي جمالك يا بنيتي، أقطف لك وحدة؟" 

أجبت :

" إيوه ، ولكن ابعد من الحوض الأخضر"

لاح على وجهه التعجب مجيبا لماذا ؟! أجبت حينها أن هذا حوض أفيون. كان في مخيلتي أن كل زهر أخضر ما هو إلا أفيون. قهقه السائق كثيرا حتى دمعت عيناه قائلا باندهاش:

  "من وين جيتي بالاسم ده؟" 

ظل هذا السؤال الأخير للسائق عالقا في ذهني  ولم أجد إجابته  منذ أن سئلت وحتى فرغ طبق اللوز وغلبني النعاس. 

 

أسماء محمد هرماس، من مصر، تهوى الكتابة والتدوين، وتحب الانتماء للكتب، حاصله على ليسانس الآثار من كلية الآثار، جامعة الأقصر قسم الآثار المصرية القديمة ثم السنة التمهيدية للماجستير من كلية الآثار جامعه الأقصر بترتيب الثانية على الدفعة لعام ٢٠٢٢. 

شقيقة الديدحانة بين الماضي والحاضر

أسماءمحمد هرماس