سرداب يوسف ك.
طارق عباس زبارة
لابد أن أحدهم قد وشى بيوسف ك. فدون أن يقترف ذنباً كفَّروه.
سامي، صديقه وزميله في العمل، الذي كان يأتي يوميا ليأخذه معه بسيارته، أبلغه بالخبر. لم يفعل ذلك حالاً بالطبع، كي لا يقلقه، بل انتظر حتى نهاية الدوام. وعندما جلسا في السيارة يستمعان إلى الراديو قال له:
- سمعت أنهم كفَّروك يا صديقي. ما الأمر؟
ومع أن يوسف اندهش كثيراً مما قاله صديقه لم يعقِّب. ظاناً أنها إحدى مزحاته الثقيلة التي تتعدى بعض الأحيان حدود اللياقة. نظر إليه لبرهة ثم واصل التحديق من النافذة. واصل سامي حديثه:
- أنا لا أمزح يا يوسف. سمعت بالأمس الزملاء يتهامسون في القسم بهذا الشأن.
- من بالتحديد؟
- كلهم تقريباً. عندما اقتربت، خفضوا أصواتهم لأنهم يعرفون أنّني صديقك. لكنّني سمعت ما سمعت.
لم يحرك يوسف ساكناً، تظاهر بأنه يتجاهل الأمر، محاولاً التقليل من خطورته؛ فلم يظهر قلقه أمام صديقه. لكن الأفكار بدأت تدور في رأسه. حاول أن يتذكر تفاصيل اللقاءات والأحاديث التي خاضها بالأمس في العمل، بدت له الأمور في ذاكرته عادية. لم يلاحظ أي تغيير في التصرف تجاهه من أحد.
لاحظ سامي تغير مزاج صديقه وانشغاله بأفكاره، فلازم الصمت حتى أوصل يوسف إلى وجهته، ثم قال له:
- كل شيء سيكون على ما يرام. لابد أن هذا سوء تفاهم لا غير.
أومأ يوسف برأسه موافقاً وخرج من السيارة بابتسامة متكلفة يشكر بها صديقه على التوصيل. أراد أن يؤنبه لأنه لم ينقل له الخبر على الفور في اليوم الذي سمع فيه بالوشاية، لكنه لم يفعل.
دخل يوسف شقته واتجه فوراً إلى حاسوبه. ودون أن يغير ملابسه، أو حتى يغسل يديه، فتحه وبدأ بمراجعة كل ما نَشَر في الآونة الماضية على شبكات التواصل الاجتماعية. قرأ كل شيء: التعليقات، الصور، الكتابات وحتى اللايكات، لكنه لم يجد شيئاً قد يسيء إلى أحد أو يؤدي إلى تهمة كبيرة كهذه.
مضى الوقت دون أن يشعر به. نظر إلى الساعة. كانت تشير إلى الثالثة ليلاً. لم يكن جائعاً، مع أنه لم يأكل شيئاً منذ أن دخل شقته. كان فقط مرهقاً من يوم عمله والساعات الطويلة التي قضاها أمام الشاشة.
طوى الحاسوب، خلع ملابسه، غرس جسمه في السرير وأغمض عينيه. لوهلة كانت الأفكار لا تزال تدور في رأسه، لكن النوم غلبه فاستسلم له.
استيقظ في الصباح الباكر متعباً إثر الساعات القليلة من النوم التي استغرقها بالأمس. فكر في أن يتصل بوالده، يخبره عما قاله له سامي لكنه عدل عن ذلك. "لا داعي لإزعاج رجل مسن بسبب إشاعات زملاء المكتب."
قرر أن يحسم الأمر أولاً بأول. سيواجههم جميعاً اليوم. سيطلب منهم أن يتوقفوا عن نشر الإشاعات عنه. سيهددهم بأن يشكوهم ويرفع عليهم قضايا بتهمة التعدي على خصوصيته، إن لم يتوقفوا عن ذلك.
عندما ركب يوسف السيارة رأى سامي عينيه الحمراوين. فهم أن صديقه سهر طويلاً في ليلة البارحة فلم يحادثه. فتح له الموسيقى على أغنيته المفضلة وتركه يستمع إليها دون أن يخاطبه. يوسف بدوره مال برأسه إلى اليمين قليلاً ودخل في قيلولة خفيفة.
دخلا مبنى الشركة صامتين. اتجه كل منهما إلى مكتبه، ولجا الباب وأغلقاه وراءهما دون كلمة. بدا وكأنهما اتفقا على هذه الحركة المتوازية.
بدأ يوسف يقلب في رأسه خطة المواجهة: هل يذهب ليتحدث مع كل من زملائه على انفراد؟ أم ينتظر حتى يوم الاجتماع الأسبوعي للقسم ليفتح الموضوع. "المخاطرة كبيرة، إن واجهتهم جميعاً. قد يؤكد ذلك أنَّ ثمة شيء في الإشاعة، وهذا قد يزيد الطين بلة. من الأفضل أن أتحدث معهم على انفراد؛ لأكتشف مصدر الإشاعة وأتصرف معه…"
قرر أن يذهب إلى مكتب جابر أولاً، فهو أكثرهم ثرثرة وتفنناً في نشر النميمة. رجل ضعيف الشخصية، لا قيمة له في العمل إلا إنه يعرف كيف يتملق. استغرب أن جابر لم ينكر اشتراكه في نشر الإشاعة، بل قال له بوقاحة غير مألوفة منه: إنه يؤدي واجبه لا غير في تقديم النصيحة للناس. لم يرَ يوسف أين تكمن النصيحة في هذا الحال لكنه لم يعَّقِب. أربكته الثقة غير المعتادة بنفسه التي أصبح يحدثه بها جابر. شعر لأول مرة بضعف أمام هذا الرجل الذي لا يحترمه أحد في الشركة. ومع أنه لم يقترف ذنباً، بدأ هذا شعور غريب يتسلل إلى روحه.
سأل جابر عن مصدر الإشاعة لكنه رفض أن يذكر له المصدر. لملم يوسف ذيول خيبته وخرج من المكتب.
لم ير بداً من الذهاب إلى الزملاء الآخرين، فإن لم يقدر على استنطاق أضعف حلقة في السلسلة، فكيف سيقدر على مواجهة الآخرين؟ ذهب إلى مكتب سامي وطلب منه أن يحاول الكشف عن المصدر. أكد له سامي أنه سيبذل جهده. اطمأن يوسف قليلاً وعاد إلى مكتبه. بدأ عمله، لكن دون تركيز.
