top of page

عينٌ لا ترمش

فاطمة الحارثي


تخيل أن تفقد إحساسك في عينك، أن ترمش عينيك فتشعر بعينك اليسرى ولا تشعر باليمنى تماما، أن تتساقط الدموع من العين كشلال لأنها جلست وقتا طويلا دون أن تأخذ قسطا هينا من الراحة على هيئة رمشة، أن تتكلم أخيرا وتسأل الطبيب:
"لماذا لا أشعر بعيني اليمنى؟"
فيجيب لأنك ما زلت تحت تأثير البنج.
تخيل أن يطلب منك الطبيب أن تغلق عينيك، ثم تسمع منه كلمة:
"أوه"
فتعرف أن هناك شيء على غير ما يرام، ولكنك كنت طيلة فترة التخدير ومعالجة سنك تحدث نفسك بالخير وتقول: "أنا بخير. أنا سأكون بخير. كل شيء على ما يرام." ثم تسمع "أوه" الطبيب.
لازلت تسمع جملة الطبيب ترن في أذنك واختلاف النبرة بين جملته والكلمة التي تليها. لازلت تسمعه يقول:
"حاولي أن تغلقي عينيك." ثم "أوه"
"أوه" تختلف عن "همممم" و عن "أأأأووو" فالثانية تدل على أن الموضوع بين اليد مثير، والأخيرة تقال غالبا عندما يمس وجدانك شيء، أما "أوه" فتخبرك أن شيئا غير متوقع قد حدث، وأن فيك شيء يستدعي الاستغراب. تشعر بستة أعين تحدق فيك و الدمع لا زال ينساب. تشعر به يتجمع عند طرف عينك ويسقط. أنت لا زلت مستلق على الكرسي الجلدي وكنت تأمل أن تذهب للمتجر لشراء بعض الأغراض فقد نقص الحليب والخبز والسلمون من البيت، واليوم وددت طبخ رز بعدس وسلمون. تسمع الطبيب يسأل:
"هل رأيتِ هذه الحالة من قبل؟"
تسمع الطبيبة الجديدة التي حضرت منذ أن ابتدأ الطبيب التخدير والذي عرّفها بأن اسمها كاسمك وأنها هنا لتتعلم، تقول:
"لا. أبدًا"
عبارتان للآن بدأتا ترن في أذنيك. "أوه" بصوت الطبيب الأربعيني، و "لا. أبدًا" بصوت الطبيبة المتدربة.
تعلم أن السمع حاستك القوية، كيف أنك تميز صوت العصفور الأسود ذو الجناح الأحمر من الطائر الساخر و الكاردينال و الكارولاينا، كيف أن تعلمك للغة الأجنبية تطور كثيرًا بسماعك للإذاعة، كيف أنه في بداية الألفية ومع رواج البرمجة اللغوية العصبية قيل لك أنك بصري، ولكن تمرين التصفيق كان كفيلا بأن يثبت عكس ذلك.

الستة أعين هي للطبيب، الطبيبة المتدربة، والممرضة.

