top of page

اللؤلؤة البنفسجية

أطلتُ النظرَ دقيقةً ثم اثنتين ثم ثلاثًا، حتى انقطع حبلُ بصري.
"أهي لؤلؤةٌ أم حجرٌ كريم؟" همستُ وأنا أُدير اللؤلؤة البنفسجية بين أناملي.
ضحك البائع: "أنا وأنت نعلم أنها لؤلؤةٌ من جوف بحر بلادنا، يا هيثم."
قلتُ وضحكتي تتسلّل من بين أسناني: "أوَليس ممكنًا أنك تستغلّ مهاجرًا عاد توًّا لبلاده، يا عمّ حسين؟"
لم أعد قادرا على ضبط نفسي حين بدأ العمّ حسين يرشّني بماء الدلو. علت ابتسامتي وجنتيّ و اخترقت ضحكتي قفص أسناني، ثاقبةً هدير السوق. تخيلت العم حسين وهو يرشقني بمياه الدلو مرة أخرى، كادت رئتاي أن تتدهورا.
صاح: ”كم أنت قليل الأدب! و تضحك ايضا!" ثم قذف بالدلو قاصدًا رأسي. ثنيت رقبتي لليمين، متفاديا الدلو. حقا، لم يتغير الكثير. لا يزال العم حسين يرمي الدلو بنفس الوجهة و السرعة. ما زاد حيرتي صمود ذلك الدلو. ستة عشر عاما من تصادمٍ مستمر مع أرضية السوق، و أحيانا جمجمتي، لكنه و مع ذلك ما يزال متماسكًا.
تنهدت قليلا: “هل تعلم كم اشتقت لك؟"
تحاشى ملاقاة عينيَّ: “لا أدري ولا أريد أن أدري. ستة أشهر يا هيثم، لا نسمع عنك سوى القيل و القال."
بحثت عن أي مغفرة في عينيه: ”الغوص مهنة شرسة يا عمي، و الإيطاليون لا يرحموني. يقولون إنني أفضل الغواصين في بلادهم، وأحيانا يجزمون في العالم. وأنت تعلم تقلّب البحار. ستة أشهر بين الحياة و الموت، لكنني لم أنسَ البلاد لولهة!"
رفعتُ قلادتي عن صدري وأشرتُ إلى ما فيها: صورةٌ تجمعني بالعمّ حسين مع أول لؤلؤة اصطدتُها وأنا في العاشرة. على الصورة، نقش العم حسين "سفانة" اسمًا للؤلؤة. كان العم يهوى مرادفات كلمة اللؤلؤ، و كم احب السفانة و اللوليا. ابنته وبالأحرى زوجتي، سميت لوليا.
تدفقت دموع العم حسين : ”إذًا لا تعد إلى هناك. أكمِل عملَك معي. اصطد الدُّرَر كما كنتَ تفعل. هل الإيطاليون أهلٌ لك؟ هل زرقة بحار إيطاليا تُضاهي بحرنا؟ ألا تحنّ إلى سُمْرة شمسنا وسكون شواطئنا؟ ألا يحترق بدنك هيامًا لسواكن؟ يناديك شرقُ البلاد، يا هيثم، فتفرّ إلى الغرب. كيف لك ان تخون لوليا بلادك؟" شد طرف جلابيته، ماسحًا دمعه ... قهرًا، غيظًا، سخطًا.
كالبحر الأحمر، كسواكن، كشرق السودان، العم حسين كان كالمرآة، يعكس خيانتي. أرى لوليا و عينيها الزرقاوين، دليل أصلها اليوناني، في قاع البحر الأحمر.
كم هو فظ بحر بلادي، يسترد اللوليا من الغواصين قسرًا.
أمام مباني سواكن التراثية، تقف لوليا، تشرح تاريخ بلادنا، تخطئ حينًا و تصيب حينًا. تتحدث عن قبائل الشرق، تعيب و تبارك في من تشاء.
وها أنا ذا أقف أمام والدها و هو يختنق حزنا، رادًا لي ذكراي: لوليا تختنق، نسيج البحر الأحمر يسحبها إلى القاع، وأنا أشاهد متيبس العضل.
وضعتُ خمسين ألف جنيه على الطاولة.
خطفتُ اللؤلؤة البنفسجية و أطبقتُ عليها أصابعي. هذه المرّة، لوليا ستخرج معي من البحر.
خطوتُ مبتعدًا عن العمّ حسين؛ كان السوق من خلفي يلمع بماء البحر، والدلو ، ذلك الدلو العتيق، كان يترنّح قليلًا ثم يستقيم، كأنّه يتذكّر أسماءَ اللآلئ واحدًا واحدًا.

سفانة جابر كاتبة سودانية تدرس علم المخ و الأعصاب في جامعة بوسطن، مولعة بالكتابة منذ نعومة أظافرها. سفانة تتميز باهتمامها بالشؤون العربية والإفريقية. سفانة تحب الرسم، تحديدا البورتريهات، تبحث حاليا في مرض الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن.

سفانة جابر

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page