top of page

في الحديقة

في الحديقة الكبيرة، التفتت أغصان الأشجار إلى الأعلى بقوة، تجذبها الريح الحادّة. كانت أصوات الأطفال تتخللها صرخات متقطّعة، مع هبّات ريح معتدلة في صباحٍ عذب من نوفمبر. وبعد أن ارتفعت حرارة الطقس، هرب الناس، وأصبحت أرض الحديقة ملأى بقصاصات الورق والأكياس البلاستيكية. تحت شجرة وارفة، كان مهند مغمض العينين في غفوة قصيرة، صحا منها فجأة بسبب الحرارة، وشعر بمرور وقت طويل على إغفاءته. نهض حاملًا كيسًا به بقايا ساندويتش وعلبتا ماء، ثم اتجه خارجًا.

على مسافةٍ، لمح سيدةً بفستانٍ أحمر، وشعرها منفلت بخصلاتٍ من الخلف. انحنت لتزيل شيئًا علق بعباءتها. كانت عيناها واسعتين، وتضع شالًا أسود أحاط بوجهها. ارتبك قليلًا، والتفت إلى الاتجاه الآخر. بعد لحظات، خرج من الحديقة، وحين أصبح في الشارع لم يرَ لها أي أثر، فشعر بيأس. اتجه إلى مركبته، فاصطدمت قدمه فجأة بحقيبة يد صغيرة ملقاة على الرصيف.

كانت محفظةً نسائية سوداء بقفلٍ ذهبي. انحنى والتقطها، ثم تردّد قليلًا وفتحها.
وجد بأحد جيوبها صورةً غير واضحة لامرأة تشبه التي رآها، ومعها هوية لامرأةٍ في الثلاثين من عمرها، ولم يجد شيئًا آخر. نفض المحفظة قليلًا، فسقط قرطٌ أصفر، تأمّله قليلًا ثم وضعه في جيبه. أدار المحرك محتارًا بما ينوي فعله بالمحفظة. وحين وصل إلى شقّته المطلة على ساحةٍ خالية لمزرعةٍ مهجورة، بقي منها جذوع نخلٍ يابسة، نظر إليها وشعر بالبؤس.

مهند في الخامسة والعشرين، يحمل شهادة إدارة الأعمال، ويعمل في شركةٍ تدير متاجر ملابس راقية. وقد انتقل إلى الرياض من مدينةٍ صغيرة تقع على بُعد مائتي كيلومترٍ منها. وكان اعتناؤه بلباسه من أهم شروط العمل، لذا كان متأنقًا بثيابه الملوّنة على الدوام. أما علاقاته فقد اقتصرت على عمّةٍ له يزورها كل شهر. وكان مولعًا بتربية الحمام في قريته، لكنه لم يستطع مواصلة تلك الهواية في شقّته الصغيرة. أما معظم وقته فيمضيه بقراءة كتب الأنيمي منذ كان مراهقًا.

شعر بخجلٍ وهو يجلس على الأريكة متأملًا هوية المرأة. فتح حاسوبه، ثم أدخل بياناتها في محرّك بحث "فيسبوك". ظهرت له ثلاثة أسماء لنساءٍ من دون صور، إلا واحدة. لم تتطابق ملامحها جيدًا، فهزّ رأسه ممتعضًا وقال لنفسه:
"ربما لا تكون لأيٍّ منهن."

لكن ما ألحّ عليه هو سبب إصراره على البحث عنها. تساءل:
"أمن أجل محفظةٍ أو قرطٍ صغير قد يكونان بلا قيمة؟"
تأمّل الصورة مرةً أخرى، وبعد ترددٍ وتفكيرٍ عميق، أمسك هاتفه وصوّر المحفظة والقرط، ثم أرسل رسالةً من حسابه إلى الأسماء الثلاثة مرفقة بكلمةٍ واحدة: "تحياتي".
وبعدها تمدّد على الأريكة شاعرًا بارتياحٍ كأنه أنجز مهمةً كبيرة.

