"بالتأكيد لم أقع على الأرضِ دونَ سبب، شعرتُ بشيءٍ ما يلتفُّ حولَ قدمي ويسحبني إلى الأسفل."

وكأنّ الطبيبَ قد اكتسبَ مناعةً ضدَّ تُرّهاتٍ يلفظ بها مرضاه تحتَ تأثير الصّدمةِ، إذ تجاهلَني، وقال:

"لا تقلقي، لا يوجد كسرٌ فيها، ولكن من الضروريِّ تصويرها للاطمئنان."

     ظلت حركتي محدودةً طوال أسابيع، وركنتُ إلى احتمالِ أنّ إحساسي بذلك الشيء المسبِّبِ للحادثةِ كان محضَ تهيّؤاتٍ، فقررتُ التركيزَ على شفاء قدمي في الوقت الحالي.

كنتُ أعدُّ الدقائقَ والثواني قبل العودة إلى ممارسة هوايتي المحبَّبةِ: الضياع في شوارع المدينة مشيًا، لكنّ هناك شيئاً آخر انتبهتُ إلى ضياعه في هذه المدينة: براءة سكانها.

     ظلام دامسٌ يفحُّ في جسد هذه المدينة المنهَكةِ منذ سنين، لكن رغمَ انقطاع التيار الكهربائي استطعتُ أن أتبيّنَ خيوطًا تحيطُ بأقدامِ العابرين على مقاس معيّن؛ فهذا عجوزٌ لا يقوى على الوقوف في طابور الأرز والسكر، ولما أرادَ أن يستسمحَ الشبّانَ الذين يسبقونه في الدور، التفَّ الخيط بلمح البصر حول قدمه وأجبره على العودة إلى مكانه. وتلك أمٌّ أرادت أن تقتحمَ الحشود التي غصَّت بها الصيدليّة كي تصرخ وتشتمَ بعد أن ارتفع سعر الحليب من جديد خلال يومين فحسب، لكنّ خيطاً التفَّ حول قدم رضيعها النائمِ في حضنها وأجبرها على انتحاء زاويةٍ على الرصيفِ كي تشحذ ثمن علبة حليب. وذلك شابٌّ يرزح تحت ثقلِ أنبوبة الغاز ليصعد بها الدرجَ المؤدّي إلى منزله، لكنّ خيطاً يلتفُّ حول قدمه ويغيّر مساره باتجاه منزل ربِّ عمله كي يتغاضى عن تأخيره بسبب عدم توفّر المواصلات واضطراره للذهاب مشيًا إلى عمله.

     الشتاء قاسٍ هذه السنةَ، الليل يهبطُ منذ الساعة الرابعة، ولا كهرباءَ في المدينة. هذه أحقر ثلاثة عوامل تستدعي الكآبةَ، إلا أنني أكافح وأقاوم كي لا أقعَ فريسةَ شباكها. أمنّي نفسي بقدرتي على المشي مجددًا بعد الإصابةِ كأيِّ إنسان طبيعي، وعلى قضاء أموري كلِّها دون طلبِ عون من أحد، وعلى عودتي إلى حياتي من جديد، ولكن... هل ما أراه الآن لمحاولة صرف تفكيري عنه يُسمّى حياةً من الأساس؟

     اللعنة! بدأت السماءُ تمطر. ليس مطرًا وإنّما هي محيطاتٌ مُقلَّصةٌ ليتّسع حشوها في بطن الغيوم. لم تتوقف عن الهطولِ منذ قرابة العشرين يومًا  إلا بضع ساعاتٍ وكأنها تصرُّ ليس فقط على عصرِ آخر ندفة سحابٍة، وإنما على عصر كل معنى رومانسي أو حيويٍّ لطالما طبعته قواميس العالم مرادفًا لكلمة "مطر." كل القواميس ما عدا قاموسي أنا.

(كآبة)، (أفكار سوداء)، (ألم) هذه هي معاني كلمة "مطر" في قاموسي، لدرجة أنّني أفضِّل أن أبقى حبيسةً في المنزل لأيام وأسابيعَ على أن تتبللَ روحي بتلك المعاني الموحِلة، لكن مع قدم مصابة فقد استنزفتُ خلال الفترة الماضية رفاهيةَ السجن إلى أقصاها، حتى عادت إلى حقيقتها مجددًا: سجن.

