دهاليز الغياب
هاجر حسن دوشي
وبعد ثلاث سنوات من تلك العشرين يومًا لم يتبق في دهاليز ذاكرتي من مكان إلا تلك الغرفة من ذلك المشفى وغرفتي من منزلنا الذي فاض بالوحدة بعد أن توارت أمي عن الدنيا.
أفِلَت عشرون يوما وأمي ترقب الليل المعتم فقط من خلال النافذة الوحيدة.
من تلك الغرفة المنزوية عن الأنظار في ممر ضيق مشبع برائحة المعقمات، والمنكبة على نفسها تلتهم الوقت على جدرانها بصمت موحش.
أمي التي لم تعد تشبه أمي!!
بل تبدو كسنة قحطٍ جف فيها الضرع ، وأصفر الزرع وتهشم.
أمي التي تيبس صوتها حتى بدا وكأنه يستجدي وابل من السماء!
صوتها الذي ترهل جدًا وأمتلئ بالغصات والندوب، فتسربت منه كل الحكايات!
عشرون يومًا وأنا أجاهد أن أمشي مستقيمة على صراط عمري المتعرج دائمًا.
يا ويحي كيف سيكون إذن صراط آخرتي!
حينها هل سأكون متوازنة ولو كان زحفًا مثلما أبدو الآن!
أم أن قدمي قد تورمت بأشواك أيامي وثقلت بسوء عملي ؛ فأهوي!
أغمض عيني المثقلتين بأربعين عامًا، كيلا أتمادى أكثر في خيال يبدو كنكتة سخيفة ألقيت على طاولة تجعد خشبها في مقهى صغير لم يجلس إليها أحد!
نكتة وجودي الذي تورطت به!
والذي مازلت استسيغها فأضحك عليها وإن كان ضحكًا بلا صوت
وجودي الذي حاولت مرة أن أهرب منه وأنفك عنه لكنه تشبث بي جيدًا وقيدني إليه حتى ينتهي رمقه مني حينها سيتركني بلا وداع!
كل ما على الآن فعله أن أفرط الركض في كل اتجاه غير متنبئة بما ستكون عليه هذه الجهات!
عشرون يومًا وأنا أحاول أن أعتاد على دارنا دون أمي
أحاول أن أبدو منسية وضئيلة عن أعينهم
لا أسمع أصواتهم، ولا طرقهم على الباب دون ملل!!
أريد أن أتلاشى على سريري الذي تآكلت قوائمه في غرفتي الموحشة المظلمة والتي أتخمت نوافذها نهارًا برائحة الشمس!!
الغرفة المؤصدة بابها والتي لم أخش ليلة أن أنام فيها وحدي مثلما يخشى أخوتي الغرف الموحشة المظلمة، والمؤصدة الباب!
كل ليلة أستيقظ منتصف الليل ورأسي محشو بثقل بوجوه غريبة والوان مبهرجة حادة تشبه ألوان ملابس نشرت على حبل غسيل في زقاق حارة هندية ملتوية الطرقات تعطن بالرطوبة!
وأصوات تتمتم بكلمات غير مفهومة، أحرك رأسي وكأني أنفضه من كل هذا الصخب فينقطع المشهد وتخرس الأصوات . لم يزعجني بعدئذ إلا جهاز التكييف الذي ظل طيلة الليل يثرثر بصوت أجش متقطع وكأن أحدًا يطارده ؛ فجعلت أصابعي في أذني ، وغفوت .
لم أقضم أظافري.. لم أشد اللحاف على رأسي ، ولم أترك قدمي هاربتين من تحته كما اعتدت، بل واريتهما جيدًا هذه المرة!!
هل كنتُ حقًا من تنام على السرير؟
هاجر حسن دوشي من مكة المكرمة. حاصلة على بكالوريوس لغة عربية تخصص نحو وصرف من جامعة أم القرى. نشر لها نص على مجلة اليمامة بعنوان: "وراء مدينة لا تذبل فوانيس أزقتها"