بعد مضيّ بعض الوقت، فتح الحاسوب، ووجد رسالةً جديدة بعبارة:
"أهلًا"، وبعدها رقم هاتفٍ جوّال، ومعها ملفّ صوتي. فتحه وسمع صوتًا متهدّجًا ومرتبكًا لامرأةٍ تقول:
"أضعتها في الحديقة، أرجو أن تتواصل معي."
ابتسم وهو يحاول مطابقة الصوت مع صورة المرأة التي رآها، معتقدًا أنها فعلًا هي. حينها أرسل لها رسالة:
"أين نلتقي؟ في الحديقة؟"
توقف لبرهة، ثم أضاف بعد ثوانٍ، من دون انتظار إجابة:
"غدًا، التاسعة صباحًا."

شعر بنشوةِ من عثر على جوهرةٍ فاتنةٍ مدفونةٍ بالتراب. تخيّل غرفتها السرّية، شكل ملابسها، طاولة التسريحة، الأثاث السماوي المتلائم مع الجدار، وحتى الحاجز الثلجي للاستحمام... العُري.
كان يمسك القرط بلونه الفيروزي الذي برزت به عروق صغيرة سوداء.وعلى خلفية الصورة وجد أثرَ لونٍ أحمر، مسحه بإصبعه ثم شمه، وفكّر أنه قلم شفاه. كان به أثر عطرٍ، ربما من المحفظة.

فتح الرسالة الصوتية مرةً أخرى، وتنبه إلى بحّةٍ في صوتها، متخيّلًا إياها واقفة بجانب سور الحديقة، تنظر نحوه برقبتها الطويلة وشعرها الكثيف المنساب على كتفيها.

كان المساء مفعمًا بريحٍ نشطةٍ خفيفة، وأنوار الشوارع الخافتة أشعرته بسعادةٍ ورضا عن نفسه وهو يقود مركبته بلا هدف. ولأول مرةٍ شعر بشيءٍ جديدٍ يربطه بالمدينة، مستعيدًا تفاصيل المرأة المجهولة.
ثم تساءل:
"ماذا لو قمنا بنزهةٍ سويًّا؟"

وجد نفسه فجأة أمام الحديقة. أوقف مركبته وتأمّل أعمدة النور. كان الشارع حولها هادئًا. ترجّل ومشى على الرصيف، ثم اتجه إلى باب الحديقة وتردّد قبل أن يدخل.
مشى لعدّة أمتار، فاستغرب أنه لم يرَ أحدًا. انحرف إلى ممرٍّ مرصوفٍ ببلاطٍ أحمر ارتفع تدريجيًا حتى انتهى إلى تلةٍ مرتفعة. انتصب فوقها كرسيٌّ خشبيٌّ أحمر، أحاطت به شجرة سدرٍ كبيرة، ينيرها فانوس عامودٍ صغير، امتد ضوءه إلى أعلى الشجرة. تملّكه هدوء المكان وجاذبيته، فقرّر أنه أفضل مكانٍ للقائها.

جلس على الكرسي متأملًا الحديقة الساكنة، ثم أخرج صورتها. وبالرغم من ضبابيتها، فقد استطاع تحديد لون عينيها. رفع رأسه إلى السماء سعيدًا، ثم هبّت ريحٌ قوية أطارت الصورة من يده وسقطت على الأرض. انحنى والتقطها، ووجد ترابًا علق بها، فأخرج منديلاً وأزاله، واختفى جزءٌ صغير من معالم كتفها الأيسر. حينها شعر بالأسى ووضعها في جيبه.

وفجأة، سمع صوت تنبيهٍ لرسالةٍ على هاتفه:
"تمام، الساعة التاسعة، في الحديقة."
تأمّل رقم هاتفها للحظات، ثم حفظه في جهات الاتصال، ووضع أمامه: "صاحبة القرط."


*
في الصباح، تناول إفطاره مسرعًا. ارتدى ثوبًا أنيقًا وسرّح شعره، ثم مضى إلى الحديقة عبر البوابة حاملًا كأس قهوة، واتجه إلى المقعد الأحمر. كانت رائحة البخار المتطاير منه تهبه شعورًا بسعادةٍ لا توصف. نظر إلى ساعة الحديقة وهي تشير إلى السابعة، فطابقها مع ساعته، وربما بزيادة دقيقة.