- لم أستخرج شيئاً من أحد.
قال له سامي عندما ركبا السيارة بعد الدوام. لكن يوسف تظاهر بأن ما سمعه لا يهمه. لكن سامي أضاف:
- الكل قال إنه سمع الإشاعة في الكافتيريا، الغريب ألا أحد يتذكر ممن سمعها لأول مرة. وكأنهم سمعوها في نفس الوقت…
- هذا مستحيل يا سامي. كل شيء له مصدر.
لكن سامي لوى شفتيه ورفع كتفيه قليلاً، أضاف:
- لا عليك. إن لم يكلمك أحد في الموضوع بعد اليوم فاحسبه قد انتهى.
- قد تكون على حق يا صديقي. قد تكون على حق...
*****
صعد يوسف إلى الشقة، تذكر أنه لم يتصل بياسمين منذ الأمس. أرسل لها رسالة صوتية وصورة فكاهية أنزلها من الإنترنت. ياسمين عادة تجيب سريعاً على كل رسائله ولو حتى برمز القلب أو الإبهام المرفوعة أو غيرها من الرموز عندما تكون مشغولة. لكنها لم ترد هذه المرة. نظر إلى الهاتف بعد بضع ساعات ليتأكد إن كانت قد وصلت رسالة منها - لكن لا شيء. حاول أن يتصل بها، لكن دون جدوى. "هل أضاعت هاتفها؟ هل نسيت أن تشحنه؟!".
لم يواصل التفكير في الأمر فالتعب بسبب قلة نوم البارحة جعله يذهب إلى السرير مبكراً ويغط في نوم عميق هانيء.
استيقظ مبكراً. نظر إلى هاتفه باحثاً عن اتصال من ياسمين، لكن لا رسالة على الهاتف. أراد أن يتصل بها مجدداً، لكنه تذكر أن الوقت ما زال قبل الأوان وياسمين لا تحب أن يوقظها أحد، فلم يفعل. أكل إفطاره، حلق ذقنه ولبس بدلته مستعداً للذهاب إلى العمل.
قبل الخروج حاول الاتصال بياسمين، عسى أن تكون قد استيقظت. رن الهاتف لكن ياسمين لم تجب. "أين هي؟ هذه ليست عادتها!!!". بدأ ينتابه القلق عليها. قطع صوت بوق سيارة سامي تفكيره. نزل مهرولاً إلى الأسفل وولج السيارة. بعد أن انطلقا وسارا في زحمة الصباح فجاة قال يوسف:
- ياسمين لا تجيب على اتصالاتي منذ الأمس.
لم تبدُ آثار الدهشة على سامي، بل على العكس، كأنه توقع ذلك. ساد لوهلة قصيرة صمت غريب بين الصديقين، حتى كسره سامي قائلاً:
- وماذا تتوقع بعد كل ما قالوه عنك؟
- ماذا تقصد؟!
- أقصد قصة التكفير هذه التي يتكلمون عنها.
- بالأمس قلت لي أن أحسب الموضوع منتهياً. واليوم تقول لي العكس. هل خرج الأمر عن نطاق ثرثرة زملاء المكتب؟
- …
- قل لي يا سامي؟ ما الموضوع؟
- ألم تدخل إلى تطبيقاتك بالأمس؟
- لا، ذهبت ً إلى النوم مبكرا.
- عزيزي، المشكلة كبرت. نشروا صورتك على أحد مواقع التواصل الاجتماعية مكتوب عليها: "الكافر عدو الله ما زال بيننا".
- ماذا تقول؟؟؟؟ من نشر هذا الهراء؟
- لا أعرف. الكثير يتداولون المعلومة ويرسلونها لغيرهم. التعليقات كثيرة. لا أحد يعرف المصدر.
- وهل حددوا التهمة، هل أشاروا إلى شيء ما كتبته أو قلته؟
- لا! لا شيء غير الصورة والكتابة التي قلت لك عليها.
فتح يوسف هاتفه النقال ودخل صفحات أصدقائه وزملائه. لم يصدق ما رأى. الكثير منهم علقوا على الصورة أو حتى أعادوا نشرها. وضع الهاتف جانباً وبدأ يشهق ويزفر بصوت مسموع. نظر إلى سامي بنظرة عتاب. لكن سامي قال مدافعاً عن نفسه:
- أنا لم أنشر ولم أعلق. وعاتبت كل من أرسل لي تلك الصورة عبر الهاتف.
- عبر الهاتف؟ وصل إلى هذا الحد؟
- كما قلت لك المشكلة خرجت عن الإطار. عليك أن تصدر بياناً على جميع صفحاتك في مواقع التواصل الاجتماعي.
- أنت من قلت لي إن الأمر تفاهة وستنتهي بسرعة!!!
- أنا مثلك مندهش يا صديقي، لم أتوقع ذلك أيضاً.
لم يعَّقِب يوسف. كان غاضباً من سامي لأنه لم ينقل له الخبر في اليوم نفسه. كان من الممكن أن ينهي الإشاعة قبل أن تنتشر كالنار في الهشيم. لكن لا وقت للعتاب الآن. تذكر اقتراح صديقه و بدأ فوراً بكتابة بيان يقول:
أنا لم يكفرني أحد، والقصة مخترعة تماماً وليس للأمر أي صلة بالواقع.
نَشَر البيان على جميع صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي ثم وضع هاتفه في جيبه. ودون أن يستأذن من سامي رفع صوت المسجل ليستمع إلى الأغنية التي كانت تذاع في الراديو.
***
عندما دخل إلى المصلى خُيِّل له أن الناس تنظر إليه باستنكار. لم يشعر بارتياح. أراد أن يترك المبنى. لكنه تغلب على شعوره هذا، وشارك الناس الصلاة. لم يغادر بعد الصلاة، بل أنتظر حتى يخلو المكان من الناس. اتجه الى نحو مقيم الصلاة، الذي بدوره التفت إليه مبتسماً وقال:
- ما بك يا ولدي؟ أراك على غير عادتك.
نظر إليه يوسف ببعض الغضب، ودخل فوراً في الموضوع:
- لقد كفَّروني. من تظن قد يكون وراء الموضوع؟!
