سادية طبيب العيون
محمد الحسين
في ذلك اليوم والأيام التالية كان الأطباء في عدة عيادات ومستشفيات لطب العيون في العاصمة قد تلقوا اتصالات غريبة. كانوا قد تلقوا جميعا منذ الصباح اتصالات مكثفة ومتعددة تتضمن أسئلة مكررة ومن شخص واحد. كانت الأسئلة جادة، صدرت من صوت أجش لشخص اتضح لهم لاحقا أنه صوت امرأة. سئم الجميع من شرح عمليات العيون لهذه المرأة وتكلفتها وكم تستغرق ونوع الأجهزة المستخدمة وأسئلة حول الاحتياطات والمحاذير ونسبة الأمان في العملية. كانت الأسئلة مكررة ولكن كان هناك شيء جعلهم يمدون حبال الصبر وهي أن صاحبة الاتصال كان لديها حسا فكاهيا باهرا، مما جعلهم لا يترددون عن سماع أسئلتها والرد عليها بالتفصيل، بل كان بعضهم يظل منتظرا اتصالها.
كانت روحها مزج غريب من روح ساخرة وأسلوب فكِه ولكن يشوبه شيء من الاضطراب. يتذكر زملاؤها في الجامعة بأنها كانت من النوع القلق الذي نادرا ما تستمر في علاقاتها مع الزملاء فهي تارة مندفعة وتارة حذرة وأحيانا تكون مترددة. لم يجزم أحد منهم بأنها فهمها كما يجب، لكنهم يتفقون بأنها كانت طيبة القلب ولا تضر أحدا.
كانت هي في صبيحة ذلك اليوم تسوق خطواتها في تردد إلى ذلك المستشفى الأنيق. وهو المستشفى الذي قرأت عنه واختارته على علم بعد طول بحث وتقصِّي. الرغم من أنها لا تحب الذهاب إلى الأطباء أو المستشفيات ولكنها اليوم قررت أن تركل هذا التابو بعيداً وتذهب. كانت منذ يومين قد قررت أن تحسم هذا الأمر. ما جعلها تتخذ قرارها بالحضور هو أنه قد صارت لديها مشكلة مزعجة في النظر، وزاد الطين بلة أنها صارت تواجه مواقف محرجة بسبب ذلك. كانت قد قضت عدة أيام مؤخرا وهي تبحث فيما يشبه الوسواس عن أفضل أطباء العيون وأفضل المستشفيات. وأخيرا بعد طول بحث وتردد وقع اختيارها على هذا المستشفى.
إن مجرد حضورها هنا اليوم يعتبر في حد ذاته إنجازا وخطوة متقدمة للخروج من هذا النفق. كانت أحيانا تبرر خوفها من مراجعة الطبيب بأن ذلك موضوع لا يد لها فيه، وأنه يرجع لعوامل وراثية. كانت عندما تجد نفسها في موضع يحتاج للتبرير لوقفها من الذهاب للاطباء فإنها تستنجد على الفور بجِدتها (أم الخير). كانت جدتها أم الخير مثلها الأعلى عندما تبرر عدم ذهابها للطبيب. كانت جدتها أم الخير فعلا مضربا للمثل فهي لم تتناول قرص بندول طيلة حياتها ولم تذهب لأي مستشفى ولم يلمس يدها طبيب إلى أن توفّاها الله في عمر الثامنة والتسعين.
صارت في الأشهر الأخيرة لا تستطيع القراءة بشكل مريح حتى في وجود النظارة. وأصبح الأمر يؤثر على جودة الحياة بالنسبة لها وهي التي تحب القراءة والاطلاع. صارت مؤخرا تبعد الصحيفة أو المجلة بعيدا عن عينيها حتى تستطيع تبيُّن الحروف. منذ شهور صارت تضطر كلما دخلت محلاً تجاريا به أبواب زجاجية لأن تمد يدها أمامها حتى تتأكد من أن الباب الزجاجي مفتوح أم مغلق. ضحك عليها مرة صاحب أحد المتاجر عندما شاهدها تمد يدها بينما كان الباب مفتوحا. فصارت من بعد ذلك تنتظر أن يدخل شخص أمامها لكي تعرف فيما إذا كان الباب الزجاجي مفتوحا أم مغلقا.
