top of page

حكايات لا تُباع عند بائع الكتب

هناء جابر


رهان بائعة الكتب:
كنتُ أقف بمحاذاة الرفوف، أوازن بين روايتين، وأُجري في داخلي حسابًا صامتًا أختبر فيه ما إذا كان المبلغ المتبقّي يكفي لاقتنائهما معًا. في تلك اللحظة، اقتربت منّي سيدة تبيع في الجناح؛ متقدّمة في العمر، سمحة الملامح، بصوتٍ رفيع يكاد يكون همسًا. قالت بهدوءٍ واثق:
"محتارة؟ خذي هذه."
ثم أضافت، وكأنها لا تقترح كتابًا بقدر ما تكشف وعدًا:
" أراهن أنها ستعجبك، وستعودين لاحقًا لتسألي عن بقية أجزائها."

لم أتردّد. أخذتُ بمشورتها كما لو أنّني أستجيب لحدسٍ أعرفه من قبل، وشكرتها قبل أن أغادر، وأنا أُدخل الكتاب الأخير في حقيبة مشتريات المعرض، والذي يحمل عنوان: «صديقتي المذهلة».

لم أكن أعرف آنذاك من هي إيلينا فيرانتي، ولم أقرأ عملًا واحدًا من ترجمات معاوية عبد المجيد، ولم يكن اطّلاعي على الأدب الإيطالي —الذي صار اليوم من أحبّ ما أقرأ— يتجاوز تجربةً يتيمة. رواية واحدة فقط أصبحت بداية لمسارٍ قرائيّ جديد، لم أكن أخطّط له ولا أتخيّل امتداده.

لم يطل الوقت بعد الفراغ من الرواية حتى سارعتُ إلى طلب الأجزاء الثلاثة اللاحقة من رباعية نابولي من متجر كتب إلكتروني؛ حدس تلك السيدة لم يخطئ، لقد كان رهانها في محلّه.

ما شدّني في رواية «صديقتي المذهلة» ذلك الإصرار الهادئ من إيلينا فيرانتي على ملامسة أكثر العلاقات تعقيدًا والتباسًا: علاقة الأم بابنتها. لم تُقدِّم الأمومة بوصفها فضيلة مكتملة أو دورًا مقدّسًا، بل كخبرة إنسانية مثقلة بالحب والخوف والخيبة والرغبة في النجاة. وإلى جانب ذلك، بدت رباعية نابولي كأنها سيرةُ مدينةٍ بقدر ما هي سيرةُ نساء؛ تاريخ إيطاليا الاجتماعي والسياسي يتسرّب بين السطور، في الأزقّة الفقيرة، وفي التحوّلات الطبقية، وفي العنف الصامت الذي شكّل وعي الشخصيات.

هل تُدرك بائعة الكتب أنّها قد غيّرت مسار شخصٍ في القراءة، فقط باقتراح رواية في لحظةٍ هشّة؟


بائع الكتب كحارس للمعنى:
يقف بائعُ الكتب في المنطقة الوسطى بين الفوضى والمعنى؛ حيث تتجاور رفوفٌ صامتة مع قلقٍ إنسانيٍّ غير منطوق. لا يتعامل مع القارئ بوصفه زبونًا بقدر ما يلتقط لحظة ارتباكه، ويقترح عليه كتابًا كإمكانٍ وجوديٍّ مفتوح؛ قد يكون احتمالًا لحياةٍ أخرى، أو طريقًا جانبيًّا يعيد فيه صياغة الأسئلة أو ترتيب الأفكار.


بائع الكتب كقارئ للناس:
يمارس بائعُ الكتب فعلًا حدسيًّا من خلال قراءة وجوه الزبائن، وملاحظة النبرات والتردّدات الصغيرة، وتقدير الأعمار والسمات الشخصية، ومراقبة تحرّكاتهم داخل المكتبة.

