السيدة التي ترتدي الأسود دائمًا، محنية القامة بدرجة تندهش معها كيف تستمر بالحياة، تستند تارة على عكاز مرتجل مقطوع من شجرة الصفصاف، وتارة على إحدى ركبتيها. باليد الأخرى تثبّت سبتًا صغيرًا كالح اللون على رأسها؛ كان يومًا سُباطة نخل، سُلبت منها ثمارها، ثم عُرِّضت للشمس والماء، وبعد ذلك فُتلت أسبتة ومقاعد وأوانٍ.

 سبتها الذي ملأته بشكل فوضوي بقطع الحلوى الملونة والجافة والملوثة أيضًا ببصمات أصابعها الطويلة، تحمله على رأسها. ثمة وشوم على جانبي وجهها لعصافير تفرد أجنحتها على أهبة الطيران، إلا أنها الآن وبسبب تغضنات لا محصاة لمت أجنحتها واستكانت. وبرغم أنها تغطي شعرها جيدًا إلا أن بعض الشعيرات البيضاء تطل على الجانبين.

       تمشي خلال أزقة ضيقة، آتية من بيتها على أطراف العزبة البعيدة قبل طابور الصباح. عندما تصل إلى مكانها تُنزل سبتها على مهل ثم تنتظر. في الوقت ذاته، يشب واحدٌ منّا على أطراف أصابعه، ويتدلى ليمسك بطرف الحبل المتشبث بالجرس الضخم ليجذبه بقوة فيتردد صداه ويصل ذلك الصدى للأمهات في بيوتهن، فيعلمن أن أولادهن على وشك الوصول. أمّا هي فتحمل سبتها ثانية وتمشي.

       أتأملها من مكاني بالفصل، ولأني كنت أقرأ كثيرًا فقد تخيلتها واحدة من العجائز المتوحدات والشريرات كما في القصص المترجمة المليئة بالصور. يستوقفني منظرها في رواحي والمجيء، وهي جالسة على مقربة من أخريات -يصغرنها بالضرورة- تحت ما تبقى من سور المدرسة المتهدم؛ ليقيهم بعض الشمس وتراب الطريق. لا تحادث إحداهن ولا يحادثنها. تبدو لي بفمها الخالي من الأسنان أنها غير قادرة على الكلام. ولكني في الفسحة، وعندما اقتربت منها أكثر سمعتها تردد دعاءها الذي بدا حتى حينها ساذجًا:

-"يا رب اللي يأخذ مني ينجح."

     أمد يدي في جيبي ثم أخرجها ممسكًا بعملتي المعدنية التي منحتها لي أمي في الصباح وأعطيها إياها. تأخذها بحرص، وتقربها من عينين تضيقهما أكثر لتحسين الرؤية. أعرف أنها لا تستطيع التمييز لأن محمد عبد التواب لم يمنعه صوتها المنخفض العجوز ولا تغضنانها وأوردتها الظاهرة؛ زرقاء وملتوية على ظهر يديها من أن يشتري حلواها بأي قطع معدنية دائرية تقابله، وهي كالعادة تقربها من عينيها فقط لتوهمه أنها تراها.

     أسأل عنها من يجاوروني في المقاعد، فأسمع منهم حكايات مختلفة تبدو جميعها مقنعة لي إذا ما ركّبتها على صورتها القابعة بذهني. منها مثلًا، أن أولادها سافروا جميعًا لإيجاد فرصة لأكل العيش ولم يرجع منهم أحد، أو أنهم موجودون، ولكنهم مشغلون عنها بزوجات يرونها عبئًا ومعرّة أو أنهم ماتوا جميعًا في معارك قديمة قامت بينهم وبين العمدة، ثم بينهم وبين الحكومة، بعدما صاروا خارجين على القانون.

     أيّا ما كان تاريخها فإنها الآن جزء ثابت من المكان مثل شجر النبق والفيقس، حتى إنها احتلت لفترة جزءًا من لا وعينا الجمعي. مريم دياب -البنت التي اختفت ولم نعرف عنها شيئًا، لأن أباها رأى أنها كبرت ولم يعد لائقًا ذهابها للمدرسة- كانت تحكي لنا دائمًا عن زيارات تلك العجوز لها في منامها؛ تنادي عليها بصوت متضخم، وهي تجري باحثة عن مكان يصلح للاختباء منها في رعب حتى تستيقظ جافة الحلق. أمّا شعبان محمد فيحكي أنه يحلم بها وهي توزع حلواها على التلاميذ بلا مقابل.

       أوشكت على أن تعتادها عيناي ثم أنساها، حتى  جاء ناظرنا الجديد؛ رجل  قصير وممتلئ، ولكن لغته الأقرب إلى الفصحى منها إلى العامية، والتي يعززها بكثير من الكلمات التي حفظها من سنين تأديته للواجب العسكري مثل (إستراتيجية - دعم - تخطيط) تجعله مبجلًا في أعين الجميع، كما يليق بكبير الأسرة التعليمية، كما يصف هو نفسه.

