top of page

شوارع المدينة

د. خالد الشريف


كانت رائحة الياسمين الصناعي في "معطر الجو" الرخيص تختلط برائحة التبغ العتيقة في سيارته، حين فُتح الباب الخلفي. لم يلتفت "محمود" كعادته، بل ثبت نظره على المرآة الأمامية، ينتظر وجهة الراكب. لكن يديه تجمدتا على المقود حين رأى انعكاس وجهها.
هي. "ليلى".
لم تتغير ملامحها كثيراً، سوى أن النظرة المنكسرة التي كانت تميزها قديماً استُبدلت بقناع من الجدية والبرود.
كانت ترتدي وشاحاً يحمل شعار "حملة المهندس عاصم.. لمستقبل أفضل".
عاصم، الرجل الذي سيصبح عمدة المدينة، والزوج الذي اختارته ليكون بديلاً عن "سائق تاكسي" لم يكن يملك سوى أحلامه وشوارع المدينة.
أغلقت الباب برقة لا تناسب ضجيج الشارع، وقالت بصوت خافت وهي تحدق في نافذتها الجانبية:
-"إلى مقر الحملة الانتخابية في حي النرجس، من فضلك".
لم تنظر إليه.!
لم تلتقِ عيناها بعينيه في المرآة ولو لثانية واحدة.
تحاشي البصر كان اعترافاً صامتاً بأنها عرفته، وأن الذاكرة لا تزال حية تحت هذا الرداء الرسمي.
انطلق محمود بالسيارة في المدينة التي يجوبها مرتين يومياً، مرة تحت شمس الصباح الحارقة ومرة تحت أضواء المصابيح الباهتة، بدأت تتحدث إليه كل زاوية، كل رصيف، كان يهمس بذكريات قديمة.
عاد به الزمن عشر سنوات.
كانت ليلى حينها طالبة في كلية الآداب، تحمل كتبها وتقف عند المحطة بانتظار الحافلة التي تتأخر دائماً.
في ذلك الوقت، لم يكن يملك سيارة أجرة، بل كان يقود سيارة والده المتهالكة ليوفر مصاريف دراسته.
يتذكر أول مرة ركبت معه. كانت تمطر، وكانت هي تبحث عن مأوى.
-هل يمكنك توصيلي للجامعة؟" سألت بخجل. في تلك الرحلة، لم يتحدثا عن السياسة أو المال، بل تحدثا عن الروايات التي تحملها، وعن حلمه في أن يصبح مهندساً معمارياً يبني بيوتاً لا تسقط، وعن حلمها في أن تغير العالم بكلماتها.
توالت اللقاءات. أصبح محمود "سائقها الخاص" غير المعلن. في المقعد المجاور له، وليس الخلفي، كانت تضحك وتشاركه شطيرة جبن بسيطة.
كانت المدينة بالنسبة لهما مجرد حديقة كبيرة، والأزقة الضيقة كانت مخابئ لوعودهما.
تنهد محمود وهو يتجاوز إشارة ضوئية. نظر في المرآة؛ كانت ليلى لا تزال شاردة، تعبث بملفات الحملة في حجرها.
تساءل: هل تتذكرين ذلك الزقاق الذي توقفنا فيه حين تعطل المحرك، وقلتِ لي إنكِ لا تهتمين بالمال طالما نحن معاً؟
تغير كل شيء حين ظهر "عاصم". لم يكن عاصم مجرد منافس، بل كان يمثل كل ما لا يملكه محمود: النفوذ، المال، والقدرة على "تعبيد الطرق" حرفياً ومجازياً.
والد ليلى، الرجل الذي كان يرى في الفقر مرضاً معدياً، دفعها نحو عاصم.
يتذكر ليلى في لقائهما الأخير، كانت تبكي، لكنها لم تكن تقاوم.
- "محمود، الحب لا يبني بيوتاً في هذه المدينة"،
قالتها وهي ترحل. ومنذ ذلك اليوم، قرر محمود أن يفهم المدينة بطريقته. ترك دراسة العمارة التي لم يعد لها معنى، واشترى هذا التاكسي، ليصبح هو جزءاً من أسفلت الشوارع، يعرف خباياها، عيوبها، والمناطق التي تغرق مع أول قطرة مطر.
كانت السيارة تمر الآن بالحي الشعبي "الدويقة".
كانت ليلى تنظر بامتعاض إلى القمامة المتراكمة والشوارع الضيقة التي بالكاد تتسع للسيارة.
كسر محمود الصمت بصوت هادئ، ولكنه حاد:
- "المهندس عاصم يقول في برنامجه إنه سيحول هذا الحي إلى منطقة سياحية، أليس كذلك؟"
جفلت ليلى. رفعت عينيها قليلاً لكنها لم تلمس عينيه. أجابت بنبرة رسمية:
-"نعم، الخطة تشمل إزالة العشوائيات وبناء مجمعات حديثة".
ابتسم محمود بسخرية وهو يتفادى حفرة عميقة يعرف مكانها بالسنتيمتر.
"المدينة لا تحتاج لمجمعات حديثة يا سيدتي. المدينة تحتاج لقلب.
عاصم يريد إزالة الناس، لا إزالة العشوائيات. هو يرى هذه الشوارع أرقاماً في حساباته البنكية، لكنني أعرف أن هذا الشارع بالذات يرفض الغرباء.
الأرض هنا لها ذاكرة، ولن تقبل بمغتصب يلبس بدلة أنيقة".
صمتت ليلى. بدت يدها ترتجف وهي تمسك بالمنشور الانتخابي الذي يحمل وجه زوجها المبتسم بجدارة زائفة.
وصلت السيارة إلى حي النرجس، حيث القصور والأضواء الساطعة. توقف محمود أمام بوابة ضخمة مزينة بصور عاصم.
فتحت ليلى حقيبتها لتخرج المال.
"لا داعي.. الحساب مدفوع منذ سنوات"، قال محمود بمرارة لم يستطع إخفاءها.
هنا، ولأول مرة، التقت عيناهما في المرآة.
كان في عينيها انكسار قديم، وفي عينيه كبرياء جريح. شعرت بالخجل من الوشاح الذي ترتديه، من الدور الذي تلعبه في مسرحية "المرشح الفاسد".
قالت بصوت مخنوق: "المدينة ستنتخبه يا محمود، الجميع يريد التغيير".
رد محمود وهو ينظر إلى الشارع الممتد أمامه:
- "المدينة قد تصفق له في الميادين، لكنها في الليل، في أزقتها المظلمة التي لا يزورها أمثاله، ستقذفه بعيداً. عاصم لا يعرف أن هذه المدينة عصية على البيع، تماماً كما ظننتِ يوماً أن قلبي عصي على النسيان".
نزلت ليلى من السيارة دون كلمة أخرى. وقف محمود يراقبها وهي تدخل المقر، تبدو ضئيلة جداً وسط الأضواء الزائفة.
أدار محمود محرك التاكسي. ضغط على دواسة الوقود، وعاد إلى شوارع المدينة التي يحفظها.
غداً ستجري الانتخابات، وعاصم يظن أنه ملك المدينة، لكن محمود، الذي يجوب الشوارع مرتين يومياً، يعرف أن المدينة تستعد لقول كلمتها..
وأن الفساد مهما تجمل، لن يجد له مستقراً في ذاكرة الشوارع الأصيلة.

أ.د خالد حسن بكر الشريف أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية في جامعة الإسكندرية.


© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page