على مقهى في الحي السادس
وليد مصطفى
( ما كان يظن نفسه " نجيب محفوظ " حينما اصطحب قراطيسه و أقلامه و جلس على ذلك المقهى على الشارع الرئيس في الحي السادس بمدينة نصر ، و إنما كان يعرف نفسه فتًى يافعا يرى الحياة وردية و يروم أن يبث أوراقه خواطر قلبه و خلجات فؤاده ) .
كانت مدينته الجامعية في الحي السادس بمدينة نصر، وحين أنهى إجراءات السكن فيها ، راح يستطلع المكان بحماسة : أين السوق ؟ المطاعم ؟ المقاهي ؟ متى تُغلق أبواب المدينة ؟ وماذا لو تأخر عن إحدى المحاضرات؟
كان يرسم خريطة لأيامه الأولى في المدينة الكبيرة ، بعين الهاوي الذي يرى كل شيء للمرة الأولى .
سارت حياته بين المحاضرات ، والاكتشاف اليومي لناس وأماكن لم يعهدها ، وكان أكثر ما لفت نظره في تلك الفترة حدائق القاهرة المفتوحة في ثمانينات القرن الماضي ، حدائق بلا أسوار ، بلا رسوم دخول ، يَدخلها الناس من أي جهة ، ويجلسون فيها ما شاءوا من الوقت .
ورغم بعده عن أهله ، كانت التجربة الجديدة تسعده ، كان يكتب خواطره كثيرًا، يسكبها على الورق حين يضيق أو يفرح ، وذات يوم ، خطر له أن يكتب خارج جدران المدينة ، على مقهى في الشارع الرئيس في الحي السادس ، قريب جدًا من مدينته الجامعية ، لكنه تردد ، ترسّخ في ذهنه، مثل كثيرين من جيله ، أن الجلوس على المقاهي لا يليق بطالب علم ، ولا بمن ينتمي إلى بيئة محافظة ، وكأن الجلوس في المقهى رجس من عمل الشيطان .
بعد صراع داخلي قصير ، شجّع نفسه ، واتخذ قراره الجريء.
طلب كوبا من الشاي ، وأخرج قراطيسه وأقلامه ، ثم بدأ يكتب ، راقب المارّة ، استبطن نفسه ، ودوّن خواطره في لحظة رآها فريدة . لم يشعر بمثل هذه السعادة من قبل ؛ لأنه أخيرًا انتصر على خجله ، وحطّم قيدا اجتماعيا ظلّ يثقل كاهله ،لكن لم تدم لحظة سعادته طويلًا ؛ إذشعر بعين تراقبه ، رفع رأسه، فوجد عامل المقهى ينظر إليه بشكّ وريبة ظاهرين، يتابعه من بعيد وهو يكتب ، حاول تجاهل الأمر، لكنه بدأ يشعر بالتوتّر، وبعد دقائق جاءه العامل وسأله :
- حضرتك صحفي ؟!
- لا !
- أمال بتكتب إيه ؟!
لم يكن العامل يعرف أن نجيب محفوظ نفسه كان يكتب في المقاهي ، وربما لم يكن يعرف من هو نجيب محفوظ أصلًا .
- سأله :
- هو فيه مشكلة في الكتابة هنا ؟!
- أجاب العامل باستغراب :
- أول مرة أشوف حد بيكتب هنا، خُفت تكون صحفي بتكتب حاجة عن المكان، أو تكون مرشد.
صُدم ؛ إذ لم يكن شكله ولا عمره يوحيان بشيء من هذا ، هو حتى يبدو أصغر من عمره الحقيقي بسنوات ، أي صحفي أو مرشد أمني بهذا الوجه الطفولي أيها الأحمق ؟ّ قالها في سره طبعا.
شعر أن الجدل لن يفيده ، قرر أن ينسحب بهدوء ، مصطحبًا قراطيسه وأقلامه ، وواحدًا من أحلامه الوردية التي بدأت تذبل ، خرج يمشي ببطء . ثم ابتسم وهو يفكر:
" ربما لن أصبح نجيب محفوظ... لكنني على الأقل حاولت أن أكتب مثله "
وليد مصطفى معلمٌ و كاتب من مصر، تخرج من كلية الآداب والتربية بجامعة الأزهر قسم اللغة العربية في العام 1989 م. عمل في حقل التربية و التعليم في ثلاث دول عربية، و ما زال معلمًا حتى الآن . كتب عددا من المقالات و المجموعات القصصية و شارك بها في بعض المسابقات الأدبية على بعض المنصات الثقافية.