top of page

منذر الساكت

"جميعنا سألناه وهو لا يبالي، بل يُحمْلق في الأرض.. يا رب صبرًا من عندك.."، كان البيت الحجري محمومًا بالأم وهي تُرغي وتُزبد، أما ابنتها فكانت صدىً لسؤالها اللَّحُوح على أخيها، فما إن تصمت الأولى حتى تقول الأخرى: "هل ذهبتَ إلى المدرسة اليوم؟ أخبرنا.. هيا يا منذر تكلم"، وقد ظلّ الأب مكتفيًا بكلماتٍ مُهدِّئةٍ يبوح بها حين تسكن الأجواء وينقطع الحديث، إذ يصدُّه قلبُه الرؤوم عن تقسية فؤاده وتغليظ طباعه، سيما أن زوجته ثائرة حتى إنها انتصبت على قدميها، وبقيت تغدو وتروح ذهابًا وإيابًا، وبينما توارى منذر في زاويةٍ لا يصلها إلا قليلٌ من ضوء "الأتريك"، أخذ ينسحب شيئًا فشيئًا حتى اختفى تمامًا.
خرج منذر من البيت، وتلقّفته سَكِينةٌ تَنفّس الصُّعَداء في رحابتها، بعدما اختنق وارتعد حتى اهتزت ساقاه الصغيرتان، وأخذ يسير في أزقّة القرية لا يلوي على شيء، ولا يضيء طريقَهُ سوى بقايا إشعاع "الأتريك" الآتي من البيوت، جَذِلًا بهدأة الليل وصمت القرية، ومستأنسًا بالعتمة أشد استئناس، حتى إنّ أمنيةً انبلجت في قلبه، وهي أن يسود الليل أيام القرية إلى الأبد. ظل مرتخيًا يتأمل النجوم المعلقة في السماء، والسهول المنبسطة في الأرض، مُسلِّمًا نفسَهُ إلى قدَرِ الطريق ومنعطفاته ما دام أن الهدوء يأخذ بيده، وأخيرًا ارتاح إلى صخرةٍ كانت قد تفتّت منها صخورٌ أخرى صغيرة، أخذ يشكّل منها ما اهتدى إلى ذهنه، فمرّةً شكّل بسمة، ومرةً أخرى رسم منزلًا.
استصعب منذر مواصلة الطريق، إذ بدأ يُثقِلُ الكرى جَفْنَه، فغفت عينُه غيرَ مرة، وأخيرًا.. استسلم للنعاس واستلقى بجانب الصخرة الكبيرة، متوسِّدًا حشائش الأرض اليابسة. إن لمنذر عينين ضئيلتين ورثهما عن أجداده، كسَمَارِهِ أيضًا ونُحول وجهه، وها هو ضوءُ القمر يرسل شيئًا من سنائه على وجه الطفل الوديع.. وحين أزف الفجر شرعت زرقة تتمدد في السماء، فاستيقظ كل ديكٍ يصيح وخفق كل طائر غرّيد، وصحا حينئذٍ منذرُ مفزوعًا.. وفورًا استقر رأيه على إكمال مسيره.
كانت القرية تتثاءب بعد نومها وتتمغّط إثر سباتها، وأخذ الناس يخرجون من بيوتهم، مصادفين منذر ومُلقِين عليه التحية، أما هو فاكتفى برفع يده مجيبًا سلامَهُم، ولكنَّ ذلك أثار ربكةً فيه أزعجته، لا سيّما أنّ المكان بدا موّارًا بالحركة، وعزم أن يسير إلى مكانٍ يألف كلَّ ما فيه لعله يجد زاويةً لا تطالُها الأنظار، وراح يحثّ الخطى إليها حتى وصل إلى "سوق الخميس" الذي يمتد على شارعٍ يلتفّ على نفسه في النهاية، ويحُفُّ الشارعَ محلاتٌ على جانبيه وتتخلَّلُها "بَسطات"، وما فَتِئَ منذر ينظر هنا وهناك، ويتأمل في حال المكان، ثم حملق في "بسطة" انتثرت عليها خضروات وفواكه، ولحظتَها قرقرت معدته.. ولكن لم يجد وقتاً ليلتفت إلى جوعه، إذ رأى حمّالًا كان قد رآه مسبقًا في السوق، وها هو الآن انتهى من إنزال البضاعة وهمّ بالمغادرة، إلا أن منذرًا فاجأه وهو واقفٌ عند نافذته قبل أن يدعس على دواسة البنزين، وقال له:
