الفأر الذي التهم كعكتي
حنين أرحيم
في ظهيرة يوم أربعاء روتيني كنت غارقة في العمل أتنقّل بين المهمة والأخرى كما لو أنني أدور في عجلة لا نهاية لها. لم أكن أستطيع رفع رأسي عن شاشة الحاسوب فقد كان العمل يتدفق إلي كما تتدفق الأمواج على شاطئ مُثقل لا تمنحه مساحة ليلتقط أنفاسه، كنت مثله تمامًا بالكاد ألتفت لما حولي وفي وسط هذا الانغماس، قدّمت لي زميلتي ببادرة لطيفة كعكة تمر دافئة، كانت تشبه حضنًا مؤجلاً انتظرته طويلاً لكنني لم أتذوقها فورًا. فلم أكن أسمح لنفسي أن أعيش المتعة وسط العمل فقمت كعادتي بتأجيل لحظة التلذذ بها حتى أجد الوقت المناسب، حين حلّ الموعد المناسب أخيرًا اتجهت إلى ركن الشاي، حضرت كوبًا دافئًا من الشاي بالنعناع حتى عبقت رائحة النعناع المكان بأكمله وكأنها تمهّد للحظة المرتقبة، عُدت إلى مكتبي وأنا أتهيأ لاحتضان تلك اللحظة الصغيرة.
فجأةً ظهر فأر صغير.تسلل بخطوات صغيرة خفيفة إلى طاولة مكتبي، واقترب من كعكتي شيئًا فشيئًا دون أن ألحظ تأثيره حتى وسرعان ما شعرت بصوت خشخشة خفيفة مُعلنًا بها عن سرقة لذتي الصغيرة. وقفت أراقبه، مدهوشة من جرأته، من يديه الصغيرتين وهما تمزقان شيئًا كنت أظنه لي. شعرت بالاستياء الشديد فبعد يومٍ طويل ومُنهك بالعمل جُل ما احتجته ورغبت به كان لحظة هادئة متناغمة تغمرني بها رائحة النعناع الزكية مع كوب شاي وكعكة صغيرة، لكنني أظن أن إحباطي الحقيقي لم يكن من الفأر الذي أفسد متعتي بل كان مني لأنني مجددًا اخترت أن أؤجل متعتي ومجددًا جاء من يسرقها دون تردد.
هرب الفأر، وتركني أُحدّق في بقايا كعكتي، مفتتة كأجزاء من أيام كثيرة لم أعشها كما أردت، غرقت بلحظات صمتي وأنا أتأمل المشهد بعقلي مرارًا وتكرارًا تنفست بشدة حتى امتلأت رئتي بأكملها وأطلقت تنهيدة كاد صوتها أن يصل إلى المكتب المجاور، الغريب أنني لم أقم بأي ردة فعل لطرد الفأر بل قمت بجمع ما تبقى ووضعته في زاوية المكتب ليعود له ويكمل ما فعله وفعلاً ...عاد وكأنه لم يكتفِ بإفساد متعتي بل كان عازمًا على التهام كل ما تبقى منها.
يومًا بعد يوم، تطورت علاقتنا بشكلٍ غريب في كل مرة كان يأتي ليسرق شيئًا بسيطًا مرة قطعة خبز أو ورقة من ملف، وحتى طرف حقيبتي لم يسلم منه، في البداية كنت ألاحقه بعيني، ثم اعتدت حضوره، بل بدأت أضع له ما يكفيه، وكأنني أتواطأ معه، على التهام المزيد مني.
هكذا، وجدت نفسي أكرر نمطًا أعرفه جيدًا! نمطًا يشوبه الأذى من كل اتجاه يبدأ باقتحام خفيف ولمسات صغيرة ثم بصمت مُزعج يليه تبرير سخيف ثم بعطاء غير مستحق علاقة كهذه تشبه كثيرًا تلك العلاقات السامة التي خضتها على مدار أعوامٍ سابقة، حيث كلما تعدّى أحدهم على حدودي، وجدتني أفسح له الطريق ليفعل ما يشاء. راقبتهم بصمتٍ طويل، حتى حفظت سلوكهم عن ظهر قلب.
جميعهم كانوا يمتازون بذلك المظهر البريء بابتسامة مزيفة ونظرات عيون لا تُفسر، كما كان أذاهم ناعمًا، لا يُصدر ضجيجًا مدويًا تمامًا كما كانت خشخشة الفأر خافتة، هادئة، تكاد لا تُسمع. لكن أثرهم كان واضحًا، ثقيلًا، لا يزول بسهولة.
حنين خالد أرحيم، كاتبة ومصممة جرافيك، حاصلة على درجة الماجستير في الإعلام الرقمي من كلية الإعلام – جامعة ميدأوشن. تؤمن بأن القصص الصغيرة تحمل تفاصيل الحياة الكبرى.