       أصبح يستقطع جزءًا من الإذاعة المدرسية، بعدما كانت إذاعة الصباح وقفًا على التلاميذ، فيمسك الميكروفون ويتكلم بانفعال وصوت عالٍ عن ضرورة التطوير والتغيير. في الإذاعة، أعلن عن طلاء جميع حوائط المدرسة بلون واحد، فمسح بذلك سنوات من كتاباتنا وكتابات من سبقونا بعضها فوق بعض. وحرق كومًا من الكتب بالمكتبة لم تعجبه عناوينها، كما أعلن ذات صباح عن فتح مكان لتحضير المأكولات بالمدرسة أسماه مَقْصِفا، كما أمر باقتلاع الكثير من الأشجار العتيقة والبدء في تجديد السور المحيط بالمدرسة.

     استمر الأولاد في شراء أكل البائعات، ربما لأنه يشبه أكل أمهاتهم بالبيوت، فأعلن في غضب قراره الجديد؛ تطهير المدرسة ممن أسماهم (ناشري الأمراض). قال ذلك صراحة في إذاعة المدرسة لتسمعه البنات البائعات خارج السور القديم. وبعدما وجّه إليهم إنذارًا أخيرًا كأي رجل شريف لا يطعن من الخلف، قرر المواجهة.

     جمع من الفصول مجموعة انتقاهم بنفسه - كنتُ من بينهم- اصطففنا في الخارج ثم ألقى فينا كلمته عن ضرورة الدفاع عن مدرستنا كما لو كانت ملاذنا الأخير:

-"كما لو كانت بيتك.. فهنا إخوتك الصغار الذين لا يميزون الصحيح من الخطأ، ويلوثون بطونهم بحلوى هؤلاء." امتلأنا تمامًا بالحقد.

  قسمنا إلى عدة مجموعات؛ تأتي من عدة جهات في توقيت واحد لتباغت (ناشري الأمراض) فلا يجدون وقتًا للمقاومة. الخطة لا تتضمن فقط الطرد بل سكب محتوى الأسبتة على الأرض ودهسها، بحيث تكون ضربة حقيقية تبعدهم أطول فترة ممكنة.

بينما إحداهن تطارد ذبابًا لزجًا عن حلواها، وثانية تحاول إطعام صغيرها الذي يقاوم محاولًا الحبو بعيدًا، وثالثة تحصي حصيلة اليوم، هجمنا نحن. عندما رأونا مقبلين، حاولن الفرار بأن يلملمن في وجل الفرش التي أمامهن، وبحثن بعين مرتعبة عن أولادهن الصغار. كنا الأسرع، وأحطنا بهن صراخًا وجريًا وشتمًا ورجاء؛ فكل ما تصل إليه أيدينا يصير ترابًا، وصوت الناظر في آذاننا يحفزنا على المزيد.

عفرة غبار تغطي المشهد ككل، تعلو فوق الرؤوس وتتخطى السور، منها ما يذهب باتجاه الفصول، وما يمشي في سكة العزبة.

  وجدت نفسي مدفوعًا من الأولاد أمام السيدة ذات الأسود الدائم. لم تقم من مكانها ربما لأنها لم ترنا قادمين ولم ينبهها أحد. ضربت سبتها بقدمي فطار من أمامها بعيدًا، ثم استقر على جانبه، فاندلق محتواه على الأرض. تناثرت الحلوى الجافة واللينة، العملات الحقيقية والمزيفة، وعدة بلحات، مؤكد أنه كان فطورها. رحت أدفن كل شيء بقدمي كرجل ذهب عقله. أحس نفسي قويًا كما لم أشعر من قبل، وأحس أني قادر على فعل أي شيء؛ كضرب كل العيال الذين أساءوا لي يومًا.

   نظرت للمرأة الجالسة. رأيتها ترتعد. تتمتم بأشياء لم أسمعها. لاحظت أنني أيضا أرتجف وآخذ أنفاسي بصعوبة. تلفتُّ حولي. كان الموقف يهدأ قليلا. ربما بعدما نال التلاميذ الكثير من الإعياء واستنشاق التراب. البائعات يحاولن جمع ما تبعثر من بضاعتهن وشَعرهن، وتعديل وضعية الأغطية فوق رؤوسهن.

     رجعت ببصري إليها، كانت تحاول الوقوف. استندت على ركبتيها بعدما ضاع عكازها. أقامت ظهرها كأقصى ما يكون. نظرت إلينا وقد غطّى وجوهنا التراب، ودمعة واحدة انسابت من عينيها باتجاه الأرض. مسحت أثرها بطرف طرحتها. تثبّتُ مكاني، في حين بدأت هي المشي البطيء في السكة المعفرة باتجاه الأزقة الضيقة؛ وحيدة وأكثر انحناء، ولم نرها بعد ذلك أبدًا.

           

إبراهيم المطولي كاتب وروائي مصري، ولد عام ١٩٨٤، صدر له أربع مجموعات قصصية: هنا يموتون مرات عديدة، سيد النخيل، قمر لا يضيء الحضير، حنين إلى العافية. ونشرت نصوصه بالأهرام والدستور والثقافة الجديدة ومجلة العربي الكويتية والثقافة الجزائرية. حصل على العديد من الجوائز، أهمها المركز الأول بمسابقة الشارقة للإبداع العربي مرتين عامي ٢٠١١ و ٢٠٢٢. وفاز بالمركز الأول بمسابقة قصص على الهواء التي تنظمها مجلة العربي الكويتية عام ٢٠١٤.

الناظر

إبراهيم المطولي