"المعزوفة النقدية الأخيرة لإدوارد سعيد"

معاينة كتاب:

عن الأسلوب المتأخر:

موسيقى وأدب عكس التيار

اسم المؤلف: إدوارد سعيد

معاينة: نايف بن إبراهيم كريري

استهلال:

       عندما تقرأ اسم المفكر الأمريكي- فلسطيني الأصل إدوارد سعيد (١٩٣٥ - ٢٠٠٣) يتبادر إلى ذهنك أشهر كتبه (الاستشراق)، ولكن وعلى غير المعتاد سنتحدث هذه المرة عن كتابه الأخير، الذي حمل عنوان: (عن الأسلوب المتأخّر.. موسيقى وأدب عكس التيّار "دراسة"). هذا الكتاب كان أحد ثلاثة كتب أنجزها قبل وفاته، وتمّت طباعته ونشره بعد وفاته بثلاث سنوات في عام ٢٠٠٦، فيما تُرجمت النسخة التي نستعرضها إلى العربية بواسطة المترجم فوّاز طرابلسي، عام ٢٠١٥، عن دار الآداب ببيروت.

       يقع الكتاب في ٢٧٠ صفحة، من الحجم المتوسط، واشتمل على أربع مقدّمات وسبعة فصول؛ حيث ناقش الفصل الأول: اللازمني والمتأخّر، وكان الفصل الثاني: عودة إلى القرن الثامن عشر، وتحدّث في الفصل الثالث: عن مدرسة العشّاق عند الحدود، وجاء الفصل الرابع: عن جان جينيه، ودرس في الفصل الخامس: نظام قديم يتباطأ، وقدّم في الفصل السادس: العازف المُعجِز مثقّفًا، وختم بالفصل السابع: لمحات من الأسلوب المتأخّر.

عن الكاتب والكتاب:

       بعد ما يقارب عشرون عامًا على وفاة إدوارد سعيد، نعود لنقرأ ونستعرض هذا الكتاب الذي يضيء لنا المشهد الأخير لعلاقته مع الكتابة. ونعود لهذا الكتاب بعد ستة أعوام من نشر ترجمته للعربية، لنقرأ الرؤى الثقافية (المتأخّرة) التي دوّنَها، والتي تُمثّل خلاصة فكره الأدبي والفني بعمق فلسفي قابل لمختلف التأويلات، ومنفتح على مختلف القراءات. فيعزف مع كل سطر نقرأه من الكتاب أوبرالية نقدية بتقسيمات أوركسترالية تتوزع مقطوعاتها بعقلية الناقد الثقافي تارة، وبروح المتذوّق والموهوب الفني تارات أخرى. وكأنه يختم به رحلته الفكرية في الكتابة، التي بدأها من (تمثلات المثقف)، ثمّ (الاستشراق).. وغيرهما، ليضع نفسه (خارج المكان والزمان) معًا.

       في هذا الكتاب تحرّر سعيد من المنهجيّة التي تُقيّد المؤلف الأكاديمي عادة، بالرغم من الترابط الذي أوجده بين الأدب والموسيقى، وهو ما يُميّز الكتاب في مختلف موضوعاته وفصوله عندما يتقاطع طرحه للأدب والموسيقى مع واقع التجارب الإنسانية التي تقع بين الطبيعة والتأريخ. فجاء حديثه عن التجارب الأدبية والإبداعية والفنية والفلسفية بروح الناقد الثقافي وبـ (أسلوبه المتأخّر)، وحاملًا في كل جملة تكثيفًا لغويًا فكريًا لا يتقن صياغته إلّا إدوارد سعيد وحده.

هذا الكتاب، (أبرز الأفكار):

       حظي الكتاب بأربع مقدمات، وفي رأيي أن له مقدمة خامسة. كانت أولاها للمترجم فوّاز طرابلسي، وثانيها للناقد الموسيقي مايكل ستاينبرغ، وثالثها للناقد مايكل وود، ورابعها لزوجته مريم سعيد، وتحمل جميعها اتجاهات متعدّدة عن الكتاب، ومحاولة ربط الأفكار التي طرحها المؤلف مع الواقع الذي عاشه بمختلف تحوّلاته. وأمّا المقدمة الخامسة فهي (الفصل الأول) من الكتاب لإدوارد سعيد، وفي ظنّي أنّ جُزءًا كبيرًا من هذا الفصل، الذي حمل عنوان (اللازمني والمتأخّر) كان أقرب للمقدّمة، حيث يُوضّح فيها مفهومه (للأسلوب المتأخّر)، وإعادة تكوين الإنسان وسط مجتمعه. فهو يقول: "كلّنا منشغلون باستمرار في التفكير بحياتنا، وساعون لإعطاء معنى لها، ذلك أنّ صُنع الذات هو إحدى قواعد التأريخ.. ."

