انحناء الضوء
طلال إبراهيم
الغروب حدث يتجاوز البصر؛
تجربة وجودية يعبرها الكون بأسره،
لحظة ينحسر فيها الضوء ليكتشف هيئته الحقيقية بعيدًا عن صخب النهار.
الضوء في الصباح يتكلم،
وفي الغروب يغرق في التأمل.
حين تميل الشمس نحو الأفق،
تبدو كأنها تعيد تعريف علاقتها بالسماء؛
تعترف بصمتها،
وتسلّم الألوان إلى الأفق كمن يعلّق جزءًا من ذاكرته بين الغيم.
في تلك الساعة
يتدرّب الكون على فنّ الانسحاب؛
انسحاب يشبه الحكمة،
حكمة تعلّم الإنسان أن كل قوة تحتاج إلى وقفة…
وقفة يخفت فيها الصوت وتصفو الرؤية.
الغروب يشرح فكرة عميقة:
الجمال ليس كثافة،
ولا وهجًا صارخًا،
إنه توازن دقيق بين الظهور والخفاء.
تتوهّج السماء بلون لا يتكرّر في سواه من الساعات؛
لون يشبه جملة ناقصة،
تُترك للقارئ كي يتمّها بقلبه.
ومع امتداد الظل الأخير للنهار
يتحوّل معنى الزمن.
الدقائق التي كانت تركض
تتمدد كأنفاس طويلة،
فتكشف أن الوقت يتبدّل حين يتبدّل الضوء.
الشروق يرفع العالم عاليًا،
أما الغروب فيعيد ترتيب أعماقه.
الشروق وعد ظاهر،
والغروب وعد خافت،
والوعد الخافت أعمق أثرًا…
لأنه يفسح المجال للقلب كي يفهم وحده.
وفي فلسفة هذه اللحظة
يظهر معنى آخر:
النهاية التي تُخيف ليست سوى تحوّل ناعم،
ضوء ينتقل من فضاء السماء
إلى فضاء الروح.
الغروب ليس انطفاءً،
إنه طريقة الكون في الهدوء؛
كل هبوط يحمل رغبة في السكينة،
رغبة في الاستقرار بعد الامتداد.
وهكذا يغدو الغروب
مختبرًا صغيرًا للزمن،
مرآة للثبات داخل الحركة،
ونقطة مكشوفة لحقيقة تقول:
الحياة تُقاس بالأثر الذي يتركه الضوء
حين يبتعد.
طلال إبراهيم كاتب سعودي وعضو إداري في مجلة «مرافئ الحنين». يكتب في المساحات التي يتقاطع فيها التأمل بالفكرة، ويميل إلى النصوص ذات النفس الفلسفي الهادئ، حيث يبحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة، وعن الضوء الذي يترك أثره في الروح قبل الصفحة. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @0C6l_ @mcii76