بدأت أعداد البشر تتزايد. أطفالٌ يلعبون، أمهاتٌ يمشين خلفهم بتثاقلٍ وعصبية، وعمال نظافةٍ يتحدثون بصوتٍ عالٍ. بعد ثوانٍ، هدأت الأصوات، وعبرت نسماتٌ باردة من الزرع الرطب، فاسترخى وأحسّ بطمأنينة.

أخرج مجلة "أنيمي" كانت بجيبه، وشرع بقراءة قصةٍ قرأها سابقًا، تدور حول عصابةٍ تطارد فتاةً بعد خروجها من متجر ملابس أثناء الليل. كانت تركض بشارعٍ كبيرٍ مضاء، ثم انعطفت إلى زقاقٍ صغيرٍ مظلم، ولمحت لافتةً مضاءة بنورٍ باهتٍ لمحلٍّ يبيع التحف. ركضت نحوه فزعةً، ودفعت بابه بقوة، ولم تجد أحدًا، فاتجهت إلى باب مستودعٍ في الخلف ودخلته خائفة.لم تنتبه إلى حقيبةٍ سقطت منها في الشارع، تناثرت محتوياتها وظهر منها شيءٌ لامع على نور كشاف من يد أحد المطاردين.

أحسّ مهند بالحر فجأة، فترك المجلة وتأمل ساعته. كان الوقت يشير إلى الثامنة، وقد شعر بالعطش.
نهض باتجاه كشكٍ صغيرٍ في أقصى الحديقة لبيع المثلجات. كان يمشي ويلتفت بين آونةٍ وأخرى إلى المقعد. رجع إلى مكانه وهو يتلفّت، حاملًا قنينة ماءٍ صغيرة، شرب منها ورشّ على وجهه، ثم جلس واستأنف القراءة من مجلة الأنيمي، حيث ظهرت الفتاة خائفةً وهي تمسك بهاتفها داخل الغرفة المظلمة، وظهرت علامة:
"ترن، ترن"، ثم لا أحد يجيب.
أثناء ذلك، كان هناك رجلٌ ملثّم من العصابة يطرق الباب بضرباتٍ قوية، كُتبت:
"بم، بم، بم!"

وكأن الكلمة الأخيرة نبهته، فأغلق المجلة، ولم يبقَ سوى صفحةٍ واحدة على نهاية القصة. رفع رأسه، وإذا الساعة تشير إلى الثانية عشرة.

نهض مذعورًا، ومشى بلا هدف، مستغربًا أن المرأة لم تهاتفه. تجوّل في جهات الحديقة بحثًا عنها، وفي البعيد رأى امرأةً مديرةً ظهرها، تجلس تحت شجرة كينا. فهرول تجاهها وهو يبحث في هاتفه عن رقم "صاحبة القرط"، لكنه لم يجده. عبر أمامه فجأة طابور أطفالٍ يحملون ألعابًا، وخلفهم معلّمةٌ ممتعضة، حجبت رؤيته لبرهة. حين وصل إلى مكان المرأة، لم يجدها. جلس وهو يلهث تحت شجرة الكينا متأملًا الحديقة لدقائق، وقد غدت شبه خالية من البشر الذين تركوها بفعل الحرارة القوية.