هل أنت عائد إلى المدينة؟
نعم.. ماذا تريد؟
خذني معك
انفرجت شفتا الحمّال عن أسنانٍ صفراء، وأجابه قائلًا:
لماذا؟ أليس من المفترض أن تكون في المدرسة؟
انعقد لسان منذر مثل العادة، وانصهرت الأحرف المتجمّعة في لسانه، وذابت المعاني في رأسه، ولكن إن لم ينطق سيفشل ويؤوب بخيبة، لذلك وجد أن الحديث ضرورةٌ قصوى، فقال:
بلى.. ولكنني مصابٌ بالحمى منذ أسبوع، ولم أعد قادرًا على الذهاب، ولا يوجد هنا طبيب.. وكذلك أبي غادر بالأمس متعجّلًا إلى مكة.. أما أمي فــــــ...
هيا اركب.. ولا تؤخرني
سُرّ منذر وهو يستقلّ سيارة "الددسن" التي تمضي إلى المدينة ولا تبعد عنها غير نصف ساعة، واستمتع بالنظر للتلال الرابضة على جانبي الطريق، فيما الشمس الوضّاءة تخترق خيوطُها الزجاجَ الأمامي للسيارة، وتندفع الرياح من نافذته فينتعش إثر ذلك، وتتطاير كذلك خُصَلٌ من شعره كانت منسدلةً على جبينه، أما الحمال فكان يركز نظره إلى المرتفع المعبّد الذي كان يصعده بالسيارة، وساعتَها لاح في ذهنه أمر قد أهمّه، وأسرع في مخاطبة منذر قائلًا:
مع الأسف.. أنا ومن هم في عمري أيها الطفل لم نحظ مثلكم بفرصة الدراسة، ولذلك كثيرٌ منا بالكاد يقرأ.. لكننا بلا شك نجيد أشياء أخرى، بل ونبرع فيها.. على كل حال، أنت تعرف القراءة، صحيح؟.. أرى أنك بلغت الصف الذي يعلمونكم به كلَّ ذلك.. إذن أَسْدِ لي خدمة...
أخرج الحمّال من جيبه ورقةً صغيرة ومدّها إليه، وأكمل حديثه:
خذها.. واقرأها لي..
كان منذر يحتضن الباب، وذراعاه الممدودتان على النافذة المفتوحة توحيان بأنه مندمج في رحلته ومشغولٌ بالنظر إلى الطريق. انفعل الحمّال وتربّد وجهه غضبًا وهو يقول:
ماذا؟ أنت حتى لا تنظر إلي.. هيا خذ الورقة أيها الطفل، لقد أسديت لك خدمة، وتهوّرتُ حين وضعتك بجانبي وأنت مريض.. هاه؟ لا ترد أيضًا.. ما قلة الأدب هذه! نعم.. ابقَ ساكتًا هكذا.. ساكتاً مثل الصرصور.
رنّت بعض الكلمات في فؤاد منذر، إذ كان لها جرسٌ مؤذٍ يُحزن خاطرَهُ الغض. وعلى الرغم أنه يحاول التسرُّبَ من واقع القرية، إلا أنه وجد هذه الكلمة رافقته في سفره، وكان قد سمعها أول مرة من أمه في موسم الحصاد الماضي، حين عادت في أحد الأيام من "سوق الخميس" بخيبة أملٍ مع الزبدة التي لم تبعها، فرأت منذر في المنزل، وبادرت بسؤاله سريعًا بنبرةٍ صاخبة أرعدت فرائصه:
هل حصدت جاراتنا ثمار حقلنا اليوم؟
هز منذر رأسه.
وهل ساعدتهم؟
انعقد لسانه، وتلبّسته لعثمةٌ حرمته من الإجابة، ماذا عساه أن يفعل غير هزّ رأسه مجددًا، بَيْدَ أنه زاد من امتعاض أمه الغاضبة، فقالت:
