top of page

حكاية الشيخ بوبيل وكلبه المخلص دروجوك

عاش في أقصى طرف القرية الشيخ بوبيل، يملكُ هذا الشيخ كُوخاً وكلباً، وكان يطوفُ الأرجاء لجمعِ قطع الخبز، وبذلك كان يُطعِمُ نفسه. ولم يكن الكلب ينفصل عن صاحبه نهائياً، وكان ذلك الكلب يحمل لقباً لطيفاً هو: " دروجوك". يسيرُ بوبيل الشيخ تحت النوافذ، يَطرُقُها طالباً ما يجودُ الناس به، وبجانبه كلبه "دروجوك" الذي يهز ذيله وكأنّه ينتظر صدقة. يقولُ الناس للعجوز بوبيل: "فلتتخلص من هذا الكلب، فأنت نفسك لا تجد ما تأكله..". لكنّه ينظرُ بعينيه الحزينتين دون أن يتكلم، وينادي على صاحبه "دروجوك" تاركاً النافذة دون أن يأخذ شيئاً.
كان الشيخ عادةً مُتجهماً كئيباً، من النادر أن تراه يُكلِّم أحداً.
حَلَّ الشتاء بعواصفهِ الثلجيّة الغاضبة والانجرافات الثلجيّة الكبيرة.
يسيرُ بوبيل على الانجرافات الثلجيّة مُتَّكِئاً على عصاه، شاقاً طريقه من ساحة إلى أخرى، ومن حوله يركضُ كلبه " دروجوك". يتمسك الكلب بصاحبه الشيخ بوبيل، وينظر برقةٍ وحنانٍ إلى وجهه وكأنّه يريدُ أن يقول: "لا يحتاجنا أحد، ولن يدفئنا أحد، فنحن وحيدان تماماً". ينظرُ الشيخ إلى كلبه وكأنّه خَمّن ما يفكر به الكلب، ويقول بهدوءٍ وصمت:
-لا تتركني يا صاحبي، أنا الشيخ الهرم، لا تتخلَّ عني.
سُرعان ما خطى بوبيل وكلبه نحو الكوخ، وجالَ بنظره إلى الكوخ البارد المُتهالك، نظرَ فيما حوله وإلى الزوايا، إلا أنه لم يكن هناك ولا أي حُزمة من الحَطب. توجَّه بوبيل بنظرهِ إلى كلبه، وقد كان الأخير يَترقَّب ما سيقوله صاحبه.
يقول بوبيل بطريقةٍ مُداعبة ولطيفة:
-سأقومُ يا صديقي بربطك بالزلاجة، ونتوجّهُ معاً نحو الغابة ونجمع العصي والأغصان، ونعودُ لنملأ الكوخ بالدفء.
ربطَ الشيخ صديقه "دروجوك" بالزلاجة، وأحضر العصي والأغصان، ودفَّأ السرير واحتضن الكلب وأخذ قيلولة. وعادتْ به أفكاره لماضي حياته، وأخذ يتذكَّر ويفكّر، وسيخبر الشيخ صديقه "دروجوك" عن حياته. وروى قصة حزينة وأنهاها بألمٍ قائلاً:
-لن تجيبني يا صديقي عن أيِّ شيء، لن تنطق بكلمة واحدة، لكنّ عينيك الرماديتين الذكيتين... أعلمُ، أعلمُ بأنّك تفهم كُلَّ شيء...
توقفت العاصفة الثلجيّة وأصبحت أهدأ، وبدأ الثلج بالذوبان، وتطايرتْ قطرات المطر من السطح.
يرى بوبيل الشتاء القادم، يرى ذلك ويقولُ متحدثاً لصديقه " دروجوك":
-سنعيشُ للربيع.. يا صديقي.
ظهرت الشمس ساطعة حمراء، وجرتْ المياه مُحدِثَةً صوت جرس بخريرها. نظرَ الشيخ من نافذة الكوخ، بدا أنّ الأرض قد اسودت بالفعل تحت النافذة.
انتفخت البراعم على الأشجار، وهبّت رائحة الربيع. سنوات الرجل الشيخ قد خانته، فقد التصق طين الربيع بقدمي العجوز.
بدأت قدماه تهتزان، واختنقَ من السُعال الخارج من صدره، مع ألمٍ بأسفل الظهر، وبهتتْ عيناه بشكلٍ رهيب.
توقف الثلج وجفتْ الأرض. وأزهرت شجرة الصفصاف خلف النافذة، وكانَ الشيخ نادراً ما يَخرج من الكوخ. يستلقي على السرير ولا يستطيع أنْ يُغادره.
وبجهدٍ كبير، نزلَ بوبيل من على السرير، وسعلَ وقالَ بحزنٍ لصديقه " دروجوك":
