في البدء كانت ... البداية

كيڤن بلانكينشيب

       شاركتُ هذا الشهر في مؤتمر أكاديمي يطرح مسألةَ الخاتمة ودورها في النصوص الأدبية كمفهوم للبحث، إذ أنّ "المقدمات والتمهيدات تجذب انتباه الباحثين المختصين في الأدب العربي منذ حين، بينما تظل الخاتمة أرضاً مجهولة وغير مستكشَفة" كما تفضّلت دعوة الاستكتاب الخاصة بالمؤتمر. وحين سئل أحد المُتحدّثين عن سرّ اهتمامه الواسع بالكيفية التي كانت تختتم بها المعاجم العربية القديمة، إذ ذكر السائل أنّ المقدمة – لا الخاتمة – هي ما ينير عقل القارئ مما يعرضه الكاتب من علم وحكمة، رد المتحدث المسكين، "الخاتمة هي موضوع هذا المؤتمر، ولذلك لا بد من الحديث عنها." جواب صريح وإنْ لم يُطمئن أحداً.

        لا مفر من البدايات، كما تُثبِت هذه الحادثة وغيرها، ولكن السؤال المطروح لماذا؟ لِمَ العقل البشري مفتون بالأوائل إلى هذه الدرجة؟ قد نختلف مع فرضية أن بدايات الأشياء هي المحور الذي تدور حوله رحى اهتمام الإنسان، فلننظر مثلا إلى النهايات غير المتوقعة في قصص "أدب الجريمة" أو "أدب الغُموض" حيث تحبس الأحداث أنفاس القارئ حتى تحين اللحظة المنتظرة التي يكشف الراوي فيها عن هوية القاتل (وهو كبير خَدَم البيت لا محالة)؛ أو كما في الحكايات والأساطير القديمة مثل ملحمة الأوديسة لهوميروس، وهي التي تنطلق "في خضم الأحداث" (in medias res) أي من مشهد الذروة، ثم سرعان ما تنتقل بومضة فلاش باك إلى الماضي لتعرفنا على الشخصيات ولنتابع تيار النهر من منبعه. أَلا تشير هذه الأمثلة إلى أنّ البداية ليست سائدة على أذهاننا بالضرورة؟ ألا تدلّ على مركزية ما يحدث في الوسط والنهاية وما يربط بينهما من أحداث؟ أنولع بالفجر فحسب، أم هل يهمنا سائر لحظات النهار والليل؟ 

        غير أن في البدء نوعاً من السحر قد يسلب ألبابنا ويعجزنا عن تجاهله تماماً، كما يعبّر الشاعر والأديب ابن رشيق القيرواني في كتاب العمدة في محاسن الشعِر وآدابه قائلاً: "فإنّ الشعر قُفْلٌ أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجوِّد ابتداء شعره؛ فإنّه أول ما يقرَعُ السمع، وبه تستدل على ما عنده من أول وَهْلَة." وحتّى إذا غاب عنّا جميع ما تعلمناه من قصيدة أو رواية أو مسرحية ما، إلّا أنّ مطلعها سيعلَق في جدار الذاكرة لا محالة. أجد صعوبة شديدة في تذكّر أيّ من الأبيات الخمسة والثمانين من قصيدة عنترة المشهورة، ما عدا البيت الأول:

هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ              أَم هَلْ عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ

وهو البيت الخالد في التراث العربي، وما أكثر الأدباء في قديم العصور وحديثها ممن لا يتذكرون من القصائد إلا مطلعها – هل يا ترى تعبوا من القراءة قبل أنْ يصلوا للنهاية؟ – مما جعلهم يسجلون تلك القصائد في كتب الأدب تحت مطلعها التي كانت بمثابة عناوين (وهو ما يُعرف في الشعر اللاتيني القديم باسم الـ incipit، يعني "هكذا تبتدئ"). 