صمت رجل الدين لبرهة، كأنه ينتقي الكلمات المناسبة التي سيقولها ليوسف، أجابه:
- أعرفك يا ابني منذ صغرك. أنت ولد طيب، مشاغب بعض الشيء، لكن قلبك أبيض، لا تستحق أن يكفِّرك أحد…
ودون أن يترك له الفرصة ليكمل جملته، أخرج يوسف هاتفه وأراه الصورة التي كُتبت عليها الجملة اللعينة. نظر رجل الدين إلى يوسف وقال:
- هذا النوع من الصور يصنعها من يريد من الصعاليك والجهلة وينشرونها كما يحلو لهم. في الماضي كان سفلة القوم يجتمعون في سوق المدينة ويتناقلون الشر والنميمة هناك. بني آدم لم يتغير. تغيرت فقط الوسائل التي تسمح لسفلة اليوم بنقل شرهم عبر العالم دون حدود. لا عليك يا ابني. سينتصر الحق على الباطل، سيكتشفون عاجلاً أو آجلاً أن كل ذلك لا يمت للحقيقة بصلة.
خرج يوسف من المصلى وكأن حجر قد أزيح من على صدره.
***
شعر يوسف بالارتياح عندما دخل مقر عمله في اليوم التالي، بعد أن نشر البيان المضاد على الإنترنت. انتصار صغير ضد طواحين الهواء. سلم على من قابله في الطريق بنبرة واثقة كعادته. دخل إلى مكتبه وبدأ يُشغِّل حاسوبه. بعد وهلة دق باب مكتبه أحد الزملاء وأبلغه بأنه مطلوب لدى المدير. لم يغير هذا من مزاج يوسف، علاقته مع مديره طيبه، ومديره راض عن أدائه. لا يذكر أي مناسبة استدعاه فيها لغرض التوبيخ أو حتى للحث على زيادة الإنتاج.
دخل يوسف على مديره بروح مرحة كالعادة. استغرب وجود مندوبة قسم الكوادر ومندوب نقابة العمال في المكتب. أشار له المدير بالجلوس. كانت نظرات مندوبة قسم الكوادر محايدة، بينما نظرات مندوب نقابة شؤون العمال متجهة إلى الأسفل وكأنه يراقب صرصاراً أو فأراً على الأرض. مندوبة قسم الكوادر بدأت بالحديث:
- الأستاذ يوسف ك. في البداية اسمح لنا أن نشكرك على إخلاصك في خدمة الشركة كل هذه الأعوام. الأستاذ سمير قدم عنك تقريراً ممتازاً، يؤكد أنك تعد من أفضل موظفي القسم. أداؤك المهني على مستوى عالٍ…
بدا وجه يوسف يشرق. لا بد أن هذا تمهيد لتقديم مكافأة له أو منحه ترقية… واصلت السيدة:
- …لكنَّك تعرف جيداً أن شركتنا لها سمعة كبيرة، وأنها لا يمكن أن تسمح بذكر اسمها بسوء في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. حتى الربط الافتراضي بقضية مشبوهة قد يؤدي إلى خسارة الكثير من الزبائن.
- ماذا تقصدين بقضية مشبوهة؟!، قاطعها يوسف. وقد ضاع كل الابتهاج والسعادة من وجهه. فهم أن غرض الاجتماع لا لمنحه مكافأة ولا ترقية، بل له علاقة بتهمة التكفير التي ظن أنه قد تخلص منها بعد أن نشر بيانه.
- أنت تعرف ما أقصده، يا أستاذ يوسف.
- القصة مخترعة. لقد نشرت بياناً مضاداً.
أخرج هاتفه النقال وبدأ يفتح التطبيقات ليريها ما كتب. لكنها أشاحت بوجهها قائلة:
- لا تهمني التفاصيل. يكفي ما يقال عنك على الإنترنت. يكفي هذا لتخريب سمعة شركتنا التي بنيناها بعرق جبيننا طيلة الأعوام السابقة.
نظر إلى مديره الذي جلس كالصنم دون أن يفتح فمه بكلمه؛ فوجه إليه الحديث قائلاً:
- يا سيادة المدير، هل تصدق فعلاً هذه الإشاعات؟! أنت تعرفني كل هذه الأعوام…
- كما قالت السيدة مندوبة قسم الكوادر، الحقيقة هنا مسألة ثانوية. المهم أن نقضي على الفضيحة.
نطق المدير الجملة، وكأنه حفظها عن ظهر قلب. كيف يمكن لهذا الرجل أن يتصرف بكل هذا البرود؟ أي نعم، هو مدير قبل كل شيء، يرعى مصلحة الشركة، لكن هل من المعقول أن يتخلى عن موظفه في حالة كهذه؟ قال يوسف:
- أظهروا الحقيقة، واقضوا بها على الفضيحة إذاً.
فجأة اعتدل مندوب النقابة في جلسته وقال:
- أستاذ يوسف. النقابة تقف مع الموظفين في هكذا حالات كما هو مثبت في لوائحنا وكما يسمح به قانون العمل. تأكد أن النقابة قامت بكل الممكن لتأخذ أكثر قدر من حقوقك، ناقشنا القرار طويلاً، ووزنا كل السلبيات والإيجابيات…
- أي قرار؟! سأل يوسف بوجه مكفهر. لم يرغب أن يستمع أكثر إلى رغي مندوب النقابة.
- قررنا منحك إجازة دون مرتب حتى تُحل المشكلة، قالت مندوبة قسم الكوادر.
- لاحظ يا يوسف، لم نستغني عنك، مجرد إجازة، تستطيع أثناءها أن تحل مشكلتك وتنظف سمعتك، قال المدير.
جلس يوسف فاغر فاه. لم ينبس ببنت شفه. نظر إلى ثالوث المؤامرة دون أن يعرف ما يقول. "لا جدوى من الكلام في هذه الحالة". قام من الكرسي، ودون أن يعلن أحد انتهاء الجلسة، خرج من المكتب ومن ثم من المبنى دون أن يلتفت. كان قد وصل إلى الشارع عندما سمع أحدهم يناديه. التفت؛ فرأى عامل أمن الشركة يهرول نحوه. توقف وانتظر اقترابه دون أن يقول شيئاً. اقترب العامل ورسم بأصابعه مستطيلاً! وقال بابتسامة مصطنعة:
- الكرت يا أستاذ يوسف…
أخرج يوسف البطاقة الإلكترونية من جيب سترته وأعطاها للعامل الذي شكره بتكلف قبل أن يلتفت بسرعة ويهرول عائداً نحو مبنى الشركة.
