top of page

الشيئ الذي فعلته

محمد الأحمدي

«بس بإذن الله بتزين..» امتلأ صدري بأملٍ مباغت، أحسست به يملأ رئتي فتشاركته معها ثم رددّت بعد نفسٍ طويل، «بتزين.. بتزين».
أراقب الثريا الكبيرة تتدلى من سماء سبتمبر الصافية والقمر المشع يجلس بجانبي. أضع يدي على كتفها، «كتفك باردة» أقول بينما تلوح محطة ساسكو على جانب الطريق. أنظر إلى مؤشر الوقود من بين إشارات الطبلون المعقدة، «خلينا نعبي بنزين» أوقف سيارتي بمحاذاة العامل، «فل.. فل أحمر» واتجه إلى الدكان، «قفّلي الباب إذا عرفتي له. بروح البقالة بسرعة وأجيك» أخرج من الدكّان وفي يدي مشروبنا المفضل.
هل أفكاري مفصّلة كفاية؟
نصحني الطبيب بالمداومة على تقييد كل ما يحصل لي حتى أتمكن من استيعابه. أحيانًا تصيبني نوبات تجعلني أرى وأسمع أشياء غير حقيقية. يومض الشيء الذي فعلته فجأةً، ثم يُدفن تحت موجة الأمل فأتقافز في طريق عودتي حتى يطير الغبار الذي تمرّغت فيه. أملٌ عظيم. ستشفى سارة. ستشفى من الشيء الذي فعلته ومن الأشياء الأخرى. سأعود «أبو ناصر». لن ترهق رحلتنا كل تلك الشكوك.
عند عامل البنزين رفض هاتفي دفع الحساب، «أوه معليش يا صديق، أنا قفّل جوال» أدخل جذعي لأخرج البطاقة، وحينما أخرجت رأسي، رأت عيناي عيناه متسمرةً على سارة. أصفع صدره، «مدير طالع قدام » فيرد برأسٍ مطأطئ، «بابا ليش بيشنت ما ركّب ورا؟». صفعت صدره مجددًا، «تعال أطلع معانا شرايك؟» كان رأس سارة في مواجهة العامل ونصف وجهها مكشوف من خلف النقاب. عدّلتُ جلستها وألبستها نقابها، «نامي على الجهة الثانية، العمّال يطلون فيك!» سمعتُ ضحكتها الفرحة بغيرتي المحببة عندها.
«يا رب ما تفوتنا الرحلة!» قلت فسمعتها تردّ ساخرة من خوفي السخيف، «بس المطار بعيد!» دافعت عن نفسي فطلبت مني أن أشغّل طلال ففعلت. زفتني كلماته وحوطني السحر من كل مكان. تأملت حتى دمَعت عيني. رأيت غبارًا بنفسجيًا وبرتقاليًا يطيران حولنا. انسل من بينهما ضوءٌ ساطع عرفت أنه يحمل روح أبيها، جاء ليحف رحلتنا. يا الله يا سارة؛ لو تصدقين أن والدك يطير أمام السيارة الآن لانتعشتِ بدفء الحياة.
«يا سبحان الله يا سارة ياخي، لو نتأمل في الحياة. والله الحياة ساحرة وجميلة» سكتُ أتأمل، ثم أكملت، «أحس إني ضيعتها أفكر في اللي فات. يضيع من بين يدك الموجود وأنت تفكّر باللي راح يصير موجود، هل فعلًا راح يصير موجود أو لا؟» سمعتها تقول أني أبالغ، فأكملت مسرورًا بفهمها لكلامي المعقد، «فكري فينا مثلًا، يوم تخاصمنا وصرعتك وبغيتِ تموتين» أنظر إلى يدي وأسمع صوت كرة السلة مجددًا. أهرب من خيالي إليها، «مع إن معظم وقتنا حلوين وما نتخاصم!» جفلت نتيجة تبديل اللاعبين غير المتوقع؛ خرج اللاعب طلال ودخل اللاعب عبد الحليم، «حتى أبوي.. كم من عمري راح وأنا يا خايف منه أو كابت زعلي عليه، وضيفي لهذا كله أدوّر رضاه. كله بسبب أشياء أتذكرها يوم أشوف علامات سلك الماطور على ظهري»
تندّمت على عدم قضاء وقتٍ كافٍ مع والدها قبل موته فاعترضتُ، «بس ما أحس إن فيه وقت كافي سارة ياخي. لو تقضين عمرك مع أبوك بتحسينه وقت قليل بعد موته».
ثم بدأت تقص لي حكاية والدها التي أعرفها ولا تمل من إعادتها، سالت دموعي وأنا أسمعها وأرى روح والدها تحلّق أمامنا. عبّرت عن خوفها بسبب إصابتها بنفس المرض الذي قتله، «مين اللي فينا خوفه سخيف؟» ضحكت وسمعتها تجاريني ضاحكة حتى رأيت دمها يخرج على الزجاج الأمامي وأنا أسمعها تسعل بعنف. أرادت سؤالي عن الشيء الذي فعلته فدلكت كتفيها مجددًا بينما يتطاير دمها مع الغبار الذي يحفنا.
خرج اللاعب عبد الحليم، ودخل اللاعب محسون ليُكمَل مسيرة الأنغام العظيمة.