حتى وإنْ أجهدنا أنفسنا لسنين طويلة في الحفظ والدراسة والتعلم، فلا تترسب في عقولنا نبذة من جميع الأحداث التاريخية المحفوظة والنصوص المدروسة، سوى نقطة انطلاقها. الهجرة النبوية عام 622 م؛ الثورة العباسية عام 750 م؛ نشأة الإمبراطورية العثمانية عام 1323 م؛ مطلع معلقة امرئ القيس قفا نبكِ؛ افتتاح سِفر التكوين في البدء خلق الله السماوات والأرض، أو إنجيل يوحنّا في البدء كان الكلمة

        في أحيانٍ ليست قليلة، أنبهر وأنا أطالع الأوراق البحثية والكتابات الإبداعية التي ألّفتُها في أيام الجامعة، من حيث دقائق المعلومات التي كنت قد تعلمتها ثم سرعان ما نسيتها تماماً. أتساءل هل كنت أعرف كل هذا، وأنا في حداثة سني تلك؟ "حياة من القريض" كما يتأمل الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو في كتابه بحبر خفي، قائلاً "ولا يطفو منها على السطح إلا بيت واحد أو بيتان."

ربما تنبع سطوة البدايات والمَطالع علينا من ضعف ذاكرتنا أو قصر اهتمامنا، كما في تلك القصائد التي لا نتذكر إلا مطلعها. وقد يأتي سحر البدايات أيضاً من رسائل تعليمية نتلقاها في المرحلة الابتدائية، تشير إلى أول الشيء بوصفه علامةً على طبيعته الأساسية، كما يدل الرأس المدبب للفِرْجار على قطر الدائرة وحدّها الأقصى بمجرد أنْ نعرف المكان الذي تحدد فيه علامة الانطلاق على الورقة. ولا ينكر المراقب العاقل ما في كل هذه الفرضيات من حكمة. 

        غير أنّ بداية أي شيء كفيلة – في الغالب – لجعلنا نكترث به، فالبدايات أحياناً دليل المقاصد والنيات الكامنة. على أي أساس يعكف الكاتب على إنتاج بنات أفكاره، إنْ لم تكن الرواية في نظره جديرة أنْ تُكْتب؟ لماذا تؤسّس سيدة أعمال مشروعاً جديداً إذا لم تكن تثق بأنه سيعطي ثماره؟ هل يهاجر المرء إلى بلد شاسع بحثاً عن لقمة العيش وهو مقتنع بأنّ سعيه سيقابل بالفشل؟ إنّ التفاؤل والأمل دافع كل عمل بشري إنساني، هما النافذة التي وإنْ صغر حجمها، إلّا أنها تفتح آفاقاً واسعة تظهر في كون البدايات.

        ولكن من ناحية أخرى، فالبدايات تفصح عن رغبة الإنسان في فرض نفسه وتحقيق أكبر أحلامه، إلى درجة يغيّر معها ما حوله تغييراً جذرياً، بل يقلّب الأمور رأساً على عقب وبلا هوادة. وهذا الجانب المُعتَم من قمر البدايات اللامع، وهو أنّ انطلاق الشيء كثيراً ما يعبّر عن دمار ما كان قبله. حتى مجرد تأليف كتاب أو صناعة فن تتطلب ساعة مخاض قد لا تُحتمل، ناهيك عن البدايات العظيمة بجهودها الطيبة التي سرعان ما قادتْ إلى نتائج قبيحة وغير متوقعة. فالانقلابات والثورات – مهما سكرنا بنشوة الشعب يريد إسقاط النظام – تسفر عن مذابح شنيعة وفظائع وحشية ضد الأبرياء، كما تتسبب نشأة الدُوَل في الجرائم من سرقة وقتل. أو قل البداية ما هي إلا إنّه طائر العنقاء الذي يولَد من رماد محرقة بشرية ضخمة، مولعة بالسلطة والهيمنة والاستبداد. 

كيف لنا ألا نتساءل في ظل هذه البشاعات ما إذا كانت منافع البدايات تبرّر مخاطرها؟ هل ندفع أثمانها الباهظة آملين بحصيلة غير مخيّبة؟ لماذا نخطو تلك الخطوة الجريئة التي قد تُسقِطنا من حافة جهنم؟ لماذا نغامر طوال أيامنا في أمر مُحبِط، ثم نعيد المحاولة كرة تلو الأخرى كالمعتوهين؟ لقد قلنا آنفاً إنّ التفاؤل هو أساس النشاط الإنساني، فلا بد من اكتشاف الحد بينه وبين التهوّر الأعمى إنْ لم نرِد تخريب حياتنا سعياً لترميمها.  

