أتختار حياةً تسيرُ كما خططت لها، أم حياة تكون سعيداً بها بالرغم من عدم سيرها بالطريقة التي ترغب بها؟
هيا التميمي
في بعض الأحيان، يأتي الاحتراق من تلك الحياة التي خططنا لها ثم وصلنا لها، ذاك الاحتراق الذي يُجبرك على ترك تلك الحياة و الانكماش على نفسك لتُصبح شخصاً يأساً وحزيناً على الرغم من أن حياتك الجديدة و البسيطة تلك قد تكون سبباً في سعادتك لو أعرتها بعضاً من اهتمامك. ربما تشعر بأن حياتك التي لم تعد تُشبهك هي نهاية العالم، ولكنها في الحقيقة قد تكون بداية لشيء آخر، لحياة تناسبك و تليق بك بشكل أفضل.
رواية "عودة الربيع" للمؤلفة اليابانية الشهيرة مايكو سيو والتي نُشرت سنة ٢٠١٤ هي رواية قصيرة من ٢٠٠ صفحة لكن برسالة جميلة جداً، فيها ذلك الاقتباس الذي جعلني أتفكر طويلاً حيث قالت:
"شُعورك بالسعادة يكفي، حتى وإن لم يكن بمقدورك العيش وفق الحياة التي خططت لها"
نعم، الشعور بالسعادة يكفي، أليست السعادة سبباً كافياً لنستمر بالعيش؟ أم أن المخططات والأحلام حتى وإن أرهقتنا تظل أفضل من تلك السعادة؟
يعتقد الكثيرون أن السعادة بالإنجازات هي الأروع والأفضل ولكنها مؤقتة، وليستمر ذلك الشعور الجميل، تجدنا نحاول ونجاهد فوق طاقتنا وننسى تلك السعادات الصغيرة من حولنا كزيارة مقهى جديد يقدم قهوة لذيذة أو العمل مع مدير طيب القلب وحنون أو حتى تلك الساعات المحدودة التي تمارس بها هواياتك بعيداً عن ضجيج الآخرين.
كان لبطلة الرواية حُلم. كانت ترغب في أن تكون معلمة رائعة ومحبوبة بين طُلابها، كانت تتمنى أن تكون ذات أثر، وفعلاً حصلت على تلك الوظيفة التي لطالما حلمت بها ولكن الصدمة كانت أن ذلك العمل لم يكن سهلاً بقدر ما تخيلته، لقد كانت تحاول و تحاول دون أي جدوى.
اسم بطلة الرواية "ساكورا"، كانت تعمل في مدرسة ابتدائية في قرية بعيدة عن أهلها، لم تمانع ساعات العمل الطويلة ولا العمل بعيداً لأن التدريس كان حلم حياتها، أحبها الأطفال واحبتهم كثيراً، كانت تلعب معهم وتتحدث معهم كصديقة أكثر من كونها معلمة وكانت تساعد كل من يحتاج إليها ولكن في الوقت نفسه كانت تُحمل نفسها فوق طاقتها، الاعتناء بطفل واحد متعب ومرهق للغاية فتخيل معي فصل مكون من ٣٠ طالب تقريباً وكل واحد منهم يريد الحديث أو اللعب أو إطلاق الدعابات.
وفوق ذلك، كلاً منهم لديه مشاكله الخاصة ولكونها معلمة طيبة القلب أكثر من اللازم أرهقها هذا كثيراً مما أدى لاحتراقها الوظيفي وتركها تلك الوظيفة التي لطالما حلُمت بها.
بعد عدة سنوات، تقدم لها رجل يدير محل حلويات يابانية شعبية، وأصبحت هي كذلك تعمل معه في ذلك المتجر الصغير.