       ويبرز من خلال هذا الفصل (المقدّمة) نظرة المؤلف إلى عمليّة صنع الذات، التي يراها أهمّ الإشكاليات الكُبرى التي سيطرت على تفكيره طوال حياته، فهو يرثي نفسه، حين يقول: "الفترة الأخيرة أو المتأخّرة من الحياة، فترة تحلّل الجسد، واعتلال الصحة، أو حلول عوامل أخرى تحمل إمكانيّة النهاية قبل الأوان حتى لمن لم يتقادم به العمر."

       ويُشير الكتاب عبر هذا الفصل وفصوله الأخرى للعديد من الأفكار والوصايا الفكريّة والثقافيّة، والتي من أبرزها:

       – النماذج التي يراها تُمثل (الأسلوب المتأخّر)، واللغة الجديدة التي تُهيمن على الفكر والحديث في نهاية الحياة. فهو يبين أن (الأسلوب المتأخّر) ينقسم إلى قسمين: الأوّل الطبيعي الذي ينمّ عن حكمة وتصالح الذات مع محيطها في نهاية العمر. والثاني الذي يسير (عكس التيار) أو ما يُطلق عليه المؤلف النزعة الإنتاجيّة عديمة الجدوى.

       ولهذا فقد أفرد الحديث عن العديد من نماذج القسم الثاني؛ مثل بيتهوفن الذي قدّم عنه تحليلًا مطوّلًا، وما ذكره عنه آدورنو الذي اعتبر أنّ أعماله الموسيقية المتأخّرة تُشكّل نوعًا من المنفى. ويواصل حديثه عن بيتهوفن (المتأخّر) من خلال ذلك الربط الذي أوجده مع رؤية الفيلسوف هيغل عن التضادّات، وكأن موقف بيتهوفن من النظام البرجوازي الجديد، يشابه موقف المؤلف من (الإمبريالية).

       وحظي نقد النقد بمساحة من الكتاب ومن ذلك ما كتبه عن آدورنو، فتارة يتماهى مع الأسلوب النقدي له، وتارة أخرى يغرد في مسار نقدي جديد على ما يورده من استشهادات نقدية. وهكذا هو (الأسلوب المتأخّر) للمؤلف وكأنما هو يُحلّل هذه النماذج على واقعه وحياته التي كان يرى نهايتها قريبة، فكتب عنها مشيرا لذاته، إذ يقول: "الأسلوب المتأخّر أسلوب دارج، والغريب أنّه منفصل عن الحاضر."

       – حمل الكتاب حديثًا عن نموذجين لا يستطيع الجمع بينهما والكتابة عنهما سوى المؤلف، وهما: جان جينيه، وغلين غولد. سار بنسق متزن وهو يحلّل أعمال جينيه. يُساعده في ذلك معرفته الكثيرة والقريبة منه، ومعرفته بالشرق الأوسط وصراعاته وقضاياه المتتالية التي جمعتهما، فهو يرى بأنه يمثل استشراقًا معكوسًا أو متفجرًا.

       وعلى المنوال نفسه كتب عن غولد؛ الذي يرى فيه عازفًا معجزًا ومثقفًا جمع بين الثقافة والموسيقى، ووجه الشبه ظاهر هنا بين غولد وإدوارد.

       – وكما اعتبرت الفصل الأول (مقدّمة)، فإني أرى الفصل السابع والأخير بمثابة (الخاتمة) التي قدّم من خلالها لمحات من (الأسلوب المتأخّر). وذلك في حال اعتبرنا الكتاب بشكله الحالي المنُجز النهائي للمؤلف، وإلّا فقد بقي في حبر قلمه كثير لم يمهله الأجل المحتوم ليكمله.

إدوارد سعيد هو باحثٌ ومفكر وناقد أدبي أمريكيّ. وُلد في فلسطين عام ١٩٣٥. التحق بجامعة برينستون وحصل على بكالوريوس في الفنون، ثم نال ماجستير الفنون. وفي عام ١٩٦٤ حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في الأدب الإنجليزي من جامعة هارفارد موضوعها "نقد أعمال الروائي جوزيف كونراد".عمل أستاذًا جامعيًّا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا.له مؤلفات من أشهرها الاستشراق، المثقف والسلطة، العالم، النص والناقد.

كاتب المعاينة:

نايف كريري هو صحفي سعودي متخصص في الشؤون الثقافية وعمل في عدد من الصحف والمجلات السعودية. حاصل على الماجستير في الصحافة وشارك بعدد من البحوث وأوراق العمل في عدد من المؤتمرات والملتقيات الثقافية والأدبية داخل وخارج المملكة.