(١)

     بحث عن موقف قريب من بوابة المطار، لم يجد سوى مواقف بعيدة عن البوابة. ظل يبحث حتى استسلم بعد عشرين دقيقة من البحث.

تأمل ورقة دخول مواقف المطار قبل نزوله من السيارة،  ثم فتح الآلة الحاسبة في جواله. حسب كم سيكلفه إيقاف السيارة لمدة ثلاثة أيام. لم يعجبه الرقم طبعًا.
تمتم: "لا الموقف قريب من البوابة ولا أجرة المكان قليلة." 

نزل من السيارة. صوّر مكان الموقف ورقمه ولوحة السيارة والورقة التي دخل بها المواقف.تعلم من تجارب سابقة مع مواقف المطار أن التصوير أضبط وسيلة لحفظ المعلومات.

(٢)

     دخل صالة المطار. تحسّن مزاجه فورًا. تأمل من حوله وهم يبتسمون. لماذا يسعد الناس بالسفر جوًا أكثر من السفر بالسيارة أو القطار؟ تساءل وهو يقلب عينيه في الوجوه المرحة التي يمكن أن تكون أحسن دعاية لشركات الطيران.
توجه إلى ركن المكتبة وقلّب في الروايات. بحث عن رواية تصلح رفيقة له حتى يصل إلى وجهته.

هو لا يفضل الروايات الرومانسية، لأن الرومانسية في نظره تصرفات وأفعال وليست خيالا أدبيًا، ولا الروايات البوليسية، لأنها تليق بنظره للمراهقين. بعد عدة دقائق من التأمل، أخذ رواية بناء على نصيحة البائع ثم جلس يقرؤها.

 

بجواره يجلس رجل كبير في السن، التفت إليه قائلا: 

-" الكتاب اللي معك، فيه أشعار؟"

-" للأسف يا عم. هذا رواية أجنبية مترجمة عن الروسية."

-" رواية... كل الروايات فكرتها واحدة: أحبك و لا تحبني."

رد عليه وهو يغالب ابتسامته: " طيب.. حتى الشعر يا عم، كله يدور أحبك وما تحبني و قمر وليل."

هز الشايب رأسه ضاحكًا وهو يلتفت تجاه من حوله من الجالسين.

 -"شفت إنك ما تعرف الشعر." 

وكأنها رسالة مبطنة لهم للنقاش حول أفضلية الشعر عن الرواية. هم الشاب بالرد عليه لكن منعه مرور فتاة أمامه وغمزتها له. تأملها متحيرًا، هل الغمزة مقصودة له؟ لأنه وسيم، أم لأنها معجبة به؟ أم لأنه يقضي وقته في القراءة؟ لا يهم، يكفي أن فتاة جميلة غمزت له.
يعاود الشايب الحديث معه، لكن ذهنه منشغل عنه. تغمز الفتاة مرةً أخرى.

 

(٣)

     نهض المسافرون عند إعلان فتح البوابة، صعد معهم، جلس في مقعده وهو يدعو الله ألا يجلس بجانبه تمساح، يتمنى ولو مرة في حياته أن تجلس بجانبه قطة.

لم يستجب الله لدعائه.
قلّب الكتاب الذي اشتراه قبل الرحلة، وتمتم: " لا أدري كيف سأقضي الوقت من دونك."

تأمل منظر الأرض وهي تبتعد تدريجيًا عنهم. تساءل هل تفضيلنا للسفر بالطائرة لأنه يشعرنا أننا طيور ترفرف بأجنحتها ونتنقل بسهولة من مكان لآخر؟ 

لم يدعه رفيقه بالمقعد أن يغوص في الكتاب ، فقد كان يسأله عدة مرات عن إجراءات الطيران.

قال له موبخًا: 

-" هل هذه أول مرة تسافر بها؟"

رد عليه والخجل يعلو وجهه:

-" نعم."

صمت قليلًا.

-" لا عليك، مع الوقت ستعتاد على السفر و لن تصعد الطائرة إلا ومعك كتاب تقرؤه."

 فهم رفيقه مغزى كلامه ولم يتحدث معه حتى هبطت الطائرة.

 

(٤)

     وقف معظم الركاب قبل أن تفتح أبواب الطائرة. هم رفيقه بالوقوف.

-"انتظر قليلًا حتى تسير الصفوف التي أمامك. في نهاية الأمر كلنا سوف نأخذ حقائبنا معا."

-" لكن ليس لدي حقيبة أنتظرها. معي حقيبة صغيرة فقط."

ابتسم بخجل. ثم قال:

-" افعل ما تراه مناسبًا."  

تمتم في نفسه: "أنا الحمار إذا نصحتك مرة ثانية." ثم واصل القراءة من الكتاب.

بعد أن استلم حقيبته، لمح الفتاة وغمزت له للمرة الثالثة. طار قلبه فرحًا. تبعها من بعيد، على مقربة من أحد المقاهي التقت عيناها بعينيه لتغمز له، حرّك عضلات وجهه أخيرًا وابتسم لها.

"قطعت غمزتها قول كل خطيب،" هذا ما قاله لنفسه، وتبعها مصممًا أن يدعوها لكوب قهوة. تجاوزت الفتاة المقهى لتدخل في الصيدلية. تبعها، ليخرج بعد قليل يجر أذيال الخيبة فقد سمعها تقول للصيدلي:

  -"عيني اليمنى تؤلمني وترمش كثيرًا، أحتاج إلى دواء لها."

           

حمود الباهلي من مواليد الرس،‏خريج جامعة البترول- علوم حاسب،‏مهتم بالتاريخ والسير الذاتية والقصة. ‏معد بودكاست لمحات. ‏عضو فاعل في منصة بروج الخبر الثقافية.

غمزة

حمود الباهلي