لم ينم المعطي ليلتها. لاحظت يامنة ذلك طبعًا. بات يتقلب، مرة يتكئ على جانبه الأيمن وأخرى على شقه الأيسر. يتحرك بعنف فوق الفراش. يتنهد بعمق وغضب. يتأفف. يامنة تراقب بقلق. حتى إنها لم تستطع أن تصبر ليس لرغبتها في النوم، فقد غادرها النعاس وتسربت إليها الهواجس والشكوك.

- "ما بك؟ ما خطبك يا رجل؟"

اكتفى المعطي بمخاطبتها همسا:

-" نَعْسِي نعسي.."

     هدأت قليلا، لكنها استدارت مُولية ظهرها له. في عينيها شرر عشرات الأفكار السيئة تلتمع إثر انعكاس ضوء مصباح عمود الكهرباء القادم من وراء زجاج النافذة. فكرت ما إذا كان قد حدث شيء محدد خلال اليوم جعل المعطي في هذه الحالة. قضت ليلتها تسترجع الأحداث وتستقصيها، بينما لم يفعل المعطي سوى التظاهر بالنوم. لم ينجح في إخفاء أرقه وتوتره عن رفيقة دربه، حتى إنها استشعرت بقاء حالته على ما بدأت عليه ليلتها من خفقات قلبه التي لم تهدأ.

      أيضًا من السهل الكشف عن وضع المعطي غير الطبيعي فقط من عدم دخوله في مسلسل شخير لا ينقضي في العادة إلا بصراخ الأطفال في باحة المنزل الطيني. لم تستطع يامنة أن تغمض جفنيها ولو لثوان، تارة تراقب همسات المعطي وأخرى ترجع لفحص الوقائع السابقة لإيجاد سبب مقنع لما أصاب بَعْلها.

     في الصباح ومع تسلُّل خيوط الشمس الأولى من النافذة، كان المعطي ممددا على السرير فاتحا عينيه يحدق في سقف الغرفة. تظاهرت يامنة بأنها استيقظت للتو. وضعت وشاحها. نظرت إليه بطرف عينيها المتورمتين من أثر ليلة بيضاء:

- "ليس من عادتك أن تستيقظ قبل الأولاد؟"

- "الساعة لله.."

     خرجت من الغرفة تمضغ وتغمغم ما مفاده؛ جعلني الله أصدق ساعة الله هذه التي فعلت بك كل هذا. إنها تتذكر جيدا آخر مرة رأته هكذا، عندما علم بإنذار البنك لتسديد قرض كان حصل عليه من أجل مشروع الدجاج البلدي الذي فشل تمامًا، فالمبلغ تم دفعه للدرك الملكي كرشوة لإطلاق سراح أخيه منير وتحريف المحضر. أخوه ذلك "السارح" مدلل أمه الذي عاث فسادًا وما زال في الدوار. كان قد شج رأس أخ فتيحة إثر قتال بينهما بسبب تحرش المدلل منير بأخته وجرها من ذراعها عنوة. السافل كما يسميه المعطي الذي سلطه الله على العائلة وصمة عار ومصدر مشاكل ومصائب. لولا والدة المعطي الحاجة ربيعة لما كان اقترض أي مبلغ ولا حتى لحق بالسافل منير إلى المخفر حتى.

- "ها السخط ها الرضا آ وليدي يا المعطي إلى خليتي خوك منير يغرقوه." صاحت ربيعة والدة المعطي وهي تنتحب وتبكي.

     حضّرت يامنة طعام الفطور. قبل أن تبعث إلى المعطي مرزوق أصغر أبنائه وأقربهم إليه، كان المعطي قد خرج فعلًا من الغرفة ووقف هناك في باحة المنزل متكئًا على التينة العظيمة التي كانت هناك قبل مولده. لم ينتبه لمرزوق حتى. زادت شكوك يامنة حتى إنها وهي تضع الطعام على المائدة كادت تهرق البراد على "المسمن."

     تحلق الأولاد حول المائدة، أما المعطي فلم يلتحق باللمة إلا بعد إلحاح مرزوق وتمسحه به. كانت عينا يامنة تراقبان خلسة المعطي في كل حركاته وسكناته، وما خشيته حدث. لم يقرب "المسمن."  خدشه فقط ليلتقط فتة صغيرة طفق يلوكها لوقت طويل. يظهر أن عقله في مكان آخر. أخذ يرتشف الشاي بهدوء شارد. لم يَلْهُ مع الأولاد كدأبه. لم يمازح يامنة. لم يخبرها بأن "المسمن" سيّئ وهو يقصد العكس.

