الصوفي الذي أنقذني

ضياء أحمد

قال "القوّال": «تكلمت عنك...»

كنت مرتبكًا. فقلت له: «عفوا؟»

فقال مبتسما: «.. مع نظام الدين... تكلمت عنك. أنت ستكون بخير، إن شاء الله.»

شعرت بالغرابة.  كانت حياتي حزينة منذ الطلاق لكني ظننت أنني بخير في تلك اللحظة. التحقت بوزارة الخارجية الأمريكية من أجل محاولة تكوين ذات جديدة، ونجحت إلى حد ما. بعثت بي الوزارة إلى باكستان (وهي مسقط رأسي) حيث كنت أجلس في المكتب القنصلي البارد بالسفارة الأمريكية أمام القوّال الذي كان مغنيًا شهيرًا بحاجة إلى تأشيرة أمريكية لإحياء حفلاته الموسيقية. «القوالي» هي نوع من أنواع الموسيقى الصوفية، كانت إرثه الثمين من سلالته العريقة التي امتدت عدة قرون.

أخبرني القوّال أنه سيزور مدينة دلهي. وعدني بأنه سيصلي من أجلي في مزار نظام الدين الذي كان صوفيًا هنديًا عظيمًا عاش ومات في ضواحي العاصمة الهندية في القرن الرابع عشر. ومازال يعيش حيًا في قلوب الشعب الذي لم ينس حكمته وشفقته وأخلاقه فضلا عن حكايات معجزاته التي أصبحت أساطير مدهشة. أومأت برأسي. لم أعرف كيف يستطيع شخص غير متدين أن يرد على عرض سخي للمساعدة من الغيب.

والآن كان القوال جالسا أمامي. قال مرة ثانية: «ستكون بخير، إن شاء الله». ابتسم وغادر من حياتي.

قاومت الرغبة في البكاء دون سبب واضح.

 التقينا، أنا وهي، في دكان قريب من مبنى السفارة الأمريكية. كنت أمسك بزجاجة نبيذ أحمر. كانت تأكل قطعة شوكولاتة. حاولتُ التقرب منها بنكتة سخيفة عن الاندماج المثالي بين الحلوى والمشروب. فشلتُ لكنها ضحكت. أعجبتني كثيرا. الوجه الذكي. قرطان فضيان. شعر كإشراق الخريف. اسمها: آنا.

 في الأيام التالية بحثتُ عن فرص للكلام معها. دعوتُها لتناول العشاء في مطعم محلي. التمستُ منها أن ترافقني إلى حفلة في بيت زميلتي. طلبتُ منها الذهاب إلى مقهى شعبي قدم ألذ حلوى «سنداي» في المدينة. لم تقل لا قط.

 خدمت آنا وطنها  بامتياز بصفتها دبلوماسية. تكلمت عدة لغات من الدول التي عملت فيها. تحدثت عن وظيفتها في محكمة جرائم الحرب في يوغوسلافيا بشغف غير عادي. قالت لي: «تركتُ جزءًا من قلبي في سراييفو». أما قلبي فدق دقة قوية جدا في تلك اللحظة.

صعدنا معا تلالًا متواضعة شمال المدينة. رأينا قطارا قديما صُنع خلال عصر الاستعمار البريطاني. هربنا من ضجيج مغنيات «الجاز»، وتكلمنا بلا نهاية عن الأدب الأمريكي والأطعمة العالمية ومستقبل الكون.

 جاء عيد ميلادي. أهدتني قصائد بابلو نيرودا مكتوبة على أوراق ملونة. في الليل ذهبنا إلى مطعم لبناني. بعد أن تناولنا كنافة نابلسية لم أستطع أن أرفض الحقيقة أنني غارق في العشق.

قلت لها وكنا جالسين في سيارتي خارج بيتها: «أنت مثالية بالنسبة لي». كان الهواء مليئًا برائحة ياسمين من أسورة الزهور حول معصمها. ابتسمت بهدوء.

منذ طلاق زوجتي الأولى، أصبح التشاؤم استراتيجية حياتي. كنت أتوقع الأسوأ في كل حالة. لما غادرت آنا في رحلة عمل سقطتُ في اكتئاب عميق ومألوف. كنت مقتنعا أن الشجن لا مفر منه.

