شذرة لسانية
عبدالعزيز خالد
منذ مدة نسيت طعم الأشياء. ومنذ مدة أيضاً حاولت ان اجد في فمي مذاقاً حلواً مذاقاً يأخذني الى الامام او ينتشلني من البقاء منتظراً في طريق كان ومضى وحلت به وحشة وظلمة وصوت فرح كان وغاب. ثم انني ومع ذاك الجلوس وتلك اللحظات التي عشتها منتظراً كنت نعم هذا ماحدث كنت ادور على نفسي في المكان اسأل ذاك وتلك. هذا وهذه. هو وهي. نعم الكل موضع سؤال موضع نداء. ايها الغائب عليك الـ !ولكنني اتراجع اسقط على الارض بعد ان قبضت يدي ووجهتها لا ادري الى اين وكانت العين ملء جفونها واكتظت بماء غزير، غزير، غزير. كان يهم ان يسقط وتماسك ويدي قبضتي كنت قد وجهتها الى السماء وتذكرت بعد أن رفعت راسي الى النجوم والكواكب والعلو نعم العلو ومن قد يتحرى الذهاب الى هناك نعم الى هناك قلت قريباً كدت اسقط من الدوار وعيناي كانتا في زحام بين بين خوفاً ورجاءاً ولكنهما عينان نضاختان
عيني اليمنى لم تخن تلك الغزارة أما ما وقع على الخد فهو خيانة من عيني اليسرى وكانت قد اعتذرت نعم ان كل ما حدث هو أنني بعد أن استشطت غضباً على السماء ولوحت بيدي مقبوضةً تذكرت رب السماء ولقاء الغد فالحمدلله الذي اذهب عنا الحزن هناك لذا قدرت بأن سقوط تلك الدمعة ما كان يعبر عن شيء إلا أنه سخافة. شيء لا يستحق ان يذكر. لتملأ دموعي الارض ان كنت غداً سأكون في ذلك المكان الذي لا يرى.
قلت لنفسي بعد أن انكببت على مزيجٍ غريب من الأفكار.
متى ستكون؟ أي متى ستأتي اللحظة الباردة؟ أي متى ستضع قدماً على قدم مثلُ أولئك الكبار؟ أن تضع قدميك فوق بعضهما وان ترتخي يداك وأن ترى النجوم بلا تعاطف؟
قلت لنفسي مجدداً ولست مجدفاً متى يا ترى ستكون؟
ومن هذا انطلقت الى عوالم بعيدة. انتظرت قليلاً قبل الانطلاق. اي انني وقفت على قدمي وملئت رئتاي بهواء ذلك المساء الغريب. وتكلمت وقلت ما يدور في رأسي. نعم قلت سأضع قدماً على قدم و وجهاً لوجه امام المساء والنجوم وهي تتفجر تموت تمحى وتنسى ولن ابكي بل سأنظر إليها بدهشة. ذاك علم الكواكب فليس لك من الأمر شيء فقط قل كلمات وتفكر بما ترى.
وأني بعد أن اتخذت هذا القرار وبعد أن تحدثت شعرت براحة فجلست بقدم تعلوها اخرى وأخذت أنظر في النجوم وياله من مشهد.
قلت في نفسي ذاك خلود بحر سماوي يتحرك بحرية يعد بهدوء وينفر من الغرباء ويعرفني يعرفني جيداً وفي تلك اللحظة كنت قد تحركت اهتز جسدي وتكدر صفو الخلود فاخذت امشي حتى هدأت نفسي وقلت بمرارة لقد تعبت الهي العظيم لتكن راحة.
وضعت كفي على وجهي وأخذت أبكي بمرارة.
فلتسقط كل الدموع على الأرض ولتكن جنة الخلد في صدري وليكن رب السماء رحيماً.
يقظة!
اكرر نسيت طعم الأشياء. فحاولت ان استعيد ذلك البريق عندما يخوض الاحساس في طريق التعلم من خلال ما يرى يسمع يأكل فهو يتذوق. يصل من خلال ذلك الشعور الى حالة من النسيان اللحظي لما هو فيه الى ما هو ابعد من ما كان. وذا وعدي لنفسي أن أتذوق أن أستعيد ما كان حضوراً فأكون.
شعرت بالملل بعد لحظات أن ما يكون فرحاً هو التألق! أن تتألق الذائقة في التذوق أن يكون محيطاً جديداً فضاء للذاكرة.
مُحيت الذاكرة فكل يوم هو طعم جديد أترقب بصمت ما سيحدث أضع نفسي في تجديد.
إن ما تذوقته بالأمس كان رقيقاً
إن ما تذوقته اليوم كان غليظاً
وهكذا
يعود العالم على نفسه.
يطوى!
قلت لنفسي ذاك وعد أن اجد طعم الخلود ثم الموت. نظرت الى السماء لمعت عيناي تذكرت كل شيء في تلك اللحظة. كان ظلاما في نفسي. كان ضحى في عيني. وكان غروبًا في قلبي. كان نسيمًا في صدري. وكان ضياء تحت جلدي. اقشعر بدني. أخرجت لساني تذوقت طعم الهواء. مُر، ملوحة، غبار. نفضت يدي من ما كان فيها لم يكن بها شيء. شعور غرابة كان قد اكتمل ولكنني مع هذا شعرت بأنني حي سجدت لخالقي كبرته في نفسي تمتمت كلماتًا لا أتذكرها فمنذ مدة لم أتكلم. سألت نفسي ما الكلام؟ كررت السؤال: ما الكلام؟ وأجبت نفسي:
"حر هو من ينسى من خلال ما يقول!"
وأكملت طريقي الى البيت وأنا أكرر: "حر هو من ينسى من خلال ما يقول، حر!"
عبد العزيز خالد كاتب من الرياض.