مات أبي منذ يومين، ولكنه مات في نفسي قبل ذلك بسنوات عديدة. لم يمت دفعةً واحدة؛ كان يتساقط على مر الأعوام. في اليوم السابق لموته لازمني شعور بالانتهاء لم أستطع تفسيره. قضيت اليوم بأكمله أشعر أنني واقفة على منتصف جسر والطريق الموصل للضفة الأخرى يتداعى أمام ناظري. علمت أن شيئًا ما قد انتهى للأبد، أن فتيل شمعة قد احترق كله، لكني لم أعرف أنه كان عمر أبي. علمت أن طرقنا ستفترق يومًا ما، أن أحدنا سيرى الآخر ملفوفًا بنعشه.

   رأيته نائمًا به، بدا نائمًا قبل أن ألحظ خط الدماء الخارج من فمه على امتداد فكه حتى الكفن الأبيض الملطخ باللون البني. كان الموت مجرد فكرة عائمة حولي؛ أحد الوحوش والكائنات الأسطورية التي نسمعها بالحكايات، ولم نرها قط، ولكننا نؤمن بوجودها ونعلم أنها ستقبض علينا يومًا ما. ولغموضه وخصوبة أرضه الفارغة، أو فلنقل الشاسعة؛ فقد غرست فيه خيالات وافتراضات عديدة. حالي كحال سائر البشر. ُخيل إلي أنني سأهوي بسرعة في واد مظلم سحيق قبل أن أرتطم بالعدم، وأتبدد. هكذا تصورت موتي؛ هبوط فاجع نحو العدم يحاكي النزول الأول من السماء لأبوينا آدم وحواء إلى الوجود. أو كانبثاق الجنين من الصدع في جسد أمه. دفعة مكرهة للسقوط في الدنيا، نفيًا بعيدًا عن سماء جنته الأولى.

     في إحدى تصوراتي للموت رأيته عذابًا أبديًا لا ينتهي. يبقى الميت على حاله الذي مات عليه أبد الدهر، يدق الألم ضلوع من مات متألمًا إلى... لا أجد لـ "إلى" من داع؛ فإنها تفيد معنى الانتهاء المقترن بغاية زمنية، ولكن هناك ينحسر الزمن ويضيق حتى يتلاشى، تفقد (إلى) أحد مضامين معناها. كان أمرًا خارجًا مستقلاً عنّا، عني وعن أفراد عائلتي حتى توفي والدي فجأة بعد أن استشرى الموت داخله بصمت وسار مسرى النفس، فايروس حقير لا يرى بالعين المجردة التهم رئتيه وسرق أنفاسه.

     صرت أشاهد الموت يتسلل إلى كل شيء من بعد، بدءًا من طيات وجه أمي مرورًا بأطفال العائلة الذين غدوا شبّانًا وصولاً إليّ. إنني أشهد تجليًا على سريانه داخلي. ورغم معرفتي أن العمر لا يقترن والموت بالضرورة، إلا أنني أراه ظلا له، ظل معتم يسقط على حيواتنا ليذكرنا أنه يزحف داخلنا مع كل نفس نستنشقه، ثم يستقر وينمو هناك؛ فإذ نبلغ أشدنا حتى نبلغ أهوننا، كما الثمرة لا تفسد حتى تنضج، فيبلغ بها النضج وتمام الاستواء مبلغ الفساد، وكأن غاية وجودها هي العدم.

     نعم، كنت أدري أن طرقنا ستفترق، غير أنها افترقت مبكرًا قبل موعدها المتفق عليه، قبل الاعتذارات والتفاهمات وصفو المياه بيننا وعودتها إلى مجاريها. ولكن أي صفو وأي مجار؟ ألم تكن المياه دومًا عكرة ومملوءةً بالشوائب؟ والماء يجري مجار وعرة؟ أعجز عن تحديد مسببات الشرخ الأول. لطالما كانت العلاقة بيننا مضطربة -بالنسبة لي على الأقل- كنت منذ طفولتي أشاهد المشهد بنوع من الاستنكار، أما هو فلم يزعجه سوى رفضي وثورتي على شكل العلاقة التي يراها أمرًا سوياً فكذا نشأ عليها وآباؤه من قبله؛ الطاعة المطلقة للأب، الأب الطوطم.

     تعود ذاكرتي بي إلى الطفولة، إلى وجهه المكفهر وعقد حاجبيه الدايم، وملامح الغلظة المرسومة عليه. كانت ملامح الناس الأمر الذي يذعن لي بالمبادرة بالحديث أو الطلب. إن بدت مستريحة أقبلت عليهم، وإن بدت مقطبة أدبرت عنهم، ولكن ملامحه لم تبد مستريحةً قط!

     كنت أسترق النظر إليه. أختلس من وجهه صورًا وأحاول التفتيش فيها عن سبب هذا الانزعاج الذي يظهره. كنت أتساءل إذ ما مر عليه يوم وتحرك جمود ملامحه؟ بل كنت أحاول رسم وجهه السمح والمبتسم بمخيلتي، حتى الوجه الضجر الذي نرتديه عادةً بينما نؤدي واجباتنا اليومية المملة. ولكم أخفقت محاولاتي، ولم أعرف سبب انزعاجه قط. بدا الأمر وكأنه موسوم بتلك الملامح. بعد مدة، تقلصت رغبتي بالحديث معه وسئمت لعبة المراقبة والتخيل؛ فصرت أتحاشى النظر إلى وجهه، وإن صادف -وقلما يصدف- أن تحدثنا وجهًا لوجه كانت عيناي تدور في كل الأفق وتقفز يمنة ويسرى خشية أن تقع على وجهه، وكأن وقوعها على وجهه سيلسعها.

     مع مرور الأيام والأعوام اعتدت تحاشيه حتى صار مجرد هيئة بلا ملامح تتحرك حولي أو أمر بها، لذلك تفاجأت حين رأيت جثمانه. لم أدر أنه كبر إلى هذا الحد. لم ألمح تجاعيد وجهه وتفاصيل الشيخوخة عليها. منذ متى غزا الشيب شعره ولحيته؟

المرة الأولى التي رأيت فيها شعر أبي الأبيض، هي الأخيرة، وهناك... هناك فقط أدركت مقدار ما فاتنا من العمر معًا.

  نورة سليمان تكتب المقالات والقصص القصيرة في مدونتها

الموت - عزاءات وتأملات

نورة سليمان