في يوم من الأيام عانت مدينة دلهي من قسوة الطاغية الظالم الذي شعر بالحسد من شعبية الصوفي نظام الدين. فأرسل إليه تهديدا من ميدان الحرب: «غادر فورا من دلهي أو مت».

 كان رفقاء ومريدي نظام الدين مضطربين. ولكن الشيخ كان مطمئنًا تماما. قال بطريقة صوفية: «دلهي بعيدة الآن». لم يفهمه أحد.

انقلبت خطة الطاغية، ففي طريقه إلى دلهي واجه فيلًا مجنونًا وفاضت روحه.

 أصبح قول نظام الدين «دلهي بعيدة الآن» مثل معروف ينبه الإنسان إلى خطر الثقة بالخطط حتى ولو كانت رغبته بسيطة وقابلة للاسترضاء.

في تلك الأيام بدت آنا بعيدة جدا عني.

 أرسلتُ لها رسالة إلكترونية تحتوي على قصائد حب وحنين. ظننت أن سيساعدني شعراء المنفى. كتبت: «بغيابها كونتُ صورتها / أنا هنا أزن المدى بمعلقات الجاهليين». أضفت: «يبدو أن نهار الفراق انتهى».

 

التفاعل بين الوصل والفراق مفهوم شائع في شعر التصوف. مفهوم آخر هو الغموض المستمر بين المعشوق الأرضي والسماوي الذي استخدمه بعض المجددين كرمز للوطن. لم يكن هدفي وطنًا أو إلهًا. أردتُها.

عادت آنا و أعطتني ثقة بالشعراء. قدمتُ لها طلب الزواج. فقبلته وجعلتني أتذكر غناء القوال: «يا نظام الدين! إنك تضيء العالم."

 بزغ فجر يوم الزفاف. فعلًا كان العالم مضيئا. أينما نظرنا وجدنا زهورًا وقناديلًا وقهقهات. رأينا ألوانًا مبهرة. ارتدينا ملابس غير مريحة. تناولنا وجبات لا نهاية لها. من بين الضيوف كانت ثمة شخصيات معروفة في عالمنا الدبلوماسي لاسيما السفير الوسيم والسياسي الثرثار واللواء العظيم مع شاربه الأعظم. لم يرقص أي منهم.

 شكرتُ القوال الكريم والصوفي الراحل على قسمتي غير المتوقعة وغير المستحقة.

تلقت آنا دعوة إلى مؤتمر في دلهي. فاقترحتُ عليها أن تزور مزار نظام الدين للدعاء له.

قالت لي ضاحكة: «لم أتصور رجلًا غير متدين مثلك يؤمن بالخرافات.»

الصوفيون كرماء حتى وإن ماتوا. كل يوم، مزار نظام الدين مليء بالمساكين الذين يحتاجون إلى وظائف وصحة. لم تكن وظائفنا الحكومية في خطر، لذلك قررنا أن تطلب آنا من نظام الدين طفلًا لنا والشفاء لخالتي التي كانت مريضة بالسرطان.

فعلت. أخبرها ولي المزار أن نظام الدين يستمع إلى الجميع، حتى لامرأة أمريكية فقدت إيمانها.

توفيت خالتي ذلك الصيف. كانت أخت أمي الصغرى وطفلة جيلها. انتهت معاناتها لكنها تركت على قيد الحياة أحباءها الذين مازالوا يعانون من غيابها.

في شارع مزدحم ومشمس أطلق شاب النار على القوال وقتله. حسب الأنباء كان متطرفًا دينيًا يعتبر سفك دم الصوفي واجبًا عليه. لم تذكر الجرائد إذا كان القاتل صائمًا عندما كسر سكينة رمضان ويتّم خمسة أطفال.

قلت بشدة الحزن والغضب: «لقد فشل نظام الدين. أين مولانا وقوته؟ والله، فشل.»

رشفت آنا قهوتها. انتهى الكلام ولم يبق إلا الصمت.

«محظوظ هو الذي صبغ حجابه علي» هكذا ترنم القوال في أغنيته الروحانية الأخيرة.  أما أنا فلم أزر قط مزار نظام الدين. إننا نعيش في سلطنة عُمان الآن. علي ابننا الوحيد ونور عيوننا.

ضياء أحمد هو قاص ودبلوماسي أمريكي مقيم بسلطنة عمان وحاصل على الماجستير من معهد ماساتشوستس للتقنية.