منذ علمت بحمل زوجتي، لم أحمل بداخلي شغفًا كبيرًا لمعرفة جنس الجنين، رغم أن دقات قلبه ظلت تتردد في أذني منذ سماعها للمرة الأولى عن طريق الموجات فوق الصوتية، كنغمة لا مثيل له. أشعر بها كلما دقَّ قلبي. يبدو أنني وجدت معنى الحياة الذي بحث عنه ڤيكتور فرانكل في كتابه رجل يبحث عن معنى، فشعرت بأن هناك سببًا كبيرًا رغم ضآلة حجمه أعيش من أجله.

     في إحدى زياراتنا الدورية لطبيبة النساء والتوليد، وبعد انتظار طويل ألفناه، دخلنا لها. كانت تنهي مكالمة هاتفية دولية طويلة مع أختها الموجودة بأستراليا، والتي حالت الكورونا دون نزولها مصر هذا العام، هكذا أخبرتنا الطبيبة دونما سؤال منا، وهي تعتذر لنا عن التأخير. أثناء عمل السونار الروتيني للاطمئنان على صحة الجنين، نظرت إليّ الطبيبة بابتسامة بلهاء، وقالت بنغمة صوتية منخفضة وسريعة معًا: ”الجنين ولد.“ ومن هنا بدأت رحلتي لاختيار اسم لابني؛ لا يكون جواز  سفره، ولا يعرضه للتنمر، ويكون ذا هيبة، ومفتاح شخصيته، لأننا ننظر للأشخاص - أحيانًا -بمنظار الأسماء.

     بناءً على تجربتي الشخصية، عندما بدأت تعلُّم الكتابة، لم أكن أحب اسمي الطويل جدًا وأجد صعوبة في أن أسير على السطر كما طلبت مني معلمتي. تساءلت كثيرًا - لا أفعل ذلك دومًا -  وكلي حنق لِمَ لم يسمني أبي عليًا أو أحمد أو زيدًا أو حسنًا أو علاء - كأخي - وغيرها من الأسماء سهلة الكتابة؟ لم أجد جوابًا، ولم أملك الشجاعة الكافية لأصرح بالسؤال لأبي.

     مر الوقت سريعًا وتحديدًا وأنا تلميذ بالصف الخامس الإبتدائي. جاء لقريتنا مجموعة من السائحين - ولم يكن الأمر معتادًا في قريتنا الصغيرة - مع جارنا الذي أخذني بدوره ليعرفني عليهم. أخبرتهم باسمي وكلي خجل رغم سعادتي البالغة، فلأول مرة أحادث أولئك الذين أراهم فقط على غلاف كتاب اللغة الإنجليزية، لكن عندما عاودت الشقراء ذات العيون الزرقاء نطق اسمي ”أبراهام“ أصابني الإحباط رغم إعجابي الشديد بطريقة نطقها، فأنا أود أن ينطق اسمي كما هو. لِمَ لم يسمني أبي اسما ينطقه الجميع بطريقة واحدة؟! 

     بدأت هذه النظرة تتغير رويدًا رويدًا وبالتحديد عندما كتبت اسمي باللغة الإنجليزية في برنامج الوورد (Word) ولم يبرز كخطأ إملائي على النقيض من اسم علاء أخي. حينها وللمرة الأولى شعرت باعتزاز كبير باسمي. أخبرت مُعلّم الحاسب الآلي أن الوورد لم يضع تحت اسمي خطًا أحمرًا كما وضع تحت اسم أخي، إلا أنه لم يهتم ونظر من تحت نظارته نظرة استهجان وهو يقول:

 ”هو الواد ده اتجنن ولا إيه؟ اطلع على فصلك يا بابا.“ 

كانت سعادتي أكبر من أن تغضبني ردة فعله المعتادة. ذهبت البيت وأخبرت خالي الذي طار فرحًا وأخبرني أنني مميز، ولذلك لم يظهر اسمي كخطأ إملائي وأعطاني قصة قصيرة جدًا. طلب مني أن أقرأها بصوت عالٍ وعندما وصلت لهذه العبارة: ”فلتحيا النجوم،“ قرأتها بحماس شديد وكأنني أطارد نجمًا هاربًا على ذلك العلم المدجج بالنجوم، فصفق لي خالي بحرارة أيضًا. 