ثم لاحت في الأفق ثكنة، «شدّي حالك سارة ياخي لا ينتبهون» أعدل نقابها. وأنظر إلى الأمام، وأقيم ظهري؛ كنت مستعدًا لأي سؤالٍ سيطرح. هؤلاء الأشرار. الرجال الذين لن يفهموا. أمامي مركبات بعضها ينسل إلى الجانب بعد حوارٍ سريع، وبعضها توقف لتستجوب. لن يأخذوا مني سارتي. أوقف السيارة وأنزل الزجاج وأنظر إلى الأمام بوجهٍ من حديد حتى يقول، «الرخصة والاستمارة» مددت يدي وتناول منها البطاقتين. يدي ترتعش وعلى وجهي برودة تجمّد حاجباي، «من المدينة! وش عندك جاي آخر الدنيا؟» لا أشعر برغبة في الرد، لا أملك دافعًا للحديث معهم سوى خوفها الذي تسلل إلي فرديت، «مسافر.. مسافر بالجو»
«بتوصل المريض الطيارة ولا وش؟»
«أيه. أيه بوصل الأهل الطيارة» أحاكي لهجته بثقة، أشعر بسارة فرحةً برجولتي فأزهو بنفسي أكثر، حتى يقول، «الرخصة اللي عطيتني هي ما هي للمركبة!»
«ما فهمت»
«أنت تدري وش معك؟» بدلته البنية كانت غامقة. «خلّك من ذا…» رأسه كان مستقيمًا ومشدودًا. «أنت تدري أنت وين؟ أنت على الحدود!» عيناه ترى. عيناه ترى. يعرف الشيء الذي فعلته. لا أستطيع الكذب. يعرف مجريات الأحداث. يعرف كل ما جرى. هو يعرف. يستطيع قراءة رأسي. أفكاري مكشوفة. عارية. يده اليمنى تقترب من المسدس. سارة تصرخ وتبكي. ينظر بهدوء مفتعل كأن سارة لم تثر ذعره.
سيخرج المسدس ويردينا أمواتًا.
أساوي دواسة البنزين بالأرض وأنطلق كحجرٍ خرج من نبيّلة. تصغر الثكنة حتى تختفي من خلفي. شفاهنا بيضاء. رأسي يدور. أصرخ. أسمع سارة تصرخ معي. أهز كتفها، «قولي بسم الله!» يرتد رأسها إلى الخلف، وبينما أعيده تشع مركبةمن خلفي باللونين الأحمر والأزرق، «سارة ياخي لا تخافين، هذه سيارة يأخذون الأحباب من بعض بس ما بخليهم!»
«وقّف على جنب يا راعي الإسعاف» تقترب السيارة أكثر وأكثر. تختفي من مرايتي الجانبية. أعرف أن الوقت حان لحركتي السحرية؛ أغلق جميع أضواء المركبة وأضع قوتي كلها على المكابح. أرى سيارة الأشرار تطير إلى الأمام مبتعدة، أكسر المقود إلى أقصى اليمين وأرفع قدمي عن المكابح وأدوس البنزين.
ندخل في قلب الصحراء. نعم. سيارتي سيارة أشرار أيضًا. سيارة تأخذ الأحباب لتعلن موتهم وهم أحياء. لكن وإن كانت سيارة أشرار، أنا استخدمها لفعل الخير. أفتح النافذة وأرمي هاتفي المغلق في الصحراء، ومن ثم أبحث عن هاتف سارة، فأجده في الرداء الأبيض الملفوف حول جسدها تحت العباءة. الهاتف مفتوح. مفتوح، «سارة يا ملعونة!» حرارة تحرق وجهي. رأسي يدور ولا أقدر على أخذ نفس، «ما تبتِ؟ الله يلعنك الله يلعنك!» أفتح الهاتف وأرى قلوبًا مكسورة ورسائل تدعو بالرحمة وبعضها يتحسّب على الظالم. أقذف هاتفها في الفراغ وأسرع بالسيارة إلى قلب الصحراء.
أنا وسارتي. في الصحراء نحييها بأرواحنا. روحها تنضح حياةً. سنجد المطار عبر الصحراء ونغادر إلى مكانٍ آخر. لم تمت. الارتطام ليس كافيًا ليقتلها. هي قوية. هي أقوى امرأة رأيتها في حياتي.
تغرز السيارة في الصحراء على صوت أم كلثوم، «هل رأى الحب سكارى مثلنا» أردد خلفها. يا سبحان الله، سيارة الأشرار لا يمكن أن توصلنا إلى وجهتنا الأخيرة وأقصى ما في استطاعتها هو تقريبنا لها، يجب أن نصل إليها بأنفسنا، «سبحانك ربي!» أقول ثم أحملها على ظهري، أسير بها حتى لا أشعر بساقيّ، ثم تغار عيني من ساقي وتنعس هي أيضًا. ثم استلقي على الأرض. ثم تصبح فكرة الغفوة مغريةً جدًا. ثم أرى أشكالًا تطفو أمام خلفية زرقاء وحمراء. ثم أسمع، «طال عمرك قلت يمكنه مسعف ماخذ أهله مستعجل، ما دريت والله إنه شارد بميتة» أردت تفنيد كذبته، ولكن النعاس غلبني. نمت وآخر ما في ذهني هو الشيء الذي فعلته.