ما أزعجها أكثر أنها لاحظت منذ فترة أن حروف الكتابة صارت تبدو شبه غائمة أمام ناظريها. ولم تعد قراءة الكتب والمجلات التي تحبها متعة غير مريحة كما كانت. لم يعد الأمر كما كان من قبل حتى شريط الأخبار في شاشة التلفاز صارت تراه شبه هلاميا وأن الكلمات تتراقص أمام عينيها فاضطرت لان تضع كرسيا قريبا من التلفاز وهو ما لم تكن تفعله من قبل.
عندما وصلت إلى صالة الاستقبال، دخلت وأخذت رقما حسب التوجيهات المكتوبة في اللافتة. القاعة الصغيرة صامتة إلا من أصوات حركة الأقدام، أو كلمات وإيماءات تنِم عن الضجر من طول الانتظار. نظرت إليها الممرضة ذات الجسم الرشيق التي لم يرفع الرجل النحيل نظره عنها. مرت الدقائق بطيئة قبل أن تناديها الممرضة الرشيقة. أعطتها ملفا وأشارت لها في جفاء بالذهاب إلى غرفة الفحص. أكملت الفحص وتوجهت إلى غرفة الطبيب.
حينما دخلت غرفة الطبيب لاحظ الطبيب أن المريضة تبدو مرتبكة أو مشوشة التفكير وهي تسوق خطواتها في تردد. ابتسم مستقبلها بعبارات ترحيبية لا تخلو من لمسة مهنية. ردت بابتسامة شبه مصطنعة، فهم منها أن ابتسامته قد ضلت الطريق. أخذ منها الملف وأشار لها بالجلوس على الكرسي، فجلست وهي شبه منكمشة. قرأ الورقة التي في الملف، ثم أخذ منظارا يدويا لفحص العين. اقترب منها وهو يحاول أن ينظر داخل العين بالمنظار اليدوي. بعد دقيقتين أو ثلاثة وجّه الممرضة بوضع قطرة في العين. اقتربت الممرضة منها، ثم طلبت منها وهي ممسكة بقارورة قطرة العيون أن تميل برأسها للخلف. نقطة واحدة باردة سكبتها القارورة جعلت المريضة تجفل وتمسح عينها تلقائيا. نظرت الممرضة إليها في ضيق مرسلة نظرة زاجرة، ثم أعادت سكب القطرة. ثم طلبت منها الممرضة الانتظار في الصالة الخارجية قليلا إلى أن يسري مفعول المخدر. رأتها الممرضة تخرج وهي شبه مستاءة، فتبادلت الابتسام مع الطبيب.
بعد قليل تم النداء على اسمها فدخلت إلى الطبيب. طلب منها الجلوس في الكرسي وطلب منها وضع رأسها داخل جهاز فحص النظر. عندما أدخلت رأسها ارتبكت قليلا عندما شعرت ببرودة الجهاز.
-ضعي ذقنك هنا! ضحكت عندما طرقت أذنها كلمة(ذِقنك). حاول أن يخفف من توترها فقال لها:
- على راحتك، على راحتك.
بدت له وهي منكمشة ورأسها داخل جهاز الفحص كأرنب برِّي. مرت دقائق من الصمت وهو ينظر داخل الجهاز متفحصا عينها. شعرت بأن دقات قلبها وصدى أنفاسها مسموعة بوضوح. تذكرت في تلك اللحظات أنه قريب جدا منها لا يفصلها عنه سوى سنتمترات. فحاولت أن تتنسى ذلك بالتفكير بعيدا، لكنه فجأة سألها:
- لماذا تأخرتِ؟
جاءها السؤال مباغتا كسهم. ارتبكت، وشعرت بزيادة دقات قلبها. سألت نفسها، هل معنى ذلك أن هناك خطورة ما، أم أنه مجرد سؤال روتيني؟ هل يعني ذلك أن هناك تقصيرا من جانبها؟
قادها سؤاله ذلك إلى التفكير في الباعث على السؤال. هل نوع من السادية المتخفية؟. خلال المرحلة الجامعية كانت تستهويها موضوعات علم النفس، وقراءة الروايات البوليسية وقصص الجاسوسية والمغامرات. كانت قد وجدت أثناء قراءتها بأن سلوك الإنسان يكون متأثرا بشكل كبير بما ترسب لديه في عقله الباطن من عُقد الطفولة. وأن هذه العقد تظهر لاحقا في شكل اضطرابات أو عُقَد نفسية قد تزعج الآخرين أو يتضررون منها. هل سؤاله المباغت هذا يدل فعلا على أنه سادي؟ كانت تود أن ترد عليه بأنها أجلت زيارتها للطبيب عدة مرات بسبب أنها تعاني من "رُهاب الأطباء". لكنها تراجعت حتى لا تشبع غروره المهني. تذكرت أن السادية والتنمر لم يعد الناس يرونهما عُقدا مرضية كما كان في السابق بل صارت صفة ملازمة للكثيرين.