واصل هزّ رأسك أيها الساكت.. منذر الساكت.. أين هرب لسانك؟ هذا أنت منذ عرفتك.
نَفَذَت كلماتها من بين الأحجار المرصوصة في الجدران، وصارت هكذا تناديه الأفواه، وتطارده في كل الأمكنة، فضاق خاطره وازداد التزامًا بالصمت، وهو لم يَعهَد مشاعرَ مثل هذه تخالجه فتجعله واجمًا وحزينًا لا يشتهي أمرًا ولا يشدّه مرح.. وبات جلوسه مع أصدقائه قليلاً في ظل مناداتهم له بـ "منذر الساكت"، وتكرر غيابه عن المدرسة مع التصاق الاسم بألسنة المدرسين وأصحابه.. وصَغُر العالم الذي عرفه واسعًا.. وها هو الآن يأمل أن يعاود رحابته في الوقت الذي بدأ يَلْمَح فيه معالم المدينة، ما بين السيارات التي تروح وتأتي في كل حين، وأعمدة الإنارة المنصوبة على جوانب الطريق.
كان الحمّال ينوي إنزال الطفل عند المشفى، ولكن بعد أن تجاهل قراءة ورقته قرر أن يقف عند وجهته التي حددها مسبقًا، وهناك يتدبر الطفل طريقه، وقد نَسي منذر أنه تمارض وأخذته الدهشة في المكان الجديد، وطَفِقَ يفكر في أي الدروب يسلك أولًا، ثم تفاجأ بالحمّال يَركُن سيارته أمام محلٍّ له لوحة كبيرة، تهجّأ منذر أحرُفَها فإذا هي "مقهى"، ولاحظ أدخنةً خفيفة تتصاعد، نزل الاثنان من السيارة واختفى الحمّال بين الأدخنة والظلام الدامس داخل المحل، وبقي منذر واقفًا على الرصيف، بانشراحٍ لا مثيل له.. وسرعان ما آلمه الجوع وأحس بانقباضاتٍ في بطنه، وسرى في بدنه ضعفًا مفاجئًا وغدت الخُطَى ثقيلةً على قدميه، وكذلك زادت حرارة الشمس من إنهاكه وهي ترسل لوافح ساخنة في هذا الوقت، وأدرك أن عليه الأكل حالًا بأي طريقةٍ ممكنة. كان ساعتَها يتوسط الرصيف، وفي خضمّ سَرَحانه، وما أن أوشك على التحرك حتى أوقفه صوتٌ رخيم ناداه باسمه، تلفّت منذر يمنةً وشمالًا.. وظن أن جوعه بدأ يُخيِّل له أصواتًا.. لكن تكررت المناداة بنبرة استغراب، وأدرك أن الصوت آتٍ من داخل المقهى، ويقترب منه شيئًا فشيئًا، حتى وجد رجلًا قادمًا نحوه.
كان الرجل يضع شماغه على كتفه ويَهُمّ بالرحيل، وقد وقف مصدومًا، وقال:
كيف جئت إلى هنا؟ ولماذا جئت.. هل أبوك يعرف؟ تكلم.. منذر الساكت.. جرب وانطق هذه المرة وأخبرني.
كان منذر يعيش هول الصدمة.. ويندب حظه لظهور عمه في هذا الوقت.

ماجد الحطاب كاتب قصة من السعودية، له عدد من القصص المنشورة في المجلات، كما نشرت له قصة بعنوان سيدة ورجل في مؤلّف "قصص من السعودية 2024" لهيئة الأدب والنشر والترجمة، والكتاب في صدد النشر.
يميل ماجد إلى توثيق الواقع، بكامل تفاصيله، وما ورائياته من صراعات يعيشها الإنسان. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @HatabMajed

ماجد الحطاب

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page