     منذ ذلك اليوم وأنا أدعو لأبي سرًا وعلانيةً أن سماني ”إبراهيم“ فلقد كان أمرًا مميزًا حقًا أن أكون الوحيد في مدرستي الذي يحمل هذا الاسم, وفي منطقتي يشاركني شخص واحد فقط الاسم أو ربما اثنان، فلم أكن كبقية زملائي أبحث عن اسمي في القائمة بل بنظرة واحدة أجده الاسم الأول على رأسها. فأنا فائز لا محالة في أي شيء له علاقة بالترتيب الأبجدي، ولقد صنع اسمي فارقًا حقيقيًا في حياتي.

     ولأنطلق في رحلة البحث عن اسم لابني، أحضرت ورقة وقلمًا ذات مساء، وكتبت في محرك بحث جوجل أسماء أولاد، فظهرت لي اقتراحات من مثل: ”أسماء أولاد إسلامية“ و”أسماء أولاد جديدة“ و”أسماء فريدة من نوعها.“ اطّلعت عليها ووضعت ما أعجبني منها في قائمة ضمت أسماء من مثل: تيم وتميم ويحيى ويونس ومالك، وأرسلت هذه القائمة لزوجتي التي لم تكن متحمسة كما اعتقدت لطريقتي في تصنيف الأسماء؛ فلقد صنفت الأسماء وفقا لسهولة نطقها وكتابتها؛ الحرف الأول من الاسم، هل هو من الحروف الأولى في الترتيب الأبجدي أم لا؟ هل الاسم إسلامي أم لا؟ هل بالاسم مخالفة شرعية أم لا؟ هل سيجنبه الاسم المتاعب في المستقبل أم لا؟  ولأن للاسم سطوة على كينونة صاحبه، أعجبني أن الشاعر السوري محمد الماغوط حينما أراد أن يسمي ابنه كانت له فلسفة خاصة رغم عدم اتفاقي الكامل معها؛ حيث بحث الماغوط لابنه عن اسم لا علاقة له بأي انتماءات رمزية مسبقة. يقول في قصيدته ”سأنجب طفلًا اسميه آدم“:

سأُنجب طفلًا أسميه (آدم)، لأن الأسامي في زماننا تهمة، 

فلن أسميه محمدًا ولا عيسى، لن أسميه عليًا ولا عمر،

لن أسميه صدامًا ولا حُسينًا، ولا حتى زكريا أو إبراهيم، ولا حتى ديفيد ولا 
جورج،

 أخاف أن يكبر عنصريًا وأن يكون له من اسمه نصيب،

فعند الأجانب يكون إرهابيًا، وعند المتطرفين يكون بغيًا،

وعند الشيعة يكون سنيًا، وعند السنة يكون علويًا أو شيعيًا،

أخاف أن يكون اسمه جواز سفره.

 آدم!!! لِمَ يتغنى الشعراء بهذا الاسم؟! ففي العام 1969  شيّد له الشاعر العراقي سركون بولص عاصمة من السحر، فيقول في قصيدته الطويلة ”عاصمة آدم“:

 يا آدم
اسحر هذا البحر
بيديك الطافيتين
فوق نسيج الموت

وليتحول عاشقة
يركض بين موانئها فمك المفقود
واسحر عاصمة وتقلب
في موتك واستسلم
سيقودك نحوي نهر
أطفال، سمكات سود.     

   

 قررنا أخيرًا أن نسميه آدم؛ فهو سهل في النطق وسريع في الحفظ.

