مراجعة: رويدة آدم

دلشاد: سيرة الجوع والشبع لبشرى خلفان

رواية، منشورات تكوين، الطبعة الثانية
٤٩٤ صفحة، سنة النشر ٢٠٢١

     دلشاد أم فرحان؟ ود الغبن أم ابن الرجل الذي تعددت الروايات حول موته؟ أعربي هو أم بلوشي؟ابن فضيلة بنت بطي وحافة الوادي الكبير، أم ابن ما حليمة والضفة الغربية؟ منذ الوهلة الأولى تتضح ملامح شخصية ضئيلة ومنبوذة، عائمة الهوية وحافلة بالتناقضات.

     تطلق عليه والدته التي أنجبته اسم "فرحان" ليعاكس شؤم ولادته، ويوهب عند والدته بالرضاع اسم "دلشاد" لقلبه الفرح، ويطلق عليه أهل الحي "ود السيح" تحقيرًا ومعايرةً. ما عرف من الفرح إلاّ لفظه وضحكة غريبة تباغته فجأة، فيكركر عاليًا لكنه ضحك كالبكاء؛ ضحك ممتزج بالدمع والأنين ونابع عن حرقة أصيلة.

     ضحكة دلشاد هذه حاضرة في حياته كلها مثل آلة مقاومة من شأنها أن تزيح عنه وطأة الهم والحياة في الخوف والتعب والحزن والفقد والارتباك وكل المتناقضات التي لا يفهمها ولا يستطيع دفعها. يضحك غارقاً في لجة يأسه، أو مدافعاً لجوع نخر معدته وأسلمه للهزال، الجوع الذي عرفه وألفه منذ نعومة أظفاره حتى صار جزءًا من تكوينه ولم تعد أنيابه الحادة تخيفه "فمن عرف الجوع يعرف أنه يبقى في الدم مثل المرض ولا يمكن لأي شبع بعده أن يشفيك منه."

     إكمالاً لسلسلة بؤسه الذي ما انفك عنه منذ لحظة ولادته، يجد دلشاد نفسه بلا مأوى لكن وكما للأفراح قدرة تأليف الجموع،  فللمآسي قدرة مماثلة. يعود دلشاد للخيمة ويجلس بجانب أخيه. وحدَهما والهم رفيقهما "فدلشاد لم يصبح أخًا له لأنه شرب من حليب أمه، أو عندما أعطته ما زليخة اسمًا بلوشيًا، ولا حتى عندما أصرت أن يقيم معهم، بل صار أخاه عندما دفنوا نورية وحسين وما زليخة وأهالوا التراب عليهم، ثم افترقا، وكرها الدنيا معًا، ثم عادوا لحبها معًا."

     في لحظة من لحظات الهناء النادرة، التقى دلشاد بحب حياته وتزوجها، وأحست لحظتها ما حليمة بأن ثقل الأمانة انزاح عن كتفيها وغدت بخفة طير. أخيرًا يَستقِرُ دلشاد ويسكن ويمره الفرح، وإن كان مروراً عابرًا ما لبث أن انتهى بطفلة وفجيعة. بعد الدفن ولى الجميع وبقي دلشاد عند القبر: " هنا بدأ الضحك يرتفع من أمعائي الخاوية إلى رأسي، هنا عادت الضحكات لتهزني، وأنا أستغفر الله، وأنقلب على ظهري من الضحك، وأنقلب على حصى المقبرة، وأتعفر بترابها، عيسى ظن أنني جننت عندما لم أتوقف عن التمرغ بالتراب والضحك حتى ما عدت قادرًا على الحركة ولا عجب فالجنائز كما يقرر عالم الاجتماع دافيد لوبروتون: هي الأمكنة الأكثر ملاءمة لانفجار الضحك المحموم الذي لا يعبر البتة عن الفرح، ويعود إلى الاحتقان بالعواطف إزاء خطورة الموقف. فيخف التوتر المتراكم فجأة في ضحكٍ لا يمكن كبحه." ورثت ابنته مريم عنه هذه الضحكة،  وأورثته بدورها وخز ضمير لا يهدأ وأعظم عذاباته وأقساها.

     تسرد بشرى خلفان حكاية عن تاريخ مسقط ، عن أزقتها وحاراتها والنساء وأغانيهن وطقوسهن، عن التعددية الثقافية، عن مرارات الجوع وذل الفقر وتكالب الأعداء والحروب، عن الأمثال والأساطير المستقاة من موارد عدة كدلالة على التنوع. حكاية تفوح منها روائح الهال والبهارات والصندل والعود المجلوبة من الأمصار البعيدة، كما تفوح منها روائح المزابل والقيء والعفن. حكاية عن الطبقية المقيتة تتجلى في أكثر الظروف فاقة، فتابع ومتبوع ورئيس ومرؤوس وسادة وخدم. حكاية عن البحر الممتد والشاسع كم يأخذ وكم يعطي وعن السفن تمخر عبابه. حكاية تتعدد شخوصها ورواتها فتبصر الأحداث من خلالهم.

 

 

رويدة آدم هي مدونة وكاتبة مهتمة بالأدب والعلوم الإنسانية. يمكن متابعة حسابها على تويتر: @__rowaida 

 

بشرى خلفان، كاتبة وروائية عمانية. صدر لها العديد من المؤلفات، منها: رواية باغ، وكتاب رفرفة عام ٢٠٠٤، ومجموعة قصصية بعنوان غبار وأخرى بعنوان حبيب رمان، ونصوص صائد الفراشات الحزين. شغلت منصب مدير مكتب السرديات العماني، وعضوية الجمعية العمانية للكتاب والأدباء.

IMG_1298.jpg