     إذن، خياران أحلاهما سيظلُّ حلوًا مهما بلغت درجة مرارته، لأن هذه الأمطار الجامحة ستُذيب كلَّ مرٍّ، وكلّ طعمٍ، وكلَّ لونٍ.

     التجأتُ إلى مدخل بناء مهجور لأحتمي من عاصفة الذوبان تلك. وقفتُ أراقِبها وهي تنالُ من المارّةِ، والقطط، والشجيرات، والعصافير لتصبح كلّها بلون الصمتِ وطعم السكونِ. ورغمَ أنّ الحركةَ متسارعةٌ لتفادي أكبر قدر من البلل، والضجة تدقّ طبول كل أذنٍ، إلا أنه من مكاني؛ من حيث الدرج الجاف الذي نجا بأعجوبة من مجزرة البلل بقي المشهد أمامي لا ينبضُ إلا بلون الصمتِ وطعم السكونِ.

     لماذا لم تُمطر منذ شهر عندما ودّعتُ أختي المسافرة؟ كانت قطراتُ المطر ستخبّئ دموعي وأنا أعانقها للمرة الأخيرة، وما كانت طقوس الوداع لتطولَ أصلاً بسبب الطقس السيئ. ولكن لا... كان قرص الشمس أكبرَ من وجه جارتنا السمينةِ الذي يزداد ضخامة كلّما أقحمَته في أمور لا تعنيها، وآخرها سفر أختي. كادت أن تفقد عقلها يومئذٍ حينما سألَتنا عمّا إن كانت أختي في الجامعة أم نائمة، ليأتيها الرد الصاعقُ:

"ليست هنا ولا هناك، لقد سافرَت."

     أقوى جهاز مخابراتٍ يُطعن في عقرِ داره ومن أقرب الناس إليه! اعتقدتُ أنها طعنة ستودي بها إلى حتفها، لكن ما أدهشني أن تراجع أداء الجارة العتيدة -أو بالأحرى مهارة أهل الحيّ في المداراة على أمورهم- جعلَتها راقدةً في العناية المشددةِ حتى هذه اللحظةِ، والسبب: سكتة قلبية.

     يا لها من ضحكةٍ جميلة! ولكن من هنا؟

     وجه أسمر بريء، مغطى جزء منه بخصلاتٍ بنية مُبعثرةٍ فوق عينين تتوهّجان. لا أستطيع قراءةَ دلالة ذلك الوهج الذي يقرأه المرء عادةً من عينَي الآخر، ذلك لأنّ عينيه غاصتا داخل الجفونِ لفرط ضحكه على ما رسمتُه. نظرتُ إلى ما خطّته يدي على بقعةِ الوحلِ أمامي فلم أستطع ألّا أشاركَ هذا الطفل الجميل ضحكتَه على قرص الشمس السمينِ الذي صيّرتُهُ وجهَ جارتنا بعد أن أضفتُ إليه عينيها الجاحظتَين بسبب الأخبار التي صارت تطير من قبضةِ راداراتها. رسمتُ أنفها الخائبَ الذي تراجعت حاستُه، وفمها المرتجف الذي يحاول عنوةً خلقَ ابتسامة فرحٍ لحياة فلانٍ الجديدة ولتيسير أمور علّان السعيدة. وطبعًا لم أن أنس رسمَ أشعة شمس مبعثَرةٍ كخصلات شعرها التي يستحيلُ أن تصطفّ اثنتان منها على جهةٍ واحدة.

"هل تنتظر توقّفَ هطول المطر؟"

"لا."

"هل سيأتي أحد من ذويك ليُقلّك؟"

"لا."

     انتبهتُ إلى كونه لا يزال في زيّهِ المدرسيِّ، مما يعني أنّ أهلَه ينتظرون عودتَه لا محالة. قلتُ لنفسي ربما لا يحملُ مظلّةً لذا آثرَ مثلي أن يحتميَ بهذا البناء، لكن لن أسألَه طالما أنني لن أستطيعَ مساعدتَه، فأنا أيضاً خرجتُ من البيت مسعورةً لأرتميَ في أحضان الشوارع دون أن أنتبه إلى ما يحدث فوقي وإلى ضرورة جلبِ المظلة؛ السلاح الذي كان سيوفر لي بعض الحماية.