***
قرر يوسف أن يقطع المسافة إلى شقته مشياً. لم يرغب في ركوب حافلة أو تاكسياً. لم يرغب في التحدث إلى أحد. كانت الأفكار السلبية تتراكم في رأسه. سيكتب لكل من شارك الصورة رسالة خاصة، يشرح فيها أن التهمة ملفقة، لا أساس لها. أخرج هاتفه ليرى إن كان بيانه المضاد قد عُلق عليه أو شاركه أحد. كانت ثمة سبع تعليقات. ست إبهامات مرفوعة لأعلى وأيقونة وجه مستغرب. هذا كل شيء!!! المعلقون السبعة كانوا من معارفه البعيدين. لا أحد من أقاربه علَّق. "الصباح ما زال مبكراً، لا بد أن الكل مشغول بعمله".
حاول الاتصال بياسمين، لكن دون جدوى. ترك لها مجدداً رسالة صوتية. لا يعرف إن كانت قد قرأت الرسالة السابقة، فالخطافان لونهما رمادي لا أزرق. هكذا الوضع دائماً عند ياسمين. لا تحب أن يراقب أحد تفاصيل حياتها…
في الشقة دخل إلى كل الصفحات التي رأى فيها الصورة. كل مرة يكتب رسالة للشخص الذي نشرها. في الحالات التي لا يستطيع أن يفعل ذلك بسبب إغلاق البروفايل، يكتب تعليقه تحت الصورة. ظل يكتب ويكتب. لا يجني غير الإبهامات المرفوعة وفي بعض الحالات حتى القلوب. "بضعة أيام وتختفي هذه الغيمة". كان على يقين أنه سيعود قريباً جداً إلى عمله مرفوع الرأس. وإن لم يعد، قد يجد عملاً آخر، براتب أعلى، في شركة أكبر… فهو شخص مؤهل ولديه خبرة كافية، وقد تكون هذه الوعكة مفيدة له. ليعرف قيمته، ليخرج من رتابة الحياة، يذهب إلى أفق أبعد… بدا متحمساً بأن الأمر سينتهي على خير وسيخرج من القضية منتصراً، فهو مظلوم في نهاية الأمر، والحق لا بد أن ينتصر…
نظر إلى الساعة. كان الوقت متأخراً. بدأ يطبخ وجبة العشاء وهو يستمع إلى التلفاز، ينظر إليه بنصف عين، بينما نصف عينه الأخرى على الطبخة. أخذ ما طبخ وجلس أمام الشاشة يشاهد فيلماً فكاهيا من الثمانينات. القصة تافهة لكنها أدت الغرض في إضحاكه وتحسين معنوياته. رأى رسالة على الهاتف من صديقه سامي:
لقد سمعت اليوم من الزملاء ما دار في الشركة وأن الإدارة اقترحت عليك أن تأخذ إجازة. أنا آسف يا صديقي على ما حدث. حتى المدير غير راض عما حدث، لكن لا حول له ولا قوة. يبدو أن القرار جاء من فوق. تأكد أنَّنا كلنا نفتقدك ونتمنى عودتك السريعة.
أراد يوسف أن يجيب بنص، لكنه اكتفى برمز الإبهام المرفوع. واصل مشاهدة الفيلم. أراد أن يمضي المساء دون التواصل مع أحد، دون تبرير شيء. مجرد خلوة مع التلفاز. غداً لا داعي من الاستيقاظ المبكر، فلا عمل له يهرول إليه. سينام كما يشاء، يستيقظ متى يشاء.
***
لكن خطة التمرد على روتين الحياة لم تنجح. داهمه النعاس في الساعة العاشرة والنصف. لم يستطع حتى أن يكمل مشاهدة الفيلم. ذهب إلى فراشه بتكاسل. في الصباح لم ينم طويلاً كذلك. بل استيقظ نصف ساعة قبل عادته. تقلب في الفراش ولم يستطع العودة إلى النوم. ذهب بتثاقل إلى المطبخ، أعد قهوته وبدأ يرشفها رويداً رويداً. أخذ هاتفه ليقرأ الإشعارات والمكالمات الفائتة. لكن لا شيء. تأكد من أن التلفون يعمل. لا رسالة من ياسمين. لن يتصل بها مرة أخرى. لقد ترك لها كماً كافياً من الرسائل. الدور عليها الآن.
مكث اليوم بأكمله في الشقة يتفرج على التلفاز، يأكل ما يجده من بقايا ما طبخ. لا رغبة له في الخروج، حتى لشراء أي شيء. هاتفه صامت. نظر إلى جدران الغرفة الفارغة. منذ أن انتقل الى المنزل وهو لم يجد الوقت لشراء ما يزين الحائط. حتى العفش كان قديماً، تركه له صاحب البيت دون مقابل، يشبه الكراكيب أكثر مما هو عفش. حياة يوسف معظمها خارج البيت. يلتقي مع أصدقائه في المقاهي والمطاعم. البيت للنوم فقط. هكذا كان في السابق على الأقل. فكر فيما سيفعل يوم الغد. قرر أن يذهب لزيارة والديه. فقد حان الوقت ليخبرهم بما حدث قبل أن يفعل ذلك الناس.
***
لم تنبس أمه بكلمة عندما فتحت الباب. أمه قليلة الكلام والعواطف دائماً، لا تحب العناق والمصافحات بصوت عالٍ خاصة أمام مدخل البيت. تخشى أن يسمع الجيران أكثر من اللازم!!! فوبيا لم يفهم يوسف سببها يوماً.
مع ذلك لم يسبق أن فتحت له أمه الباب صامتة تماماً، دون أن تحييه على الأقل، ولو بابتسامة. مشى خلفها صامتاً هو الآخر واغلق الباب وراءه. في غرفة الجلوس كان والده - كعادته - جالساً أمام التلفاز يقلِّب القنوات. أغلق التلفاز عندما دخل يوسف وقام ليحتضنه. لكن عناق والده كان مختلفاً ذلك اليوم. كان والده شارد الذهن، كأنه يحيي شخصاً آخر، ليس ابنه. أمه اختفت إلى المطبخ وبدأت تلتهي برصف الأطباق. "لماذا الأطباق الآن يا أمي؟". جلس أمام والده. على الأريكة.
- ما الأمر يا بابا؟ ماذا حدث؟ البيت يسوده جو مكهرب. هل تشاجرتما من جديد؟
كان والدا يوسف كثيرا الشجار. تتراوح علاقتهما ما بين الحب والكره المطلق. تتغير علاقتهما في اليوم عدة مرات. في طفولته كان يوسف يعاني من ذلك كثيراً. هاجسه أنهما سينفصلان وأن أسرته ستتفكك. لكنَّهما لم ينفصلا. يبدو أنهما فضلا البقاء هكذا في برزخ العواطف إلى الأبد: هذا ما أدركه يوسف أخيراً بعد أن كبر وترك بيت أهله؛ لذا فإن الخوف من العلاقات طويلة المدى أثر عليه. فغدا يهاب من الارتباط؛ ولذلك لم يتزوج بعد. ياسمين تبدو الفتاة الوحيدة التي يثق بها. مع ذلك دخلت علاقتهما العام السادس ولم يتزوجا.
