تسللت الشمس من نافذة الغرفة فانعكس شعاعها على المرآة المعلقة في الجدار بجانب سريري. أزعجني الضوء. لم يكن المنبه قد رن بعد، لكنني دائمًا ما أستيقظ مع شروق الشمس وأنام بعد غروبها بساعة. نظرت إلى انعكاس وجهي في المرآة؛ الشعر أشعث، والوجه كما هو بيضاوي. الأنف في موضعه والعينان أيضًا، إلا أنها تبدو منتفخة بعض الشيء. والشفاه كجناح النورس مثلما عهدتها، أي أن لا شيء جديد. رفعت يدي لأمسح عيني، ولكن عندما مددتُ يدي سمعت صوتًا خافتًا يأتي من خزانة ملابسي، وتحديدًا وراء صناديق الأحذية الكرتونية المرصوصة فوق بعضها والموجودة بجانب الخزانة. قمت من سريري ومشيت إليها، وفاجأني ما وجدت. قرد صغير في غرفتي يختبئ خلف صناديق أحذيتي. حول عنق القرد يلتف طوق به حبل أسود اللون. كان القرد يدور حول نفسه وهو يسحب بفمه حبل الطوق محاولًا نزعه، لكن دون فائدة تذكر.

       سألته: "كيف تسللت إلى هنا أيها القرد؟" لم يجب، فدنوت منه وحاولت مسكه لأفك عنه الطوق، فنظر القرد إلى وجهي وقفز على سريري بحركة سريعة قائلًا: 

             -   لن تستطيعي فعلها.

             -    فعل ماذا؟؟

              -   فعل ما استيقظتِ اليوم من أجله، وتستيقظِين كل يوم.

               -   كيف تعرف!

               -   أعرف، فلذلك استسلمي.

               -   لكنني أحاول يا قرد.

               -   حاولي فعل شيء آخر.

               -   لكنني أحاول تحديدًا فعل ذلك الشيء الذي أريد.

               -   أنتِ لست جيدة كفاية فيه، حاولي فعل شيء آخر.

               -   لكنني أريد أن أصبح جيدة فيه.

       ظل القرد الصغير يقفز في غرفتي من مكان لآخر، فتركته وخرجت من غرفتي لأبدأ يومي، وتجاهلت وجوده. فتحت حاسوبي وبدأت بالعمل، فجاءني القرد وظل يقفز من مكان لآخر، وظللت  أتابعه بنظري. كانت حركته سريعة ومتابعته متعبة، لكن توجب عليّ أن أثبت له عكس ما يقول. قال القرد: "افتحي هاتفك." تركت ما بيدي وفتحت هاتفي. تابع قائلًا: "انظري، هنالك الكثيرون ممن هم أفضل منك، لا بل جيدون ليفعلوا ما تحاولين الآن فعله."

               -   لكن لكل واحد منا شيء مختلف.

               -   ما المختلف فيكِ؟ هل تعرفين؟

               -   أحاول أن أعرف.

               -   كفِّي عن المحاولة، وافعلي شيئًا آخر.

               -   ماذا عساي أن أفعل؟

               -   الأشياء كثيرة.

               -   لكن هذا ما أحب فعله.

               -   لكن ستحاولين كثيرًا لكي تصبحي مثلهم.

               -   لا بل سأحاول كثيرًا لكي أصبح نفسي أكثر.

               -   وماذا لو لم تستطيعي؟

               -   سأحاول مرة أخرى.

               -   سنرى!

               -   ماذا تعني سنرى؟

       لم يجب القرد الصغير، لكنني فهمت مقصده، ففي اليوم الثاني عندما استيقظت وجدته ينبش خلف صناديق الأحذية. صحيح أن تسلله اليومي أزعجني، كما أزعجني أكثر كثرة كلامه في الأيام الأولى، أو الأسابيع الأولى، لكنني بعد ذلك وبصعوبة تمكنت من ربطه بعد أن أمسكت بحبل طوقه. ظل القرد أمامي لفترة طويلة إلى أن ألفته وألفني، وتكونت بيننا لغة. هو يتكلم وأنا أستمع إلى ما يقوله دون أن أعترض، ثم أبدي رأيي.

       في أحد الأيام عقب استيقاظي، وجدت طوق القرد والحبل في المكان الذي ربطته فيه، لكن لم أجده. لقد حرر القرد نفسه من طوقه، واختفى.



 


 

       

 

في كل مرة كان يجلس في مكتبه ليكتب، يفشل لسبب يجهله. يضع أصابعه على لوحة المفاتيح ويحدق في الشاشة لساعات. يريد أن يكتب ليلبي حاجته الداخلية لكتابة قصة ما، لكن لا أفكار في رأسه، وكأن الأفكار ضلت طريقها وهي قادمة إليه، وذهبت إلى رأس آخر.

       ذات مرة وبينما هو مستلق على جنبه فوق الأريكة يشاهد فيلمًا، وضع راحة يده اليسرى  تحت رأسه فسُدّت بها أذنه. حينها لاحظ أمرًا؛ شعر بأن هناك أفكارًا تتدفق في رأسه، حتى إنها بدأت تشوش عليه مشاهدة الفيلم وتتبع أحداثه. سحب الرجل يديه من تحت رأسه وغير جلسته، فلاحظ تلاشي الأفكار تمامًا. اعتدل في جلسته مثبتًا ظهره على الأريكة وهو في دهشة وحيرة من أمره. أغلق الرجل براحتيه أذنيه الإثنين، فلاحظ تدفق الأفكار وكثرتها في عقله. ضحك كالمجنون في صالة منزله. ظل الرجل على ذلك الحال ما يقارب الساعة؛ يسد أذنيه بيديه فتتدفق الأفكار، يبعدها، فتختفي. ظل يفكر في تلك الأفكار، وكيف سيتمكن من إخراجها من عقله وكتابتها بينما هو يغطي أذنيه بيديه.

       أدرك الرجل أن دخول الهواء لأذنيه يشتته عندما يحاول أن يكتب، لا بل يعيق الأفكار من الدخول إلى رأسه. فجرب الرجل الجلوس في الكرسي مقابل حاسوبه وهو يغطي أذنه بيد ويكتب باليد الأخرى. إلا أن الأمر بدا له متعبًا، وتخدرت يداه بعد أن قضى ساعات بنفس الوضعية، فحين يبعد يديه تتغير الأفكار وتتبدل. خطر في باله أمر ألا وهو شراء سدادات الأذن. حين وضع السدادات في أذنيه أدرك اتصاله مع أفكاره وسماعه لها بوضوح، وسكنت نفسه، وأصبح يكتب ليلًا ونهارًا بلا توقف خشية أن يفقد تلك الأفكار، فأخذ يطبع كل ما يكتبه إلى أن امتلأ منزله بالأوراق، ولم يعد له مكان ينام ويجلس فيه إلا كرسي مكتبه.

سمية السيد كاتبة وفنانة بصرية من مدينة جدة. صُدرت لها رواية رسائلية  بعنوان: رسائل إلى زهور في زمن الغول ونٌشرت لها قصة قصيرة "وجه بلا ملامح" ضمن مجموعة قصصية صٌدرت عن هيئة الأدب والنشر والترجمة، ولها أيضاً مدونة تكتب فيها.

المدونة: somayaals.com

تويتر:  @iamsomaya_

الطوق

سمية السيد

* * * *

سدادة أذن