ما إن قلب بإبهام يده اليسرى محطة التلفاز التالية، وأبصر ذلك المشهد حتى شخصت عيناه. لم يكن ما لمحه في صندوق التلفاز المربع الصغير الذي تظهر فيه الصور بألوان رديئة قد عاينه لأول مرة، بيد أنه حين شهده تلك الساعة لاحت له ذكرى مربكة. بعيدة جدًا غير أنها الآن واضحة جليَّة، حتى إن جسده المسترخي على الأريكة انتفض بغتةً لدى مثولها أمامه.

     بدا له الأمر غريبا. لم يراوده شبح تلك الذكرى منذ سنين طويلة. وهاهو اليوم يداهمه بجرأة. لم يتوقع ولو لمرة واحدة أن تستفيق هذه الذكرى من جديد، أن تخرج من لحد ذاكرته قوية نابضة بالحياة، أن يستفزها مشهد تلفاز عابر.

     رأى في شاشة التلفاز الصغيرة القديمة رجلًا يقابل الجدار بوجهه. لم ير منه سوى قفاه المنكسر. لم يلحظ يديه المكبلتين بحديد غليظ؛ القابعتين خلف ظهره. لم ينتبه إلى مقتضى التهمة المرفقة في شريط أحمر أسفل الشاشة. اجتذبه على الفور توجه ذلك الرجل نحو الجدار.

     أبصر في سحنة الرجل القاصد الجدار ألفة غريبة. إنه يعرف جيدًا ذلك الوقوف. قد خبره بنفسه! إنه أكثر من يعرف معنى أن تتوسم الجدار الهامد بعينيك بدلًا من أن تتوسم بها وجوه البشر.

      في هيئة ذلك الرجل المجهول رأى نفسه حين كان طفلًا. كان يقف مثله كلَّ صباح. تارةً يواجه الجدار الصامت وحده، وتارةً يزاحم بجسده الغض أجسادًا صغيرة أخرى احتشدت قبله.

     تناهى إلى سمعه آنذاك صياحٌ حادٌ. صياح لا يدري كيف اخترق حاجز الزمن ونفذ إلى سمعه. اضطربت دقات قلبه المنتظمة وتزعزع استقرارها! بلغه صياح معلمه في الصباح الباكر، وهو يشير بمسطرته الغليظة إلى الحيز الضيق القائم بين حافة باب الفصل وسلة القمامة الخضراء ويصيح بانفعال:

-"هناك. وجهك إلى الجدار."

     لم تنسه الأيام والشهور والسنين مظهر ذلك الجدار، وحتى تلك الشعيرات البيضاء التي راحت تنبت بعشوائية في رأسه وشاربه، ما استطاعت أن تمحو قسماته من ذاكرته. 

لم يكن لونه أصفر فاقعًا، بل أصفر شاحبا. يعتقد في طفولته أن ذلك الجدار العتيق مريض، وأنه يقترب من موته المحتوم كل يوم بخطوات ثقيلة.  يؤكد له ذلك أن دهانه لا يكف عن التساقط. لم يعد دهان الجدار طبقة واحدة متماسكة، بل تشقق وتحول إلى أجزاء متفرقة هشة. من السهل اقتلاع تلك الأجزاء الضعيفة، حتى إن بعضهم يجد متعةًّ في العبث بها وانتزاعها، كاشفا بلهوه عن عري ذلك الجدار العتيق.

     لم يكن شكل الجدار الكئيب وحده الراسخ في ذاكرته. نظرات معلمه المؤنبة ما زالت هناك لم يطمسها الزمن. النظرات المغتاظة التي يرشقه بها معلم الرياضيات حين يدير رأسه عن الجدار، كأنه كان يريد بتلك النظرات حبس عينيه في قفصٍ سياجه ذلك الجدار الموحش.

      وبينما كانت عيناه تحدقان في الجدار، خيل إليه أن عيون الطلاب مصوبة نحوه، وأن سكاكين نظراتهم الساخرة تنغرس في ظهره، وضحكاتهم المكتومة ووشوشاتهم الخافتة تدور منصبة عليه. عزز من اعتقاده هذا تقدم طالب لئيم إلى حاوية القمامة الملاصقة له بذريعة نحت قلمه ليهزأ به.

     دومًا يشعر أنه ممقوت، وأنه لُفِظَ من حشد التلاميذ الهائل، كما يلفظ الضوء الظلام. أصبح لا يجرؤ كثيرا على رفع رأسه، لينظر في وجهٍ غير وجه الجدار.

     لم يتردد يومًا ذلك الشعور البغيض عن الوفود إليه، بل صار يتكرر عليه كل يوم. فلا يكاد يمر عليه نهار مدرسي من غير أن تستحوذ على روحه فظاعة ذلك الشعور. وعندما يعود إلى البيت فإن أكثر ما يتحاشاه هو الجلوس عند الطرف المقابل للجدار أو النوم على الفراش المحاذي له. لا يتخيل أن يلاقي ذلك الجدار الصلد بمحض إرادته. لا يتصور يومًا أن يكون آخر ما يراه قبل أن يقفل عينيه للنوم وبعد أن يفتحهما هو أحد تلك الجدران الواجمة. 

     بعد برهة من انخراطه في تلك الذكرى السحيقة أحس بآلام مريرة. آلام مبرحة دبت من أطراف قدميه وصعدت إلى ساقيه الهزيلتين، وكأن تلك القدمين الصغيرتين كان يرزح فوقهما حمل جسيم؛ حمل من لحم وعظام ودم. حملت تلك الأقدام الرقيقة وزن العظام الضعيفة واللحم الضئيل والدم الراكد طويلا حتى كادت أن تنوء بحملها. ارتفع أنين قدميه، وبدأت ساقاه تتأرجحان. وأدرك أنه إن لم يصنع شيئا حيال آلامه الشديدة تلك سينهار. سيهوي على الأرض. أو على الأقل سيصرخ. سيتجاوز الأمر تقلصات وجهه اللاإرادية التي تنبس بالألم رغما عنه. إن لم يتصرف سيفقد تماسكه في الحال. استحضر الحيلة التي اعتاد أن يسكن بها أنين قدميه. 

     في تلك الأثناء جاءت إليه زوجته. صاحت باسمه. لم يجب. اقتربت منه أكثر. حملقت في وجهه المنقبض بقلق. وضعت كفها على كتفه. ارتعد! كررت دعوتها إليه ليتناول العشاء. نهض خلفها مذهولًا تاركًا وراءه ذلك الرجل المبهم منتصبًا عند الجدار.

 

           

عاتقه مرزوق القضيب، طالبة في كلية التمريض في جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، مهتمة بكتابة القصة القصيرة، يمكن متابعة حسابها على التويتر: @superwoman_219

جدارية

عاتقة القضيب