- أمك وأنا لا نتشاجر. أنا أحب أمك وهي تحبني. علاقتنا قوية مثل الفولاذ.
لم يعلِّق يوسف على جملة أبيه الشهيرة التي سمعها طوال حياته، بهذه الصيغة أو بأخرى، خاصة بعد أن انتهى الشجار بين الوالدين وأراد الأب أن يلَّطِف الجو ويزيل عن ابنه القلق.
- ثمة شيء ما يا بابا. أشعر بتوتر في البيت.
فجأة خرجت أمه من المطبخ وبدأت تقول بصوت غاضب:
- اسأل نفسك! ما هذه الفضيحة التي جلبتها لنا؟ إلا الدين يا ابني، إلا الدين…
فهم يوسف على الفور ما تقصده أمه. لكن لم يتوقع أن الخبر قد وصل إلى والديه قبل أن يصل هو بنفسه؛ فأسرع بالإجابة:
- لم أفعل شيئاً يا أمي. هذا كله ادعاء وهراء. القصة كلها مخترعة من صعلوك ما يريد تخريب سمعتي.
- أنا أصدقك يا ابني، لكنك تعرف الناس، تعرف ما سيقولونه عنا، قال والده.
- قد تكون قد انضممت إلى حزب إلحادي أو إلى عبدة شيطان وتخفي كل ذلك عنَّا، قالت أمه.
لم يعرف يوسف بما يجيب. هل يعقل أن تصدق أمه إشاعة عنه ولا تصدق ابنها؟ وأبوه لا يهمه إلا ما يقوله الناس؟
لم يرغب يوسف في البقاء أكثر. استقام من جلسته على الأريكة واتجه نحو الباب... لم يوقفه أحد. قبل أن يفتح الباب التفت إلى والديه قائلاً:
- حسناً، أنا ذاهب الآن، أراكما بخير قريباً.
خرج بسرعة كي لا يسمع ندائهما إذ طلبا منه البقاء. ومع أنه كان في أعماقه يعرف أنهما لن يدعواه ليعود، إلا أنه أراد أن يتمسك بالوهم أنهما فعلا ذلك.
***
لا خبر من ياسمين حتى الآن. ياسمين فتاة شجاعة، لا تختفي هكذا. إن كانت قد صدَّقت الإشاعة فلماذا لا تقول له: اتركني وشأني، علاقتنا انتهت، اذهب إلى الجحيم... دخل إلى أحد التطبيقات يتصفح ما كُتِب. لا شيء جديد عنه. ياسمين لا صفحة لها. تتحاشى وسائل التواصل الاجتماعي. دخل صفحات صديقاتها، لا جديد كذلك. فكر أن يذهب إلى مقر عملها وينتظر خروجها. "لا، أبداً، لست مترصداً مريض عقلياً، لن أفعل ذلك". فكر بأن يكلف سامي بالمهمة، لكن ذلك بدا له سخيفاً أيضاً. جلس أمام الحاسوب يتفحص إعلانات الوظائف. "قد أجد وظيفة أفضل بكثير، تناسب خبرتي وكفاءاتي." وبالفعل، وجد ما يناسبه. أرسل سيرته الذاتية وصوراً لشهادته...
***
خرج إلى الشارع ليتجول قليلاً. دخل مقهاه المفضل. لوح بيده مبتسماً للنادل الذي يعرفه منذ زمن طويل، لكن ذاك لم يرد الابتسامة، بل أشاح بوجهه وذهب فوراً إلى صاحب المقهى، همس له شيئاً في أذنه؛ فنهض صاحب المقهى واتجه نحو يوسف، تبعه النادل. وقفا أمام يوسف الذي لم تفارق الابتسامة وجه بعد. بدأ صاحب المقهى بالكلام:
- أرجوك يا أستاذ، أترك المقهى ولا تعد إلينا ثانياً.
لم يصدق يوسف ما سمع. نظر إليهما متسائلاً وقال:
- أنا زبونكما منذ أعوام طويلة. لماذا تعاملانني هكذا؟
كان يوسف يعرف بالضبط ما هو السبب، فإذا كانت الاشاعة قد بلغت والديه، فما باله بالمقهى، مركز القيل والقال. لكنه أراد أن يسمع من فم الرجلين إن كان حدسه صحيحاً. لكن صاحب المقهى لم يشفِ فضوله، بل قال:
- إذا لم تقم الآن من مكانك سنخرجك بالقوة وستهان أمام الآخرين. أرجوك أن تخرج بكرامتك. قالها واستدار دون أن يتنظر رد فعل يوسف. النادل الذي لم يقل شيئاً لحق رب عمله دون أن ينظر إلى يوسف هو الآخر.
قام يوسف من مكانه ويداه باردتان. خرج من المقهى دون أن يلتفت. شعر أن جميع عيون رواد المقهى ملتصقة بظهره. رأسه أحمر من الخجل والدم فار في عروقه.
***
ذهب يوسف ليشتري من المأكولات ما يكفيه لبضعة أسابيع؛ فقد قرر أن يعتكف في بيته حتى تمر هذه القصة على خير. دخل السوبر ماركت دون أن ينظر حوله. أخذ مستلزماته ووضعها في السلة بعجل، اتجه إلى الكاشير ووضع الأشياء على شريط البضائع. تعمد ألا ينظر إلى المحاسب. رد تحية الموظف بهزة خفيفة لرأسه مشيحاً بوجهه. بدا مغروراً دون قصد. أخذ أكياسه التي كانت أثقل من العادة واتجه إلى منزله.
"الجحيم هم الآخرون" تذكر مقولة سارتر عندما أغلق باب شقته. وضع الأكياس في المطبخ وجلس على الأريكة. أخرج هاتفه من جيبه. كان الهاتف صامتاً، لا اتصال ولا رسالة من أحد.