تساءلت إلى أي حد مطلوب منا كمرضى أن نراجع سيرة كل طبيب لنتفادى تنمُّرَهم أو ساديَّتهم؟
في تلك اللحظات التي كان الطبيب يفحص العين كانت هي تتساءل في قلق عما قد يكون قد وجد في عينها.
فإذا كان الأمر مجرد تغيير نظارة فالأمر بسيط. لكنه بالتأكيد لن يتركني أغادر دون أن يخترع لي شيء لكي أدفع، فالأطباء هذه الأيام صاروا منافسين خطرين للتجار على جيوب المرضى.
مرت دقائق أخرى.
- ترى ماذا وجد؟
-هل أذكر له عدد من صاغوا القصائد في جمال عيني، والذين تغزلوا فيهما، تلميحاً أو تصريحا؟ بالتأكيد لن يصدق.
بعد قليل أزاح النظارة من وجهه ثم قال:
-تحتاجين لعملية ساد!
- ساد؟
- أيوة.. ساد. يعني موية بيضاء...
لاحظت التشابه بين كلمتي السادية (الساد) والسادية
- لا حول ولا قوة إلا بالله
منذ أن رأته لأول وهلة لم ترتح له ولا لابتسامته اللزجة. لكنه قال لها:
- موضوع بسيط.
- حسبي الله ونعم الوكيل
-احمدي الله أنها ليست جلوكوما.
ثم مد لها ورقة كان يكتب عليها.
- استخدمي هذه القطرة لمدة أسبوع. وجهزي نفسك، وراجعينا في مدة لا تتجاوز الشهر..بس رجاء لا تتأخري.
أقلقتها الجملة الأخيرة، ليته لم يقلها لها، فهو لا يعرف أنها موسوسة إلى أي حد.
خرجت من الطبيب وهي في أقصى درجات القلق والإحباط. كانت تقول في نفسها أنها لم تكن تتوقع أن يقرر لها الطبيب إجراء عملية. في الحقيقة هي أحيانا تكابر، وتجيد خداع النفس لدرجة بعيدة وتعيش هذا الدور تماما...ركبتْ التاكسي وجلست في المقعد الخلفي، ثم بدأت تستعيد أحداث وكلمات الدقائق الماضية. استغرقها التفكير والهم ولم تحس إلا عندما توقفت العربة أمام البيت.
طوال فترة الأسبوعين ظلت مشغولة بشدة في البحث عن أي معلومة عن عملية الساد هذه. كانت تقضي الساعات الطوال وهي تبحث في الشبكة العنكبوتية عن معلومات عنها. النتيجة أنها أصبحت لا تقل عن أي طبيب معرفة بجراحة الساد وما يتعلق بها، وكم تستغرق وما هي نسبة مخاطرها، وأكثر المشكلات التي تحدث خلال العملية وبعدها. في سبيل جمع المعلومات تعرفت على أفضل الأجهزة لإجراء العملية، وأفضل مستشفيات العيون وأشهر أطباء العيون في العالم وأشهر. لما انقضت فترة الأسبوعين كانت قد عرفت كل شيء عن العملية، وظلت بعد ذلك عدة أيام لتقنع نفسها بأن الموضوع أشد بساطة وأمن مما تخاف منه وتحذر.