عاد إلى المقعد الأحمر، ولم يجد أي أثرٍ لها، فأحسّ بعدم الجدوى من كل شيء. وضع يده في جيبه، فلم يجد المحفظة، فاستغرب واعتقد أنها سقطت منه وهو يجري. أمسك مجلة الأنيمي والكيس البلاستيكي، ثم سار منحدرًا على المربعات الحمراء متجهًا إلى خارج الحديقة. أثناء ذلك، مرّت سحابةٌ حجبت ضوء الشمس قليلًا، فشعر براحةٍ رغم كل اليأس الذي تملّكه، وهو ينظر إلى المربعات ووقع صوت حذائه يطرقها بأسًى.
وفجأة، رفع عينيه فرأى امرأةً على الرصيف تتجه نحوه وتنظر إلى شيءٍ على الأرض. اندفع مسرعًا، فالتقطه، وإذا به جهاز هاتفٍ لم يزل يرن. تأمّلها مذهولًا لثوانٍ، والمرأة تنظر إليه باستغرابٍ شديد. ثم سألها:
"لمَ لمْ تتصلي؟"
قالت باستغراب:
"بمن؟ ثم من أنت؟"
شعر بخفةٍ في رأسه، ثم قال:
"بالرقم... آه، لحظة."

تململ وفتّش جيبه بحثًا عن الحقيبة، كان ذاهلًا، وحينها سقطت مجلة الأنيمي على الرصيف.
كانت مقلوبة، والغلاف الملون الخلفي انفتح على الصفحة الأخيرة. أهمل المجلة، والمرأة تنظر إليها، ثم تقدّم مرتبكًا نحوها ومدّ لها الهاتف.

شكرته، لكنه لم يسمع ما قالته جيدًا. اعتقد للحظاتٍ أنها نفس المرأة ذات الرداء الأحمر، وبرغم ذلك لم يستطع تفسير اختفاء المحفظة من جيبه. أدارت ظهرها ومشت مبتعدة، فمضى خلفها مترددًا بخطواتٍ بطيئة حتى اقترب منها وصار بجانبها. فتوقفت غاضبةً وسألها مرتبكًا:
"ألم تضيعي محفظةً لك؟"
فقالت باستغراب:
"لا. لماذا تلحق بي؟ شكرتك وكفى."
" نعم، نعم، آسف، لكن هناك أمر."
تركته ومشت، فتبعها وهو يقول:
"أنت تشبهين امرأةً رأيتها. لا أتذكرها جيدًا، لكنها أضاعت شيئًا."
" أنت تتخيل!"
ابتسمت وهي تزيد من خطواتها، فزاد من سرعته وقال:
" لا، لا، لكما نفس التقاسيم. آسف، حتى لون الشعر والكعب."

كان ينظر إلى حذائها.هزّت كتفيها وهي تحاول كبح ضحكة.
قالت:
" لمَ تصرّ؟"
" على ماذا؟"
"على أن تمشي معي!"

سكت وتوقف لثوانٍ، ثم عاد يسير خلفها حتى صار بجانبها. كان ظلّاهما يتقاطعان وهما يقتربان من نهاية الشارع .في أثناء ذلك، هبّ هواءٌ خفيف حرّك الأشجار خلف سور الحديقة. وعلى الرصيف كانت مجلة الأنيمي، ظهرت بها الفتاة المطاردة مرتديةً جاكيتًا أصفر كبيرًا، والمطر يسقط عليها بغزارة، وهي تلتقط قرطًا صغيرًا من أرض الشارع، وبجانبها وقف رجل أمن.


أحمد الفليو، كاتب سعودي من عنيزة، يقيم في الرياض. صدرت له مجموعتان سرديتان: سيرة الكائن ك (دار جداول، 2013) قصص قصيرة وتواريخ الفقد (دار مدارك) في النقد الثقافي 2022. يعمل حاليًا على مجموعة قصصية جديدة بعنوان "نُزل العين"، تتقاطع فيها الحكايات حول فكرة الغياب وما يخلّفه من ظلالٍ في الوعي والذاكرة. قصته "في الحديقة" تنتمي إلى هذا المناخ الرمزي الذي يتقاطع فيه الحلم بالواقع، والوحدة بالهوس، حيث تحكي عن شابٍ يلتقط محفظةً في حديقة عامة، فيبدأ رحلة بحثٍ غامضة عن صاحبتها، رحلةٌ تتحول تدريجيًا إلى مرآةٍ لفراغه الداخلي ولرغبته في الإمساك بما لا يُمسك: أثر امرأةٍ قد تكون موجودة، أو لم تكن قط. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @ahmadalflaiw1

أحمد الفليو

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page