-ما زال الوقتُ مبكراً يا صديقي، لقد خَمّنا أنا وأنت ذلك، الظاهر أنَّ موتي سَيحِلُّ قريباً، لكنّني لا أرغبُ بتركِكَ تموت..
مَرِضَ الشيخ بوبيل، ولم يَعُدْ يستطع مُغادرة سريره، وكانَ "دروجوك" ثابتاً لا يتحرك عن سريرِ صاحبه، شعرَ بوبيل بدنو أجله، أخذَ يُعانق الكلب ويبكي بمرارةٍ وحُزن:
-لمن سأتركك يا صديقي؟ فالنَّاس بالنسبة لنا غُرباء. لقد عشنا معاً الحياة بطولها، والآن يُفرّقنا الموت. وداعاً يا صديقي الغالي، أشعرُ بأنَّ الموتَ قريبٌ، فقد أصبح الهواءُ بارداً في صدري. وداعاً... زُرني وتعالَ إلى قبري، وتذكّر صديقك القديم! عانقَ الشيخ بوبيل صديقه " دروجوك" في رقبته، وضغطَ عليها بِشدّة نحو قَلبِه، وفارقتْ رُوحُه جسده.
الشيخ بوبيل مُمدّداً على الأرض. لقد فَهِمَ الكلب " دروجوك" بأنَّ صاحبه قد مَات. مشى "دروجوك" من زاويةٍ لأُخرى، مشى، اشتاق. اقتربَ " دروجوك" من صاحبِه وبدأ يَشمُّه، شمّه وهو ينادي عليه بصوتٍ مُثير للشفقة.
وجرى بين النّاس الحديث عن بوبيل: لماذا لم يَعُد يَخرج من الكوخ؟ اتفقوا، وحضروا، وشاهدوا، ارتدوا وتراجعوا. بوبيل الميّت، مُمدّداً على الأرض، ورائحةُ الكوخ كرائحةِ القُبور، وكلبٌ يجلسُ على السرير، جالساً بحزن.
أخرجَ النّاس الميّت من الكُوخ وغَسّلوه ووَضعوهُ في التابوت، وكان الكلب لا يُفارق صديقه للحظة. حَملوا الميّت للكنيسة، والكلب " دروجوك" يسيرُ جانباً، وبدأ النّاس بطردِ الكلب وعدم السماح لهُ بدخول الكنيسة. ركضَ الكلبُ حول الكنيسة ناظراً من خلال النوافذ، وعلى قَدمين مُترنحتين من الجُوعِ والحُزنِ، عَوّى ونادى على صديقه.
أحضروا الميّت للمَقبرة، ودَفنوه، ماتَ بوبيل، ولم يكن يَعني ذلك شيئاً لأحد، ولم يبكي عليه أحد.
بدأ " دروجوك" يعوي فوق قبره، يعوي ويحفرُ الأرض بكفيه. يريدُ " دروجوك" أن يَحفُرَ القبر ويستلقي إلى جانب صديقه، لم يتزحزحْ الكلب من على القبر، ولم يَعُدْ يأكل، جالسًا وحزينًا. خارت قُوى الكلب، ولم يَعُدْ قادراً على النهوض من على القبر، ينظرُ " دروجوك" نحو القبر بشكلٍ حزين يُرثى له. حاول " دروجوك" حفر القبر، إلّا أنّه رفعَ كفيه، تحطّم قلب " دروجوك"... وسرتْ رَعشةٌ في ظهرهِ، أحنى رأسه انحناءةً بطيئةً وارتجف... وماتَ فوق القبر...
همست الزّهور على القَبر، تهامسوا بحكايةٍ مع الطيور. طارَ الوَقواق نحو القَبر، استقرَّ على شجرةِ بتولا باكياً، جلسَ حزيناً وصاح شاكياً فوق القبر بشكلٍ بائس.


عمران أبو عين أردني الجنسية ، مواليد 1989م. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @MranM70707


سيرغي ألكسندروفيتش يسنين ( 1859- 1925) شاعر روسي سوفيتي ، كتب أولى قصائده وهو بعمر التاسعة . كتب الشاعر بعض القصص منها : " يار" و " السارق" وغيرها ،كما كتب العشرات من القصائد . وصدر له العديد من الدواوين الشعرية. بالاضافة الى رسائله وبعض المقاطع النثرية . نُشِرَتْ القصة لأول مرة سنة 1917 في مجلة " صباح الخير". العدد 1، صفحة 13- 16. ملاحظة: " دروج"/ "دروجوك" معناها الصَّاحِب، الصَّديق.

سيرغي يسنين
ترجمة: عمران أبو عين

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page