فتح التلفاز وبدأ يقلب القنوات. لم يشده شيء. أخفض الصوت دون أن يغلق الشاشة. أحضر حاسوبه وبدأ يقلب صفحاته في وسائل التواصل الاجتماعي. أراد أن ينقر على بعض صفحات أصدقائه ولكنه تفاجأ أن بعضهم لم يعودوا أصدقاءه، بل إنهم أغلقوا صفحاتهم كي لا يستطيع أن يقرأ ما دونوه في الفترات الأخيرة. و البعض الآخر منهم أغلق صفحته دون أن يحذفه من قائمة الأصدقاء. كان البيان المضاد أول ما يمكن قراءته عند الدخول على صفحته، لكن لا تعليقات جديدة. أراد أن يكتب لكل من حذفه من قائمة الأصدقاء رسالة عتاب لكنه عدل عن فعل ذلك. "يلعن أشكالهم، لا حاجة لي لهؤلاء المنافقين: الصديق وقت الضيق، وهؤلاء أثبتوا العكس." بدأ يحذف من قائمة أصدقائه كل من أغلق له صفحته. "هؤلاء أكثر جبناً، لم يتجرؤوا على حذفي، بل لجأوا لهذه الحيلة الرخيصة." لم يبق له إلا القليل من الأشخاص، معظمهم إما من كبار السن الذين لم يعرفوا كيف يزيلونه من القائمة أو كيف يغلقون صفحاتهم. البعض منهم لا يدخلون على صفحاتهم كثيراً ولا يهتمون بها. تذكر أنه لم ينقر على صفحة سامي بعد.
تنفس الصعداء عندما اكتشف أن صديقه لم يشطبه من القائمة ولم يغلق صفحته. أخذ هاتفه ليتصل به، لكنه سرعان ما تذكر أنه ما زال في العمل فأعاد الهاتف إلى مكانه.
أخذ هاتفه ونقر على الرسالة التي كتبها لياسمين. تفاجأ أنها متوفرة. "هي موجودة إذاً، حتماً قرأت ما كتبت لها. إنها تتجاهلني عمداً." كتب لها:
- مرحبا ياسمين. وحشتني. لم أسمع صوتك منذ زمن. ثم أرسل لها صورة قلب وباقة ورد. لم تجبه، مع أنها كانت ما زالت متوفرة في التطبيق. رفع السماعة وحاول الاتصال بها لكنها لم ترد. سمع صوت آلة الرد. ترك رسالة صوتية يقول فيها إنه مشتاق لسماع صوتها ويرجوها أن تتصل به. حاول أن يبدو صوته مرحاً وكأنه عاد للتو من نزهة ويريد مشاركتها انطباعاته. ثم فتح التطبيق مجدداً، كانت ياسمين ما زالت متوفرة. "لا بد أن تتصل به عندما تنهي دردشتها على التطبيق." لم ينتظر طويلاً، سرعان ما خرجت ياسمين من التطبيق. لكنها لم تتصل به ولم ترد على رسالته. شعر يوسف بقلق شديد. ها هو معزول في شقته والعالم الخارجي قد تآمر عليه، لا يدري ما عليه أن يفعل. أراد أن يمسك بذراعي حبيبته ويصرخ في وجهها: "اسمعيني، اسمعيني. لم أفعل شيئاً أبداً!!! هذه مجرد إشاعة، لا ذنب لي فيها..." لكن ياسمين لم تتح له الفرصة. أقامت حاجزاً إلكترونياً أمامه لن يقدر على اجتيازه.
استلقى على الأريكة ينتظر أن ينتهي دوام سامي. كان الملل لا يطاق. التلفاز لا يشده. الجرائد والمقالات في الانترنت لا تثيره أيضاً، لا رغبة له في الاستماع الى الموسيقى ... "ماذا كنت أفعل في أوقات فراغي قبل ذلك؟". تذكر أنه كان يقضي الكثير من الوقت في المقهى مع أصدقائه بعد الدوام. لكن هذا الطريق مغلق الآن... ثم انجلى أمامه أن العمل كان شغله الشاغل وأن معظم الناس الذين كان يقضي معهم وقت فراغه كانوا زملاءه في العمل. "وهذا الطريق مسدود أيضاً..."؛ فمنذ أن بدأ عمله في الشركة أهمل علاقاته مع من كان يعرفهم قبل ذلك... افترقت الطرقات وتباعدت الصداقات.
ثم شرد ذهنه إلى ياسمين. هل كانت علاقتهم علاقة حب حقيقية؟ كل هذه السنوات وهم يلتقون دون أن تصل علاقتهما إلى شيء، لا إلى مرفأ الزواج ولا إلى الانفصال. علاقة برزخ. وها هو الآن في هذا البرزخ. هل هذا انتقام ياسمين منه، لأنه ترك العلاقة مفتوحة هكذا؟ ياسمين لم تلح عليه من طرفها أيضاً، ألم يكن هذا دليل على أنها راضية عن العلاقة كما هي؟ لماذا لم تقل له: "إما أن نتزوج، أو ننفصل." كان هذا الوضوح سيساعده على اتخاذ قرار. أو قد يضعه هذا التهديد في زاوية، فهو يخشى العلاقات بسبب ما رأى في بيت أهله. لا بد أن ياسمين كانت تشعر بذلك فلم تريد أن تضغط عليه. "لكنها تخلت عني في نهاية المطاف. لا بد أنها تشبثت بهذه الثغرة كي تخرج عبرها من العلاقة دون أن تضطر أن تقول للناس: "تركتُه لأنه لم يتزوجني.""
***
رن التلفون. اهتز جسم يوسف من الفزع إثر الرنين المفاجئ. أخذ التلفون ونظر إلى الشاشة. كانت أمه على الخط. أجابها ببرود، فقد كان ما زال غاضباً إثر الحديث البارد الذي دار بينهما مؤخراً.
- هل وجدت حلاً لمشكلتك ؟ سألته بصوت أكثر بروداً، ولا يخلو من التأنيب.
- وما عليّ أن أفعله؟ لقد كتبت بياناً مضاداً ونشرته على صفحتي. أرسلت هذا البيان لكل من أعرف.
- ماذا كتبت في بيانك؟
- كتبت أن التهمة مخترعة، لا تمت للحقيقة بصلة.
- كان عليك أن تقدم اعتذاراً...
- اعتذار؟ عن ماذا؟ أنا لم أفعل شيئاً...
- الناس يصدقون الاعتذار أكثر من النفي.
- كيف لي أن أعتذر وأنا لم أفعل شيئاً. أنا لم أفعل شيئاً. أنا لم أفعل شيئاً.