"إنْ كان المطر ليس المشكلةَ، فلماذا أنتَ هنا في هذا المكان البارد؟"

"رأيتكِ ترسمين، فدخلتُ أراقب الشكلَ الذي سينتج، أعجبتني هذه الشمس البشرية. إنها مضحكة حقاً."

      يا إلهي! ظل يراقبني حتى انتهيت دون أن أنتبه إلى وجوده!

     ألهذه الدرجة كانت الشمس ساطعةً حتى أعمت أشعتها عينيَّ؟

     ربما عليَّ أن أفرحَ لأنني استطعتُ أن أغوصَ في رسمِ أمنيتي إلى الدرجة القصوى: إلى أن أنفصلَ عن الواقع الرطبِ المحيط بي.

"مَن هذه المرأة؟"

"جارتنا."

"ولماذا جعلتِها شمسًا؟"

"لأنها تحبُّ الشمس كثيرًا."

     حقاً! لم أجد أفضلَ من هذه الإجابة؟

     ولكن بمَ عساي أجيبه وأنا نفسي كنتُ في غيبوبة من تداعي الأفكار.

"وأنتِ ماذا تحبين؟".

"أنا أيضًا أحبّ الشمس كثيرًا".

"إذن لمَ لم ترسمي وجهكِ عليها؟".

"صعبٌ على المرء أن يرسم نفسه، أليسَ كذلك؟"

     لمعت عيناه كعَيني حكيم ارتضى الإجابة التي سمعها للتوّ، ورأى فيها حكمةً أعجَبَته، ثم هزّ رأسَه لتأكيد أنّ مَن أمامه جاء عند حُسنِ ظنهِ.رجف قلبي، وشعرتُ لثانيةٍ أنّ روحًا ما قد تلبّست جسدَ هذا الصغيرِ، أيُعقل أنّ روح جارتنا قد فاضت وحلّت في جسده؟

"هل منزلك قريب؟ لا بدّ من أنّ أهلك قلقون عليك الآن."

"لا أهل لديّ."

"ماذا؟! من يرعاك إذن؟"

"أنتِ."

     أيُّ كائن هذا الذي أمامي؟ لا بد أنه طفلٌ مجنون قد ساقَه حظي التعِس إليّ، ماذا أفعل الآن؟ هل أتجاهله وأغادر؟

"لا تخافي مني، فأنا أحبكِ وأعتني بكِ مثلما تعتنين بي، لا سيما حين التفّ خيط سميكٌ حول قدمي كي يمنعني من رؤية الشمس التي سترسمينها، ولكنني قطعته بأسناني ودخلتُ إلى هنا."

     مهلاً...هل كان يعلم بما سأرسمه قبل أن أبدأ حتى؟

     اقتربَ مني فخفتُ أكثر. تراجعتُ إلى الوراء خطوةً لكن تعثّرتُ بحجر كبير من الإسمنت، ففقدتُ توازني. وهنا، أمسك الطفل بيدي في قدرةٍ عجيبة على تحمّل وزني، ثم ألصق عينيه بعينيّ وقال:

"أتذكرين ماذا قلتِ للطبيب يوم أُصيبت قدمكِ؟ لقد قلتِ إن خيطًا التفّ حولها وهو ما سحبكِ وأوقعكِ أرضًا، وهذا بالفعل ما حدث، لكن ألا تذكرين لماذا؟ ألا تذكرين أنكِ أردتِ رمي نفسكِ أمام أول سيارةٍ تعبر الشارع؟ أنك أردتِ قتلَ نفسكِ فخرجتُ مسرعًا وقطعتُ الخيط عن قدمك كي أمنعكِ من فعلِ ذلك؟"

     دفعتُه عني بقوة، ثم انهرتُ على الدرج أنتحبُ بحرقة. صور ما حدث تتوالدُ في ذاكرتي، ثم تذكرتُ الأشخاص الذين رأيتُهم منذ قليل. لم يكونوا يستمعون إلى أصوات أطفالهم، ولا يقاومون تلك الخيوط التي ترسم مصائرَهم بكل صفاقةٍ، فصرتُ أنتحب أكثر، وأغرقُ في بحار من دموعي التي انهمرت بغزارة كبيرة أكبر من أمطار هذا الشتاء الموحل. 

رغد جديد هي  كاتبة من سوريا. لديها إجازة في اللغة العربية. تكتب القصص القصيرة والسيناريو والمقالات

وحل

رغد جديد