في تمرين التصفيق، كنت تجلس على كرسي مغمض العينين. عصبت المتدربة عينيك بطرحة سوداء. أغلقت عينيك واستسلمت لشدة إحكام العصبة. أعطيت ظهرك للجمهور وجاء من خلفك خمسة مشاركين لم تعرفهم من قبل. كل واحد صفق يديه وقال اسمه. بعدها أخبرتك المدربة أن تتعرف على الأسماء من صوت الصفيق. أصبتها جميعا وانبهرت المدربة. قالت لك كلمة أثبتت ألا تصدق رأي غيرك عنك:
"أنت سمعي."
تسمع "أوه" الطبيب و "لا أبدًا " الطبيبة المتدربة وتعود لصوت عقلك الذي لا زال يردد: "أنا بخير. سأكون بخير. كل شيء بخير."
يضع الطبيب قطعة شاش على عينك، يغلقها بلطف، ويضع عليها شريطا لاصقًا. يخبرك أنه يجب عليك أن تبقيها هكذا. تسأله:
"إلى متى؟"
"ساعتين حتى يزول التخدير."
الرؤية لديك غير واضحة. تشعر أنك تحجب جزءا عن العالم عنك. ترى كل شيء ولا شيء في نفس الوقت. تسأل الطبيب:
"كيف سأقود سيارتي للبيت هكذا؟"
"أوه. صحيح."
لا تسمح ل"أوه" الثانية أن تطيل المقام. تنزع الضمادة من عينك وتقول:
"البيت يبعد أربع دقائق فقط. سأكون بخير"
يعطيك الطبيب مربعات شاش إضافية. تعلم أن لديك لصقة في البيت والشيء الوحيد الذي يقلقك هو كيف ستأخذ طفلك من الروضة في طريق سيزدحم بعد ساعتين. ترمش عينك اليسرى وتضع يدك برفق على اليمنى وتردد أنك بخير وأنك ستصل البيت بسلام. لا تفتح موسيقى أو كتاب صوتي كعادتك أثناء ركوبك السيارة. أربعة دقائق هي وقت مثالي لسماع أغنية وحيدة. لكنك لست في مزاج لسماع "في سعادة" نانسي حوا، "بابا أوتي" ساتروماي، "أصغر كمان في العالم" لأيه جي آر. إذا لم تقف في الثلاثة إشارات، ستصل في ثلاث دقائق مما يجعل أغنية أي جي آر مثالية للمشوار.
تقود نحو البيت، تمسك المقود باليد اليسار وتضع يدك على العين اليمنى، ثم تدعها وتمسك المقود باليدين. تشعر برمشك للعين اليسرى، ومع كل رمشة، تشعر بعجز اليمنى. كلما شعرت بضبابية عينك اليمنى، تسكتها برفق براحة يدك. تقول لنفسك أن البيت قريب. مررت من إشارة ولفيت نحو اليسار. مشيت للأمام وتوقفت عند إشارة ثانية. بقيت إشارة واحدة، واحدة فقط ثم تنعطف لليمين وتقترب من مجمعك السكني. لا تعلم إن كان الأفضل إبقاء الشريط اللاصق على العين والقيادة بعين واحدة، أم أن تقود بعينين، أحدهما معطوبة؟