كان يوسف غاضباً جداً. يكرر الكلمات عدة مرات بصوت يهتز. أراد أن يصرخ في الهاتف لكنه تمالك نفسه. جسمه بدأ يرتعش. شعرت أمه بتوتره وسكتت لوهلة ثم قالت:
- أبوك يريد التحدث معك.
أمه تفعل ذلك كثيراً كلما يتحول الحديث مع ابنها إلى طريق مسدود. هي غير قادرة على التعامل مع من لا يشاركها رأيها، عنيدة الطبع. لا تحاور بل تأمر. أبوه عكسها تماماً: حنون، متعاطف، ماهر في التجاوب مع الآخرين.
- أمك لا تريد إلا أن تجد حلاً يخرجك من المأزق ويعيد الأمور إلى مجراها. أنا وأمك واثقان أنك غير مذنب إطلاقاً. لكن تهمة التكفير كبيرة، علينا التفكير خارج النمط العادي. إذا كان الاعتذار سيحل المشكلة فلماذا لا. الناس ستقول: الاعتراف بالذنب فضيلة، سيسامحونك.
هدأ يوسف قليلاً... وعندما بدا قادراً على التفكير. أجاب والده:
- حسناً لنفترض أنني سأعتذر. ما هو الذنب الذي عليّ أن أخترعه؟
- قل مثلاً إنك نشرت شيئاً ما فهمت لاحقاً أن البعض قد يفهمه كإساءة للدين، لكنَّك نشرته دون أي رغبة في الإساءة، بل لغرض الفكاهة فقط.
- لن يصدقني أحد لأنني لم أنشر شيئاً من هذا القبيل.
- قل إذاً إنك أبديت رأياً في جلسة ما قد فسر كإساءة...
- أنا لم أتحدث في أي جلسة عن الدين مع أحد. وأنا لا أناقش هذه المواضيع مع الناس كما تعرف.
- أعرف يا ابني، أعرف، لكن...
لم يكمل الأب جملته، قاطعه يوسف قائلاً:
- ثم لو بدأتُ الآن في نفي منشورات أو أقوال أو الاعتذار عنها سيشكون في حسن نيتي، سيقولون إنني تراجعت بسبب الضغوط فقط.
كان الأب متعباً من الجدل مع يوسف. أراد أن يصرخ فيه ويقول له إنه في خطر. المتعصبون قد كثروا في الآونة الأخيرة وأنه من الممكن أن يقتله من هب ودب بحجة أنه كافر... لكن سرعان ما جاءه الإلهام فقال لابنه:
- طيب، ما رأيك في هذه الفكرة: تظهر للناس قوة إيمانك دون أن تنفي أي شيء. تزور المصلى بانتظام مثلاً...
- وما الفائدة؟ كل من قاطعوني بسبب التكفير لا يذهبون إلى المصلى أصلاً. لم أر أحداً منهم هناك أبداً.
- ما رأيك أن نذهب سوياً؟ أنا سألتقط لك صورة ونضعها على صفحات التواصل الاجتماعية؟
- هذا نفاق يا بابا.
- هذا ما سينقذك. إذا كان لديك حل آخر، تفضل، أنا أسمعك. ثم ما المشكلة؟ الناس تلتقط صورها وهي تأكل ساندويتش، تحتسي مشروباً أو تلاعب جرواً أو هرة. لماذا لا نلتقط صورة لك وأنت قريب من ربك.
- لأن الدين مسألة شخصية وليس سلعة.
- أنت مخطئ، الإيمان ليس سلعة، أما الدين فهو سلعة، منذ بداية تاريخ البشرية…
وافق يوسف على مضض على اقتراح والده. خُيِّل له أن هذا أقل الأمور سوءاً.
***
عندما ولج أبوه في صباح اليوم التالي باب مسكنه كانت الشقة تفوح منها مزيج من الروائح السيئة: رائحة عرق من لم يغتسل لعدة أيام، رائحة طبخ وبقايا الأكل المتراكم في الصالون والمطبخ. " هذه رائحة الاكتئاب" فكر الأب في نفسه.
لكن على عكس الشقة، كان يوسف نظيفاً، مرتدياً أجمل ملابسه، حليقاً ومعطراً وجاهزاً للخروج.
كان يوسف محرجاً أمام والده بسبب الحال السيء الذي كان عليه مسكنه، لذلك لم يقدم له القهوة كالعادة، وأبوه بدوره لم يمانع، فهو لم يرغب أن يبقى مدة أطول في هذه البؤرة من الروائح السيئة.
أقترح أبوه أن يتوجها إلى المصلى الذي يذهبان إليه في العادة. لكن يوسف رفض أن يذهب إلى هناك. لا يرغب أن يراه أحد وأبوه يصوره أثناء صلاته. حاول أبوه أن يقنعه لكن دون جدوى.
- إذا كنا مضطرين لهذا النوع من النفاق، دعنا نقوم به في مكان لا يعرفني فيه المصلون ومقيم الصلاة.
ذهبا إلى مكان بعيد عن الحي. مصلى حديث وكبير. التقط الأب الصور. اضطر أن يعيد التصوير عدة مرات، فملامح وجه يوسف لم تكن مقنعة. ظهرت عليها علامات الخجل لا الخشوع. ضغط الأب على الكاميرا عدة مرات حتى حل الضجر محل الخجل على وجه ابنه. أخيراً التقط الأب ما رآه مناسباً وتركا المكان.
عادا إلى سكن يوسف صامتين. ولجا الشقة. الروائح السيئة كانت قد خفت؛ كون أن يوسف فتح النوافذ قبل الخروج. لكن رائحة العفن كانت ما زالت تفوح من الأطباق والحلل المتراكمة في المطبخ الذي دخله يوسف ليعد القهوة. بينما أبوه كان ينتظره جالساً على الأريكة. لم يكسر الصمت إلا قرقعة الأكواب على الصينية النحاسية. شربا القهوة ساهمين. بعد أن ارتشفا القليل منها قال الأب:
- يجب أن نكتب شيئاً مقنعاً على الصورة. شيء مثل: ما أجمل أن يكون المرء قريباً لربه. نكتبه تحت الصورة بخط عتيق وبالتشكيل: هذا يوحي بالتدين والقرب من كتاب الله العتيق.
بقي يوسف صامتاً. فتح الحاسوب وبرنامج الفوتوشوب. أضاف الجملة تحت الصورة كما اقترحها والده وحفظها. دخل بعد ذلك جميع حساباته على شبكات التواصل الاجتماعية وحمّل الصورة الجديدة بدلاً من صورته، التي التُقطت له وهو على قمة جبل.