     لقد كبر الفأر في حِجْر يامنة. شرعت تصوغ السيناريوهات الأقرب إلى ظنونها التي لن تكون مجرد ظنون، فها هو المعطي يؤكد ذلك منذ ليلة أمس. هل يعقل أن تكون الأفعى"الزاهية" وراء الأمر؟ لقد سبق أن ضبطتها تنشر الغسيل بفستان ضيق بكل تؤدة وتثاقل وكان المعطي هناك على مقربة يصلح قصدير السقف، بل وكانت تغني:

- "إلى قالها، إلى قالها يقدّ بيها.."

لا بد وأنها هي. مطلّقة والمطلقة مثل مصيدة عشوائية. أي شيء قد تكمشه بقوة وتغرس فيه أسنانها الحادة.

     بينما كانت يامنة تُدَوِّر كل هذا في ذهنها المشوش والمحتقن، خرج المعطي. توجه نحو "النّادْر" على بعد أمتار من حوش البيت. راقَبَتْه. صعد إلى أعلى أكوام التبن واستلقى. قالت في نفسها: لو أن القضية تتعلق بالزاهية، كان ليعود إلى الغرفة، إذ النافذة تطل على بيتها، بالضبط تطل على غرفة الزاهية في بيت والديها. ربما يكون تمويها منه. فكرت يامنة أن في البيت قبالة النادر تعيش لطيفة، تسميها المسمومة، تشبه دمية ولكنها جميلة، شقراء مثل أوروبية لولا لكنتها "الريفية" وتصرفاتها الهمجية. أحيانًا تركض خلف الأولاد، ترميهم بالحجارة إثر صراع أو عراك. لكنها شابة ومفاتنها واضحة. هل يمكن أن تكون لعبت بمخ المعطي؟ الرجال قليلون في الدوار. سبق أن سمعتها تقول للأفعى الزاهية بأن الشرع منح للرجل أربعًا وأنها مستعدة لتكون الرابعة، لا عيب في ذلك.. يجب فقط أن يكون الرجل رجلًا، معه ما يكفي لإعالتها وكفايتها بالذي منه.. قهقهت السافلة، نعم تتذكر يامنة ضحكتها الداعرة جيدًا.

     قررت يامنة أن تفجر الرمانة. لم تقدر أن تحتمل هذه القنابل التي تلهو بداخلها لا هي تنفجر ولا هي تنطفئ وتخبو. أغلقت على الأولاد وأسرعت إليه مثل قطار بخاري ينطلق بعنف:

- "انزل إليّ."

- "يامنة ماذا تريدين؟ أنا في مزاج سيئ."

- "وأنا أيضا سأحترق، هل هي الزاهية الأفعى أم لطيفة الحرامية؟"

صمت المعطي هنيهة قبل أن يستوعب كلامها، ثم قفز من الأعلى ليصير عند قدميها:

- "عن أية زاهية أو ناشطة تتحدثين؟"

- "وما بك؟ لا أنت نمت البارحة ولا أفطرت جيدا فأفرغت المواعين كما أعرفك."

- "هل لاحظتِ يا مجنونة أن عثمان ابن الشيخ قد جاء إلى الدوار من المدينة يوم أمس؟"

- "نعم وما دخله بهذا؟"

- "اسكتي يا يامنة.. لقد كنا صديقين. درسنا الابتدائي معا.  كان حمارًا تمامًا. لقد كنت دائمًا أُسر له بالأجوبة في القسم. أنجز التمارين بدلًا عنه. فقط هو ذهب إلى المدينة، أتم تعليمه وأنا... والدي هداه الله قال لي بأني الآن أفك الخط، أحسب جيدا وهذا كاف.. لا حاجة لضياع النقود على ما لا ينفع، فبقيت في الدوار أرعى شياهنا.."

- "ثم؟"

- "ولد الحرام" لقد صار أستاذًا وكاتبًا."

- "مهنتان؟"

- "نعم حرفتان يا يامنة والكارثة لقد أراني في هاتفه الضخم صور كُتب تظهر عليها صورته.. أغضبني.. أغاظني."

وارتمى المعطي يبكي في حضن زوجته وهي تكاد تنط من الفرح تهمس في سرها:

- "أفزعتني يا حماري.. غفر الله لي وللزاهية ولطيفة.. أسأل الله أن يخسف بهما الأرض."

           

توفيق بوشري هو  كاتب مغربي. حاصل على عدة جوائز أدبية عربية ووطنية من بينها جائزة القصة القصيرة جدا سنة ٢٠١٣ عن مجموعة: صفر درهم TTC. جائزة ناجي نعمان عن كتيب ساخر: صحوة الحمار (٢٠١١) . لديه العديد من الأعمال على الشبكة العنكبوتية. من أعماله الورقية: دينوغرافيا، قصص قصيرة جدا (٢٠١٩) صدرت بالمغرب، نتألم أفضل بالحب. رواية (٢٠٢٠) بمصر، و كأن ابتسامتك شيء خارق. قصائد نثرية (٢٠٢١) بمصر

كثرة الهم

توفيق بوشري