أيام صباك، كنت تلعب مع أصدقائك لعبة بلا اسم. يدان تغمض عينيك بلطف دون أن تدري وعليك أن تخمن الشخص الذي عادة ما يكون ظهوره غير متوقع. تذكر أنك شعرت بالسعادة لرؤية صديقتك التي انتقلت لمدرسة أخرى ثم فاجأتك بهذه الحركة. غيابها لأكثر من عامين جعلك صامتًا، ولم تخمن اسما عشوائيًا. تذكر أنك شعرت بسعادة غامرة لأنك رأيتها.
سمعت عن مبتعث في أمريكا سافر لوطنه ليفاجئ والده. توفي الوالد بسكتة قلبية عندما رآه وأصبح المبتعث معروفًا في وسطه الاجتماعي ليس بأب الخمسة أبناء، ولا بتخصصه في الهندسة، وإنما بالذي قتل أباه، وعلمت وقتها لماذا والدك وصاك ألا تظهر أنت وإخوتك فجأة دون سابق إنذار. تدرك أنه مر أكثر من عقدين ونصف منذ أن رأيت الصديقة التي أغمضت عينيك. في الحقيقة كانت صديقتك المقربة في المرحلة الابتدائية ولم تعد كذلك. لكنك ستسعد إن وضعها القدر في طريقك، لكن لا أظن أنك ستحب أن تمسك عينيك، ليس بعد اليوم.
تسأل الطبيب عن الاسم العلمي لهذه الحالة. يخبرك أنها تعرف بلاجوفثالموس، أي: عدم القدرة على إغلاق الجفون إغلاقًا كاملًا.تعود الكلمة إلى الأصل اليوناني: lagos (أرنب) و ophthalmos (عين)، لأن الأرانب تبدو وكأنها تنام وعيونها مفتوحة جزئيًا. تحدث هذه الحالة عندما لا تعمل العضلات أو الأعصاب المسؤولة عن إغلاق الجفن بصورة طبيعية، وغالبًا ما يرتبط ذلك بتأثر العصب الوجهي. فلذلك تبقى العين مكشوفة جزئيًا، مما قد يسبب جفافًا وتهيّجًا لأن الرمش الطبيعي يساعد على ترطيب العين وحمايتها. يخبرك الطبيب أنها حالة مؤقتة، لكن وقتك وأطفالك وكونك في دولة بعيدة عن زوجك وأهلك وأصدقائك، تجعل من عدم القدرة على الرمش إعلان لحالة طارئة، وأنت وحدك، من عليه أن يدبر الأمر.
صغيرك ما زال في الروضة وستقفل بعد ساعتين.
ساعتان هو الوقت الذي قال لك الطبيب أن عليك أن تنتظر حتى يزول التخدير.
تساعدك ابنتك على غلق عينك بالشريط الطبي اللاصق. تذكر القلق على وجهها وكلمتها : "ماما، شكله مره سيئ." تقول أنك ستأخذ غفوة لمدة ساعة على أمل أن تعود العين لطبيعتها، وتؤكد عليها أن توقظك إن لم تستيقظ على صوت المنبه. تقول لها أنه في حالة أن العين لم تطب، عليها أن تذهب معك لأخذ طفلك، أن تكون هي عينك اليُمنى. أنت لست صديق القيلولة، ليس بعد أن أدركت بركة البكور وراحة النوم المبكر الذي في بعض الأحيان يسبق نوم أبنائك. لا تنام على سريرك لأنك لا تريد الراحة التامة أو الاستغراق في النوم، ولا على مخدتك من ريش النعام، بل في الصالة على كنبة لشخصين. تتقوس وتغطي نفسك ببطانية و تطلب من ابنتك أن تأتي وتتأكد أن عينك اليُمنى مغمضة.
"يس. يلا لازم تنامي."
البيت هادئ. طفليك الصغيرين لم يأت موعد عودتهما للبيت بعد، وابنك ذو الخمسة عشر عامًا لم يلق بالا لما حدث كونه على جهاز كمبيوتره يلعب لعبة إلكترونية مع أصدقائه. تحمد الله على ابنتك، الوحيدة ضمن ثلاثة أولاد. سميتها على اسم جدتك لتحقق أمنية والدتك. تستيقظ، وتزيل الشاش واللصقة من عينك. تسمع شهقة فرح من ابنتك وهي جالسة على الكرسي أمامك، وهي تقول:
"ماما، الحمدلله تقدري ترمشي عينك."

ترمش مرة أخرى. تمسك بعينك. تخر ساجدًا، وتأخذ مفتاح السيارة. لازلت تشعر بثقل في عينك، وتخدير فمك سيستمر حتى المساء. تتأمل كيف أن النبي أطلق على العين اسم الحبيبة، وأنك لم تستحمل فقد الإحساس بها. ترمش مرة أخرى، وتعود للطريق. بعد دقائق ستفتح ذراعيك لطفلك وسيترك القطار الخشبي الذي بيده ويجري نحوك. سترمش عينك مرات أخرى ويصبح الرمش تلقائيا، لكنك في اليوم التالي وقبل أن تغمرك مهام اليوم، تتوقف وتحمد الله بصوت مسموع على العين التي ترمش، والرجل التي تمشي، واليد التي تتحرك، على العقل الذي يهدي، وعضلات الوجه التي تبتسم، على أطفالك، على الحياة، والسيارة التي تقودها، ثم تبدأ يومك.

فاطمة الحارثي مؤسسة ورئيسة تحرير مجلة سرد أدبي. حاصلة على الدكتوراه في الكتابة الإبداعية من جامعة ولاية فلوريدا. تكتب المقالة الذاتية والقصة القصيرة ونشرت عددا منها في مجلات أمريكي

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page