قبل زِفافها قابلت شاباً أصغر منها بأكثر من عشر سنوات يُصر على أنه يعرفها وكان متعجباً من نسيانها له، عندما تسأله عن اسمه يرد عليها ويقول "أنت تمزحين، أليس كذلك؟" ثم يقوم بتغيير الموضوع. كان شاباً غريب الأطوار ومهما حاولت الابتعاد عنه تجده في طريقها دائماً. الغريب أن لا أحد من عائلتها يعرف هذا الشاب ولكنها تشعر أنها قد رأته من قبل، تشعر أنها قد قابلته سابقاً ولكن أين؟
مع الوقت بدأت تتعرف إليه بشكل أفضل فهو بشوش ولطيف وكان يتمنى من كل قلبه أن يراها سعيدة وأن تتحسن علاقتها مع خطيبها.هي لا تعرفه، ولكنه كان يعرف كل شيء عن ساكورا وعن ماضيها المُظلم في المدرسة وعن احتراقها الوظيفي، لكنه مازال مصراً على المراوغة عند سؤاله عن اسمه.
في نهاية الرواية نكتشف أن هذا الشاب كان طالباً في فصلها، وقد تغيرت حياته للأفضل بسببها. فهي كانت المعلمة الوحيدة التي تعاملت معه بطريقة طيبة وحنونة و حاولت مساعدته للتغلب على خجله ومخاوفه. ولهذا كان يرغب برد الجميل إليها. أن يُريها أن هناك سعادات صغيرة حولها كالعمل البسيط الذي قد يبدو بلا قيمة ولكن يجلب لها راحة البال، كالزوج الهادئ والمنغمس في عمله لكنه مُحب لها في كل الأحوال، وكالاستمتاع باللعب في مدينة الألعاب على الرغم من كونها في منتصف الثلاثينات.
و أراد منها أن تعرف أن ماحدث لها لم يقلل من قيمتها إطلاقاً.. وفوق ذلك، هي لم تُخفق كمعلمة بل على العكس لقد أدت عملها على أكمل وجه.
تعلمت ساكورا الكثير بفضله، وكان للشاب تأثير إيجابي على خطيبها كذلك.
هل تعرفون معنى اسم "ساكورا" باللغة اليابانية؟
هي أزهار الكرز التي تُزهر في وقت الربيع ولهذا سُميت الرواية "عودة الربيع"، فبطلة الرواية ساكورا التي كانت حزينة و فارغة أزهرت من جديد وعادت للحياة.
لو أن ذلك الفتى أخبرها آن ذاك بتأثيرها عليه، هل كانت ستستمر في وظيفتها؟ قطعاً لا.
والسبب يرجع لكونها آنذاك منغمسة في الوصول وتحقيق أهدافا أخرى في نظرها قد تجلب لها السعادة.
لقد مررت بذلك الاحتراق شخصياً قبل سنة، لذا وأثناء قراءتي لماضي البطلة ومعناتها وأثناء كتابتي لهذا التقرير، كنت أشعر و كأني البطلة نفسها.
كنت أعمل وأعمل وأعمل، حتى تمكن الاحتراق مني. في آخر سنوات عملي أصبح العمل أصعب وأصبح تقدير الآخرين أقل وحتى عندما يقدرني أحدهم، لم أشعر بشيء، كما حدث مع ساكورا.
لم تكن مشكلتي في صعوبة العمل بل على العكس كُنت استمتع بحل المشاكل التي تواجهني لكني بالكاد كنت أسمع كلمة شكر واحدة لذا اتخذت قرارًا حازماً بترك العمل.
مشكلتي لم تكن بالعمل نفسه، بل على العكس كنت أحب عملي لكن مشكلتي كانت في نظرتي للحياة بشكل عام وفي ربطي السعادة بالإنجاز وتقدير الآخرين.
كان العمل في الماضي يجلب لي السعادة، إلى أن ربطتُه بقيمتي. إلى أن أصبحت أعمل وأُنجز ليقال عني كذا وكذا.
قرأت هذه الرواية باللغة اليابانية ولعل القراءة بهذه اللغة هي احدى السعادات الصغيرة بالنسبة لي، فلا شيء يضاهي القراءة بلغة يندر القراءة بها واكتشاف الكثير من الكتب الرائعة الغير مترجمة من خلالها.
هيا التميمي كاتبة سعودية و قارئة نهمة بثلاث لغات، مهتمة بالأدب الياباني الغير مترجم وشغوفة بالتعلم من كل نواحيه، لديها خلفية في الترجمة و البرمجة و إدارة الأعمال. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس @glow_learns