***
مضت الأيام دون أن تحقق الصورة المنشورة غرضها، بل لم يعرها أحد أي انتباه. يدخل يوسف شبكات التواصل الاجتماعية يومياً ليتفحص إن كان أحد قد علق: لكن لا شيء. غيَّر رنة هاتفه إلى أعلى درجة، خوفاً من أن يفوته تعليق. في السابق كان يغلق هاتفه تماماً في الليل، يتركه خارج غرفة نومه. حتى في النهار، الرنات معظم الأحيان على الصامت. لا يجيب على سيل المراسلات إلا نادراً وبعد مرور عدة ساعات. لكنه الآن ينتظر أي وميض، أي صوت يرسله له الجوال. يضعه بجانبه على الوسادة. يستيقظ ليلاً على إشعارات الإعلانات والصور الفكاهية والتعليقات في المجموعات المشترك فيها، ينتظر سدى أي رسالة شخصية.
لم تمض بضعة أيام حتى خُيِّل له أن الصور الفكاهية والتعليقات قلت هي الأخرى. أكتشف السبب: أزالوه من معظم المجموعات. كتب لمشرفي المجموعات يسألهم عن سبب حذفه. البعض لم يجب، بينما آخرون ادعوا أسباباً غير مقنعة، يتهربون بها. قرر أن يهاتف رواد المجموعات ممن لديه أرقامهم من معارفه، من أصدقائه ومن أفراد عائلته واحداً تلو الآخر. يجرى معهم مكالمات صوتية، لا يستطيعون فيها الاختفاء وراء التطبيق. مكالمة تجبرهم على مواجهته. لكن الخطة لم تنجح. الأغلبية لم ترفع السماعة، والذين أجابوا فعلوا ذلك باقتضاب. حاول أن ينقل لهم وجهة نظره. شعر أنه كلما أراد أن يوضح ما حدث له، يضع نفسه في زاوية الاتهام أكثر. شعر أن الذين يستمعون إليه يفعلون ذلك رأفة به لا لأنهم يصدقونه. البعض الآخر لم يكلف نفسه حتى عناء الاستماع لما يريد قوله، بل طلبوا منه إنهاء المكالمة، متعللين بانشغالهم، ومنهم من طلب منه ألا يتصل بهم ثانية، أو حجبوا رقمه عندما حاول الاتصال بهم مرة أخرى.
ياسمين اختفت تماماً، لم تتصل به ولم ترد على أي من مكالماته. خرج يوماً ليترصدها وهي خارجة من بيتها. أعترض طريقها، وقف أمامها صامتاً. نظرت في عينيه دون أن تنبس بكلمة، ثم أشاحت بوجهها وواصلت السير. كأن الرجل الذي تراه غريب عليها، تراه للمرة الأولى. ابتلع ريقه. لم يصدق ما عاشه لحظتها. أهذه هي المرأة التي كان يريد أن يكوّن معها مستقبلاً؟ تصرفت وكأنهما لم يعرفا بعضهما بعضاً أبداً.
كان والده وسامي هما من تبقيا من الناس الذين يتحدث معهم مستخدماً صوته. تواصله مع أعضاء المجموعات القليلة التي لم يحذف منها يقتصر على الرسائل عبر التطبيقات.
"فليذهبوا كلهم الى الجحيم" فكر في نفسه. قرر أن يركز على البحث عن عمل جديد. يتصل بقسم الكوادر هاتفياً قبل أن يرسل أوراقه. يتحدثون معه باهتمام. تذهلهم خبرته المهنية. البعض يحولونه فوراً الى المدراء. يتحدث معهم بأسلوب مهني راق لا يخلو من مرح وخفة دم. يطلبون منه أن يرسل أوراقه فوراً. يفعل ذلك وينتظر. يطول الانتظار دون أن يتسلم أي رد من أحد. حتى الإشعار بالرفض لا يتكلفون إرساله. يتصل بهم هاتفياً. يشعر بتغير أصواتهم على الهاتف. المرح والخفة حل محلهما الجفاف البيروقراطي. يختلقون أعذاراً وأسباباً يعرف تماماً أنها حجج زائفة.
لا يجد عملاً. مع الزمن تقلصت مدخراته. أصبح والده يرسل له معونات مالية. يشجعه معنوياً ويقف بجانبه.
والده أصبح قليل الحيلة. يتحاشى الناس. لا يرغب في سماع الكلمات الجارحة عن فشله في تربية ابنه. تنقل له زوجته ما يقولونه عن يوسف فتزيد عزلته. لا ينفل تلك الأخبار لابنه. محاولاً حمايته قدر الإمكان، يفكر في حلول وطرق ليخرجه من المأزق، لكن دون أن يتوصل إلى شيء. أمه قلقة: على ابنها أم على سمعتها ومن ثم على نفسها. لا تعرف بالضبط. طال الأمر ولم تعد تميز. تلوم ابنها: "لماذا سبب لنفسه ولنا هذه المشاكل؟"
سامي يزوره بانتظام. يشك يوسف أنه يفعل ذلك خفية كي لا يراه أحد. يشعر أن سامي بدأ يمل من شكواه. فيوسف يلوك قضيته باستمرار في كل لقاء. فليس له حديث آخر. كل ما يدور في خلده هو أنهم كفَّروه وهو لا يعرف من ولماذا؟
قلَّت علاقته بالمجتمع حوله كثيراً. لا يخرج إلا لماماً لشراء أغراضه من السوبر ماركت. يدخل المتجر صامتاً ويعود إلى البيت صامتاً أيضاً.
***
ذات يوم خرج من شقته ليلقي قمامته في الحاوية.
- هل أنت يوسف ك.؟ سأله رجل لم يره من قبل. كان هذا أول صوت بشري موجه إليه منذ زمن. أومأ يوسف برأسه دون أن ينطق بكلمة. رفع المجهول مسدسه في وجهه المذهول، ودون أن يقول الرجل شيئاً آخر أفرغ مسدسه في رأسه حتى تبعثر مخه ودمه على الرصيف...
طارق عباس زبارة كاتب وباحث يمني ألماني. درس الآداب وعلوم اللغات في «جامعة لودفيغ ماكسيميليان» في ميونخ وحصل منها أيضاً على الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية. له خبرة واسعة في تحرير وترجمة الأعمال الأدبية من لغات عديدة إلى الألمانية. يكتب القصص القصيرة في عدة مجلات عربية. له رواية بعنوان «الشيخ شمسان وشركاؤه» صدرت في محترف أوكسجين هذا العام.