     تقول الكاتبة الصينية ييون لي: ”حقًا، أعتقد أن المرء لابد أن يكون قادرًا على أن يتخيل نفسه شخصًا آخر. هذا أمر مهم للكُتّاب، إلا أنه مهم للقراء ولجميع البشر أن يمتلكوا المقدرة على تخيل أنفسهم أشخاصا آخرين.“ أحضرت مجموعة من الروايات التي يحمل أبطالها اسم آدم أو يوجد الاسم في العنوان، وكلي شوق لأرى كيف تخيل الأدباء حياة أبطالهم الذين يحملون هذا الاسم والتي ربما يكون لها صدى بشكل أو بآخر في حياة آدم ابني. ذلك المخلوق الصغير الذي ملأ بيتنا صراخًا وملأ حياتنا أملًا. بعدما قرأت العديد من الروايات، أريده أن يعلم أن سبب تجرد آدم بطل رواية محمد المنسي قنديل القصيرة آدم من طين من حقه هو أنه لم يمتلك القدرة والشجاعة للدفاع عنه وحمايته. أريده أن ينحت وجه العالم وألا يتخلى عن مبادئه في سبيل الوصول لغايات بلا قيمة كذلك الصحفي الكويتي الشاب بطل رواية آدم ينحت وجه العالم للكاتب أحمد الزمام الذي يكشف لنا طبيعة النفس البشرية. 

     مر عام على وصول آدم إلى عالمنا، يحاول التكيف معه، يكتشفه، بينما أكتشف أنا نوعًا جديدًا من الحب. تعلمت نوعًا جديدًا من الترجمة لم أدرسه بالجامعة؛ الترجمة الفورية لأصوات بكائه المتعددة؛ فكل نغمة تُتَرجم لطلب مختلف إما النوم أو الأكل أو المغص. واليوم، استيقظت مبكرًا على غير العادة لأختلس وقتًا أتمكن فيه من كتابة هذه الكلمات. بهدوء تسللت من غرفة نومي. جلست على مكتبي المقابل لسريره. شعر بي آدم فاستيقظ ونظر إليّ كأنه يعاتبني لأنني استيقظت بدون إذن منه، أو ربما يفكر في الخطوة التالية، بدأ يحبو سريعًا نحو مكتبي. استند على المكتب وجذب سلك شاحن اللاب توب.

 ”سيب السلك يا آدم ويلا ننام.“ 

هز رأسه وانفجر في البكاء، وبعدها نظر إليّ نظرة تهديد جعلتني أغلق اللاب توب سريعًا حتى ألاعبه. حملته بين ذراعيّ، وضع إحدى يديه على كتفي، والأخرى بدأ يحركها، وأصدر أصواتًا وكأنه يتحدث بجدية في أمر بالغ الأهمية. تخيلته يحدثني متطلعًا لمستقبله، فيقول:

 ”أريد أن أكبر، أنا لا أحب أن أكون صغيرًا يجذب شاحن اللاب، بل أريد أن أكون كبيرًا أضغط بقوة على حروف كيبورده، أتطلع لأن أكون أبًا لشيء كما كان أبونا آدم أبًا لنا جميعًا، أريد أن أكون أبا للحرية...أريد أن أكون أبا للأطفال المشردين من حولنا ...أريد أن أعيد للإنسانية بسمتها ولو بفعل بسيط كأن أعلّم طفلا يتيما الأبجدية ليقرأ، أو أعلّمه الفاتحة لأصله بخالقه….“

أب في مهمة البحث عن اسم لابنه

إبراهيم سيّد فوزي

إبراهيم سيد فوزي هو أكاديمي، كاتب ومترجم من مصر، نُشِرت ترجماته (من اللغة العربية وإليها) في ARABLIT & ARABLIT QUARTERLY و OLONGO AFRICA ومجلة ميريت الثقافية ومجلة أخبار الأدب وغيرها.له تحت الطبع مع دار نشر Cambridge Scholars Publishing كتاب بعنوان: Belonging to Prison