       من المفارقات الساخرة أنّ نقطة الانطلاق هي ليستْ نقطة في الواقع، بل قنطرة تجسّر الهاوية كما تربط همزة الوصل بين لفظين، فلا تُطلِق كلمة جديدة بل تمدّ ما سبقها من صوت. وكذلك البدء من أي شيء، ولنسق مثالاً على ذلك قصيدة عنترة التي يستهلّها بالنظر إلى أسلافه من الشعراء، لا بصُوَر أو أفكار جاءته من العدم (ex nihilo). ومن هذه الفرضية إنّ البداية لا تعبّر عن الشروع والافتتاح بقدر ما تعبّر عن التحرّك والانتقال. أو كما لدى المفكّر العملاق إدوارد سعيد في كتابه بدايات عن الأسس النظرية للنقد الأدبي، "مفهوم البداية، كما يبدو في الفكر الحديث، لديه منهج خاص به ... لنفترض كأنّه متجوّل يرحل من مكان إلى آخر يجمع موادّه ولا يبقى إلّا عالقاً بين المَساكن. والذي يؤخَذ من مكانه فتُكسر عادة كينونتها؛ إذن فالتحوّل والتبدّل إلى الأبد." أو لنقُل ببساطة إن الأوائل ليستْ سوى أواخر تخلّصتْ من صيغتها السابقة وارتدتْ ملابسها الجديدة.

       وتأخذنا هذه الفكرة، وإنْ لم يرضَ بعضنا، إلى مفهوم التقمّص أو تناسخ الأرواح بين الأجساد، وهو مفهوم أشعل فتيل الجدل بين المسلمين عبر القرون (لنتذكر ردّ أبو العلاء المعرّي على رجل علوي اسمه أبو إبراهيم موسى بن إسحاق، وقد قيل إنّ موسى هذا مؤمن بالتناسخ: وَلَوْ صَحَّ التَّنَاسُخُ كُنْتَ مُوسَى / وَكَانَ أَبُوكَ إسْحَاقَ الذَبِيحَا). فكأنّ لدى الكتابة والفن والتاريخ والفكر روحاً تطفِر بلا توقّف بين الكلمات والأفعال، تَبين تارة في البداية وأخرى في النهاية وأخرى في موقع مختلف تماماً، فلا يمسكها أحد، بل يشترك بها الجميع. وقد تفتح هذه الصورةُ مفهومَ البداية على المعنى الأوسع، بما أنّ تلك البداية إشارة ليستْ إلى أمرٍ تكامَلَ من تلقاء نفسه، بل إلى هجين تضافَرَ من عدة خيوط. وهذه الفكرة تشبه مفهوم التناصّ الأدبي لدى المفكّرة البلغارية الفرنسية جوليا كريستيفا، التي تشير في كتاباتها إلى العلاقات المتنوعة بين النصوص بشكلٍ ضمني أو تصريحي مثل السرقات الأدبية، والاقتباسات، والتضمينات.

       وأخيراً، البداية إلى أين؟ هل نتناساها بما إنّها عجين ممكنات فحسب؟ هل نُصرّ على حفظها إيماناً بأهميتها في فهم الأحداث التاريخية وفي تفسير النصوص المكتوبة؟ وما علاقتها بالخاتمة وما بينهما من أحداث؟ أترك مطلق الجواب للقارئ، ليجعل من هذه الخاتمة بدايةً أخرى. ولا نخاف إنْ طال علينا الأمر، فسنردد ما قاله أبو حيان التوحيدي وهو يعتذر عن استطراداته: "إن الحكاية ذات مغزى وإن جعلت الكتاب يتنفس،" أي يطول.  

       

 كيڤن بلانكينشيب أستاذ مساعد في اللغة العربية وآدابها بجامعة بريغام يونغ الأمريكية

(Brigham Young University). صدرت له مقالات إنكليزية في  The Atlantic و The Los Angeles Review of Books  و The Times Literary Supplement وغيرها .

تواصلوا معه على تويتر AmericanMaghreb@