بعد انقضاء فترة الأسبوعين اتصلت بالطبيب هاتفيا وأخبرته بأنها جاهزة للإجراء الجراحي..رد عليها الطبيب بأن برنامج العمليات مزدحم وأن أقرب موعد لإجراء العملية بعد اثني عشرة يوما. أردف الطبيب قائلا لها بأن يوم غدٍ هو اليوم الوحيد الذي يوجد فيه فرصة لإجراء العملية فإذا كانت مستعدة فلتحضر الآن لإجراء الفحوصات ترتيبات العملية. بعد دقيقة من انتهاء المكالمة وجدت نفسها تسابق الريح لتذهب للمستشفى، وقد تبخر كل أثر لخوف أو قلق.
في اليوم التالي، وفي حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا كانت هي المريضة الوحيدة التي تخضع لعملية. لذلك كان كل كادر المستشفى حضور. كان الجميع يراقب العملية منذ أن استلقت على المنضدة الجراحة. مرت الدقائق بطيئة بالنسبة لها حينما كان جهاز (الفاكو) يقوم بتفتيت أكثر العدسات عنادا. وكانت تردد بصمت ما وعتها ذاكرتها الممتلئة من أدعية وآيات. كان الطبيب يؤدي عمله بإتقان وهو يعرف وسوسة مريضته وخوفها. انتهت المرحلة الأولى من الجراحة بتفتيت العدسة ثم بدأت مرحلة تثبيت العدسة الصناعية. لم تستغرق العملية أكثر من نصف ساعة..
نهضت بعد العملية وعينها مغطاة بالشاش. كان القلق لازال مقيما حتى بعد أن طمأنها الطبيب بنجاح العملية.
في اليوم التالي عاودت الطبيب حسب التوجيهات وتم فك الشاشة من العين. لم تصدق حينئذ أن قلق الشهور السبعة قد انزاح. نظرت إلى الطبيب بامتنان، وخجل مكتوم كأنها تعتذر عن سوء ظنها السابق. شكرته بشدة ثم خرجت بعد أن ودعت الطبيب والكادر الطبي المساعِد فردا فردا. ثم وسط انشغالهم خرجت خلسة دون أن ينتبه الجميع دون أن تستمتع لإرشادات الطبيب الوقائية. أما بالنسبة لها فلم يكن ذلك مهما فقد صارت ملمة بكل ما يتعلق بجراحة الساد، عندما اطلعت عليها في الشبكة خلال الأسبوعين الماضيين.
كانت تحس وهي خارجة من المستشفى كأنها خرجت من السجن أو تخلصت من قبضة مارد مخيف.
طوال الطريق كانت تستعيد تلك اللحظات. خجلت من خوفها وابتسمت. تذكرت الطبيب بابتسامته البشوشة ومعطفه الأزرق عندما أزال الرقعة اللاصقة من عينها وهو يشير لها بأصبعيه بعلامات النصر. كانت صورة ابتسامته المشجعة لا زالت ماثلة في خيالها، تأكدت بعد فوات الأوان بأنها ابتسامة حقيقية وغير متكلفة كما ظنت من قبل.
في مساء ذلك اليوم تلقت المستشفى والطبيب وكادر التمريض رسائل شكر مكللة بالورود ومليئة بالقلوب، ومعها صورة عين كبيرة. وظهر في اليوم التالي في صفحة تقييمات المرضى والمراجعين (الرفيو) في المستشفى في اليوم إشادة كبيرة بالطبيب وبالمستشفى وبالكادر العامل بها.
وفي نفس اليوم تفاجأ صديقاتها وزملائها القدامى وحتى من كانت تراهم ثقيلي الدم منهم برسائل موردة ومعها عبارات مُبهِجة من صديقة وزميلة قديمة كانت مثيرة للجدل كادوا أن ينسوها. علقت زميلة سابقة لها مع إحدى زميلاتها وهي تضحك: مجنونة!
محمد عبد الله الحسين كاتب سوداني. عمل مترجما وإداريا. مهتم بالثقافة والأدب والتاريخ. حاصل على الدكتوراة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية. مقيم حاليا في قطر.يمكن متابعة حسابه على منصة إكس@mohamma01586445