تقول ناتالي إنّ دراسةً ممتعة يمكن أن يكون محورها تتبّع مسير قارئ داخل مكتبة؛ إذ ينبغي استعمال كاميرا خفيّة لتصوير جميع حركاته: الكتب التي لم تنَل منه سوى لمحة بصر، وتلك التي أخذها بين يديه، والتي فُتِحت، وتلك التي لم يقرأ منها إلا ظهر غلافها قبل أن تعود إلى مكانها.

ناتالي الكُتبيّة، في رواية «مكتبة ساحة الأعشاب»، كانت تعمل أستاذةَ آدابٍ في باريس، لكنها لم تعد تتحمّل العيش في صخب المدينة الكبيرة. وصادف آنذاك أن عُرضت مكتبة للبيع في زاوية ساحة الأعشاب في مدينة أوزيس. وهكذا بدأت المغامرة.

يحضر الزبائن إلى تلك المكتبة، وسرعان ما يصبحون أصدقاء، بعد أن تدخل معهم في حوارات طويلة عن حياتهم وآلامهم وتأمّلاتهم، وحتى أكثر أسرارهم خصوصية. بالنسبة لها، كان كل إنسان حكايةً مقدّسة؛ الحديث معه بمثابة تصفّح موسوعة إنسانية. وبهذا تحوّلت ناتالي من مجرّد قارئة إلى مرشدة روحيّة للقرّاء.

زرتُ مرّةً مكتبةً صغيرة في سوقٍ شعبي في البحرين، أثار إعجابي ثراؤها بكمٍّ من الكتب الجيّدة والنادرة، على الرغم من صِغر مساحتها. كان البائع يجلس خلف طاولته، يراقب اختياراتي بصمتٍ يقِظ، بينما أنتقي كتابَيَّ: «ثمرة النار» لحنين الصايغ، و«الحبّ المقلق» لإيلينا فيرانتي. فأدرك من العناوين ميلي إلى الأقلام النسائية المنشغلة بأسئلة المرأة وهواجسها، ومن هناك انفتح الحديث.

تحدّثنا عن حنين الصايغ، عن «ميثاق النساء» وحضورها في جوائز الرواية، وعن أثر النص حين ينجح في لمس قارئه. أخبرته كيف دفعتني الرواية إلى كتابة مقالة عنها، ففاجأني سؤاله بدهشة صادقة:
"أنتِ كاتبة؟"
عندها انحرف الحوار من مسار القراءة إلى دروب الكتابة والنشر.

طال الحديث، وانتهى بتوصيةٍ تشبه الإهداء: عملٌ للروائية الأفغانية نادية هاشمي. قال: بما أنكِ تحبين القراءة لفيرانتي وحنين، ستجدين نفسك هنا أيضًا. وهكذا خرجتُ من المكتبة بروايةٍ ثالثة، وبنصيحةٍ صادقة كنتُ أحتاجها عن النشر ودُورِه، وبقناعةٍ أعمق بأن بائع الكتب الجيّد يقرأ الناس بقدر ما يقرأ الكتب.


الدفاع عن البطء ومقاومة السطحية والنسيان:
حين تُكافَأ السرعة، ماذا يتبقّى للمعرفة التي تحتاج زمنًا لتُفهم؟

ينحاز بائعُ الكتب إلى الكتاب الورقي؛ هذا الشكل من المعرفة، كما يمرّ عبر يديه، لا يُختزل إلى معلومة، ولا يُضغط في ملخّص أو اقتباس عابر. القراءة هنا أقرب ما تكون إلى المكابدة؛ تستغرق وقتًا، وتترك أثرًا متراكمًا، وربما مؤجّلًا.

وبينما تُكافئ الخوارزميات الخفّة، والتكرار، وسرعة الاستهلاك، يقترح بائعُ الكتب علاقةً مختلفة مع النص: علاقة لا تعد بنتيجة فورية، ولا بضمان المتعة السريعة. هو يراهن على قارئٍ مستعدٍّ لأن يضلّ قليلًا، وأن يتورّط في كتاب لا يشبهه تمامًا، وأن يخرج منه مثقَلًا بأسئلة لا يمكن قياسها أو مشاركتها بنقرةٍ واحدة.