الشيء الذي فعله

في ليلةٍ من تلك الليالي التي يتراكم فيها الغضب والحزن، عاد إلى المنزل. رأى زوجته مستلقيةً كملاكٍ على السرير. بدايةً لم يربط شيء بينها وبين الغضب والحزن في قلبه. ثم عندما بدأت تحدّثه عن يومها أصبح يفكّر بالأطفال الذين لم تستطع إنجابهم. تطوّر إلى تساؤله حول استطاعتها لتربيتهم أصلًا، وهي إما خارج المنزل وإما داخل التيك توك. انتهى برغبته في سكوتها. لم تسكت. فاجترت الأفكار بعضها؛ لا يريد الانفصال لأنه يحبها، لكن إصرار والده وسبل ضغطه المختلفة تفسد حياته.
ثم عاد ما حصل له بداية اليوم.
اسم والده ناصر، وهو الابن البكر، لذا جاءت تسميته، «أبو ناصر» تشريفًا بديهيًا. حتى حصل ما حصل اليوم. دخل الابن الأصغر إلى المجلس، وحينها طلبه، «خالد، قوم جيب لنا القهوة» صُدِم بسماع اسمه حاف، وصُدِم بالطلب، التف إلى أخيه الأوسط وقال، «عزوز قوم جيب لأبـ…»
«حي الله أبو ناصر، تعال يا حبيبي ناخذ علومك!» كان الكلام موجهًا إلى أبي ناصر الجديد الذي قام مشدوهًا برتبته الجديدة. مذهول ومرتبك، شعر خالد بقدميه تحلقان فوق الأرض. رأى أشياءً كثيرة. كل تلك الأشياء التي أخبره الطبيب بأن يحجبها بالكتابة عنها. لم يجد قلمه، ولو وجده ما كان سيعرف ما سيكتب.
مشى يحمل القهوة لا يرى ولا يسمع. آخر ما يتذكره هو سقوط الصينية، تلتها موجات صوتية بتردداتٍ يعرفها جيدًا. موجات صوتية حملت تخييرًا بين الرضا والزواج وكلمةٌ واحدة تتردد في أذنه، «عوّد» التي قالها أبوه باستمرار بينما يأمره بأن يعود إلى المكان الذي أتى منه. لم يدرِ هل يقصد المطبخ، أو بطن أمه.
«خالد شفيك تسمعني؟» كان آخر ما نطقته، طلَب منها أن تسكت. ردت عليه بنفس الحدة. تخيلها تحمل سلكًا وتجلده به هي الأخرى. رفع يده وهوى عليها ففقدت توازنها وسقطت عن السرير. كان لارتطام رأسها بالرخام نفس صوت ارتطام كرة السلة بأرض الملعب. ولكنه ارتطام بلا ارتداد. فكرة السلة فُتِحت وسالت منها الدماء. هذا آخر ما تذكره. حتى عاد له وعيه حينما رآها في سيارة الإسعاف. فانطلق في رحلةٍ طويلة رأى فيها كل أنواع الخيالات التي تشوهت وتبدلت حتى تغيرت إلى خيالاتٍ فيها أمل. أملٌ مباغت. وحينها قال، «بس بإذن الله بتزين..».

محمد الأحمدي راوي قصص وصانع محتوى أدبي في مواقع التواصل الاجتماعي باسم: محمد يكتب. روائي وكاتب قصة قصيرة ومقالات وغيرها. شارك بالكتابة والتحرير في المجموعة القصصية "الساردون الجدد". ينشر القصص والتدوينات في موقعه الإلكتروني: محمد يكتب.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page