في صباح شتائي لا يذكر من تفاصيله الدقيقة إلا أنه كان باردًا جدًا، وفي بلدة قاصية في شمال الأرض تسمى "طريف،" استيقظ الطفل كعادته وشارك بعينه فقط إخوته وهم يتجهزون للذهاب للمدرسة وهو يتدثر بجاكيته الخفيف عن الهواء البارد الذي يتسرب من خلال الفتحات الصغيرة جدًا في رواق بيت الشعَر.

     خرج الإخوة إلى المدرسة وخرج معهم ليودعهم، تابعهم ببصره وهو يقف في بداية الشارع إلى أن سرقتهم تعاريج الطريق الممتدة فعاد للبيت لا يلوي على شيء فشقيقه الصغير لا يزال نائمًا ولا يوجد هناك ما يمكن أن يتسلى به.

     كان والده جالسًا على وجار الدلال، في "الربعة" وهي المكان المخصص لجلوس الرجال في بيت الشعر، وعنده ثلاثة من جيرانه يفيضون في أحاديث حياتهم القديمة، حياتهم التي سرقتها منهم المدنية الحديثة. بعد ساعة خرج الجيران وبقي والده على الوجار يعبث بملقاط الجمر بالجمر الذي بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتدثر بكفنٍ رمادي. عندما يكون هو وإخوته الأكبر منه سنًا لوحدهم، كانوا يتسلون بالنفخ على ذلك الرماد ليسافر في الهباء ويعود الجمر لتوهجه قليلًا قبل أن يُنسج له كفن آخر رمادي اللون ليتدثر به مرة أخرى، وكأن الجمر نفسه يخيفه البرد ويبحث عمن يحفظ له دفئه لأطول فترة ممكنة قبل أن تحين وفاته.

     بعد ساعة أو أقل، قام الأب وقال للطفل: "تعال معي!"سقطت هذه العبارة في روح الطفل كبشارة عظيمة لم يتوقعها في يومٍ ما، فالطفل لم يعتد أن يمنحه والده مثل هذه الفرصة، خاصة أنه لا يشاهده ولا يجلس معه كثيرًا بسبب عمله خارج البلدة.

     خرج الطفل مع والده. أمتار سارها أقل من الثلاثين مترًا ليدخل والده وهو خلفه لبيت الجار، ذلك التاجر المتدين البسيط "أبو فرحان." لا يتذكر شيئًا حدث سوى أن "أبا فرحان" قد دخل بصينية كبيرة بها الفطور. دعاه والده لمشاركتهم الفطور. كان خائفًا خجلًا فهو لأول مرة يُشارك رجالًا كبارًا في الأكل. استرجع وصايا والدته في آداب الأكل. بقي مكانه على السفرة ولم يمد يده. تنبه له الجار الطيب ومدّ له قطعة خبز وقال له: "سمّ الله يا وليدي."تمعن في الصحون الصغيرة ليعرف ما فيها. 

     شاهد زيت الزيتون، جبنة غنم، جبنة كرافت، قشطة التاج، مربى بطيخ، كل هذا يعرفه لأنه قد أكله من قبل، ولكن ما لم يعرفه هو صحن صغير به حبات بيضاوية الشكل وخضراء اللون. بدأ الأكل من جبنة الكرافت التي يُحب وعينه على ذلك الشيء الأخضر والذي بدأ البقية في تناوله. 

     أدهشه أنهم يأخذون حبة واحدة فيعصرونها قليلًا لتخرج منها قطرات ماء أخضر كما كان يعتقد وقتها ثم يأكلونه. لكنه لاحظ بأنهم يخرجون من أفواههم شيئًا صلبًا يشبه نواة التمر، ولكنه أخضر. 

     أثناء الحديث على الأكل سأل أحد الرجال صاحب البيت وبيده حبة خضراء:

           "منين جبت هالزيتون الزين يا بو فرحان؟"

           "من الشام يا بو ناصر."

     تشجع الطفل على أكل حبة واحدة بعد أن عرف اسمه، لذع لسانه الطعم الحاد والحارق قليلًا لكن ذلك الطعم تحول بثوانٍ معدودة إلى طعمٍ لذيذ جدًا. ربما ما جعله لذيذًا جدًا في فم الطفل هو دهشة التجربة وفرادتها.

     كبر الطفل، ولا يزال طعم الزيتون الأخضر في فمه، وفي أي محل يوجد فيه ذلك النوع من الزيتون يقاوم رغبة كبيرة أن يتذوق كل أنواع الزيتون الأخضر الموجودة. يضعف أحيانًا ويفعل ذلك. يعجبه نوع وربما أكثر فيأخذ منها ما أعجبه. يذهب للبيت وعلى الفطور يبحث عن طعم حبة الزيتون تلك، فلا يجده فيترك الصحن لآخر.

     أكثر من عشرين عامًا مرّت وهذا ديدنه، زيتون أخضر صغير وطعم مفقود وحياة ذاهبة ولذة لازالت تستوطن ذاكرة الطفل الصغير.

عبدالعزيز الرويلي، كاتب ومدون من شمال السعودية، يمكن متابعته عبر مدونته: مفازة الكلام. ويمكن متابعته على تويتر: @aazizrowiliy

عن الزيتون الأخضر الذي عرفه الطفل لأول مرة

عبدالعزيز الرويلي