أحلام ما قبل الموت
يوسف اليمامة
سار يومٌ، أو ربما يومان، فقد اضطربت النُّهى وباشرت تتهادى في الأثير تستحضر ما مر من الزمان. أتُرى بين جبالُ طيِّئ هي تشهد صُلب من عشقا فقتلا؟ أم هي في زمن صغرها تُمعن النظر في أمها تسكب اللبن لها؟ لقد ضل وعيها وما عادت تعلم من تلك السيدة، لكنها ذرفت دمعةً في حسرةٍ لم تفهمها وهي تهمس في خاطرها: من تلك؟ وبكى أحدهم، فأخرجها نحيبه من رقادها، وانفرجت الأجفن سافرةً عن حدق عينين كساهما الدمع ترنوان إلى مصدر النفس المرتعش. لقد علمت أنه ابنها، فتمتمت تقول: "أراك"، فأراد الابن أن يهون على ما تحمله من أسفٍ على مرضها قائلًا: آهٍ، وكيف تريني؟ فارتسمت على شفتيها ابتسامةً وادعةً، وقالت له: "أراك حُلوًا."
ثم عادت تسري بين السُّدُم، ترى أين كانت آنئذٍ؟ إنها بين جبالُ طيِّئ رجعةً أخرى تبصر عاشقَين في مرتعٍ تعمى عنه الأبصار. وفي سُكر الهوى تبادلا الرشفات متعانقين وتراخت أصوات القلق والرهبة والمجهول، وعاشا دهرًا في ومضةٍ. ولكنها لم تدرك أن من تناظرها هي نفسها، ومن تتأمل في ذكراها هي حياتها.
ترى أين كانت آنئذٍ؟ رأت جمعًا في ليلٍ زاده بهاءً لحن ربابةٍ يتلقون على صوتها كلمات أحدهم سكن العمى عينيه أنشدها:
يا سيد الكونين جئتك قاصدًا
أرجو رضاك وأحتمي بحماك
والله يا خير الخلائق إن لي
قلبًا مشوقًا لا يروم سواكَ
وحق جاهك إنني بك مغرمٌ
والله يعلم أنني أهواك
وصارت تتماهى مع النغمات مداعبةً بأناملها وقع الجواب والقرار في صوت المنشد. وفي تلك الأثناء فرغت حجرتها ممن زارها، وأخفت الستائر أنوار المدينة معلنةً العزلة التامة عن عالمها الحاضر. وقد انفرج جفناها فلم تبصر غير ظلامٍ ساد الأثير، وتساءلت ما أنا؟ وأين يرسي جسدي؟ وما انفكت تتساءل عن ذاتها إلا وجفناها يتلامسان مرة أخرى مرسلينها إلى رحاب أحلامٍ قد تكشف عن بعض تساؤلاتها، وإن لم تدرك ذلك.
ثم باتت مهتديةً إلى ظلال الطفولة الوادعة، ورأت صورتها تنسج طريقًا لمخزن الجدة حيث فاكهةً ألح الجوع بالظفر بها. فتابعت خطواتٍ همست في طرقات الدار ليلًا تسوقها نفحات السِفرجل والدرّاق. وحين وصولها لمقبض بابِه، أخرجت مشبك أوراقٍ صيّرته ليحاكي مفتاح الغرفة وهمّت تحاول والرائحة بيدها تدلها. وإذا بالباب ينفرج كأنه يبيح بسرٍّ حفظه أجيال، فاندفعت نحو الحقائب ساهيةً عن وصده. وأقبلت على الفاكهة مطبقةً جفناها فظنت أنها في النعيم، وبات ما قد يترتب عن فعلتها هيّن ما كبدًا في تحمله.
وهلّ الصباح وها هم حولها رجعةً أخرى يراقبون صعود صدرها وهبوطه، ترى أين كانت آنئذٍ؟ إنها ليلة زفافها المشؤومة، لكنها كانت مضطربة وتساءلت: ما بال العروس؟ رقص الكل، ونثر الفرح ضياءه في الأرجاء، ولكنه راوغ وجهها كما لو أشفق على ملامحها، وتناولت النساء يديها يسيّرونها -فيما أظهرته عيناها- قسرًا بيد أنها تجاوبت. ولوّى خصرها كغصنٍ مال من حيث استوى، وانقاد لإيقاع الطبل في ارتجاف أسفر عن وجوم لا فرح. وحين باشرها ذرفت دمعةً أو اثنتين اندسا بين عتمات الليل، وباتت ليلتها الأخيرة تتقلب في مروج الماضي سارحةً بين أطياف الذكريات في سكونٍ كشف عن ارتياح. وها هم يحملونها إلى مثواها الأخير، فترى أين تكون ساعتئذٍ؟
يوسف اليمامة، في الحادية والعشرين من عمره. يكتب القصة القصيرة لأنها الشكل الأدبي الأقرب إلى طبيعته. يشده الأدب العربي الحديث -أدب ما بعد النهضة- بما يحمله من قلق وأسئلة حول الهوية والمعنى. يكتب بدافع شخصي بالدرجة الأولى، على أن يكون وصول النص إلى القارئ امتدادًا لذلك. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @YousefAlYamama