في منطق بائع الكتب، القارئ ليس ملفًّا رقميًا؛ هو كائن هشّ ومتقلّب، تتبدّل أسئلته بتبدّل أطوار حياته. وجوده إعلانٌ غير صاخب بأن للمعرفة زمنًا آخر، لا يخضع للإيقاع نفسه الذي تُدار به الشاشات.

الوِحدة والرفقة:
تدور قصة «مانديل بائع الكتب القديمة» لستيفان زفايغ حول مانديل، رجل بسيط يعمل بائعًا للكتب القديمة في فيينا. يعيش في عالمه الخاص منعزلًا عن الناس، لا تربطه بالحياة سوى تلك الكتب التي يحفظ عناوينها، وأماكن نشرها، وتواريخها، وأسعارها بدقّة مذهلة. كان سيّد القوّة السحرية التي تُسمّى الذاكرة، عبقريَّ الأسعار والعناوين، وأميرَ الببليوغرافيا المجهول.
وصفه زفايغ بأنه يقرأ مثل شخصٍ يتهجّد، أو لاعب شغوف بمهاراته، أو ثمل يتتبع فكرةً ثابتة. يقرأ بخشوعٍ بلغ من الكمال ما جعل طريقة الآخرين في القراءة تبدو دَنِسة.
ذات يوم، وهو يقرأ، وقعت من المدفأة جمرةٌ حامية أشعلت النار في الأرض حذوه. تنبّه أحد الزبائن لتصاعد الدخان والرائحة الخانقة فأسرع لإطفائها، بينما لم يلاحظ مانديل الذي كان على بُعد خطوتين شيئًا من ذلك.

مع صعود النازية، يُعتقل مانديل فجأة ويُساق إلى معسكر اعتقال. ولأن المعسكر ما هو إلا فضاءً بلا أسماء ولا تواريخ، حيث يُمحى الفرد ويُختزل إلى رقم، في هذا الفراغ تنهار ذاكرة مانديل، وكأن زفايغ يقول إن الذاكرة لا تعيش إلا داخل سياق إنساني يعترف بها.

بعد الإفراج عنه وعودته إلى فيينا، يحاول استعادة حياته القديمة، لكن المدينة لم تعد هي نفسها، ولا مانديل هو مانديل. يعود إلى متجر الكتب، غير أن ذاكرته خانته؛ تبدّدت الأسماء والعناوين التي كانت عالمه الكامل.
تبدو قصة مانديل، للوهلة الأولى، احتفاءً بالعزلة التي تمنحها الكتب، غير أنها في عمقها تحذيرٌ منها. فالكتب التي كانت عالمه الكامل ورفقته الوحيدة، لم تستطع أن تحمي ذاكرته حين انقطع السياق الإنساني الذي يمنحها معناها.

إنّ القراءة، حين تُدفَع إلى أقصاها، قد تنقلب على وعدها. فالوِحدة التي تبدأ كملاذٍ تصير سجنًا، والذاكرة التي تُراكم المعنى تذوي إذا انقطعت عن الأصوات والوجوه والسياق. عند هذه المفارقة يقف مانديل، بائع الكتب القديمة، شاهدًا على ما يحدث للمعرفة حين تُحَبّ أكثر مما تحتمل.


أثرٌ لا يُشترى:
تظلّ المكتبة مجرّد مكان، بلا ذاكرة ولا روح، إلى أن يحييها أمينُها؛ يقف وسيطًا بين رفوفها الصامتة وبين العالم، ويحرس الإيقاع البشري للقراءة. يعرف أنّ الكتاب، قبل أن يكون نصًا، هو علاقة، وأنّ القراءة تبدأ دائمًا من لقاء. نغادر المكتبة بكتبٍ مدفوعة الثمن، لكن الحكاية الحقيقية —تلك التي تغيّرنا— لا تمرّ على صندوق الدفع، ولا يُدرجها البائع في الحساب؛ وحدنا، نحن وهو، من يعرفها.


هناء جابر كاتبة وروائية سعودية. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس@_Hna_g

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page