الذهب الأبيض
د. محمود عساف
كانت أيّامًا مقصوفة، لا رحمة فيها ولا مطر، لا طيّب فيها سوى أمّه، ولا جميل سوى وجهها وأنفاسها الطّرية.. القهر يأكل قلوب الرّجال، والعجز يسور أجسادهم، والجوع يمزّق أمعاء الصّغار، والعطش يجمّد العروق. وفوق هذا كلّه، الخيمة تصبغ ألوانها الباهتة على الجلود. المكان كلّه قالب زبدة كبير، اختلطت جزئياته بالغبار، النّاس عازفون عن كلّ شيء، يراودهم الموت على أنفسهم بلا هوادة.
آلام الظّهر تفتّت عظم رشيد، والآه تخرج من صدره مرهقة، وكأنّ المسامير زرعت في عموده الفقري ولا علاج في المشافي سوى الموت. بصوت خافت ينادي على ابنه أحمد.. أحمد، تعالَ ساعدني على الجلوس، هاتِ يدك.
أحمد الّذي شتّت عقلَه النّزوح، وأكل قلبَه صوت القذائف، وقضت على مستقبله مغامرات السّاسة المراهقين. جاء مسرعًا، وما إن مدَّ يده ليسند ظهر أبيه، حتّى تراجع رشيد عن الجلوس راخيًا جسده على الأرض من شدّة الألم.
- نادِ يا أحمد على جارنا "أبو أمين" واستأذنه في أن يعطيني حقنة الدّيكلوفين.
صرخ أحمد بصوت كالحشرجة، صوت ضعيف خرج وقد أراده مدوّيًا: أمين.. أمين.
جاء أمين إلى حدود الخيمة (السّاتر)، وعاد إلى والده الّذي وافق متعذّرًا بصعوبة قدرته على المشي؛ كونه من ذوي الأوزان الثّقيلة.
ساعد أمين أحمد في تعكيز رشيد للمشي عشرة أمتار لخيمتهم، وما إن دخلوا حتّى نهض أبو أمين من مرقده كاللّحم المكوّم على نفسه. وصل رشيد والألم والقهر يتنازعان على ملامحه، ألقى التّحية، وألقى بجسده على نصف كرسي (بلا ظهر) وبدأ أبو أمين بتحضير الحقنة، وما إن وخز بها رشيد حتّى شعر باستقرار في الألم.
الآن فقط يمكنه التّحدّث.. الآن يمكنه أن يسأل عن الحال.. الآن يمكنه أن يقدّم الشّكر.
- كيف حالكم أبا أمين؟
- أيّ حال يا أبا أحمد؟ السّواد يزحف على كلّ شيء، يقتحم أرواحنا، الموت يحاصرنا ويداهمنا من كلّ حدب وصوب.
- الحال واحد يا جار، كان الله في عوننا.
- لم يعد باستطاعتي أن أشتري الدّقيق، الأولاد لم يتذوّقوا الخبز منذ ثلاثة أيّام، والجوع ينهش ملامحهم.
لم تغيّر كلمات أبي أمين من انطباعات رشيد عن الحياة الّتي بدأت في إحكام حلقاتها، فهو يشعر من قبل أنّ الكون كلّه يعاديهم.
عاد إلى الخيمة، تداعب رأسه فكرة ملائكية، وهي أن يقسم ما عنده من الدّقيق (5 كيلو جرام) بينه وبين جاره، وبعد حديث بطيء مع زوجته، الّتي لم تعارضه وقالت: صدقة، لعلّ الله يشفيك بها.
انتظر الصّباح بفارغ الصّبر الذي أكل قلبه على مدار عام كامل، بعدما أفقده النّزوح كلّ الاختيارات وأصبح أسير الأيّام المتطابقة. وعند السّادسة بتوقيت القصف، نهض من فراشه المهترئ وكأنّ تحسّنًا طرأ على صحّته، لا يدري هل هو بفعل الحقنة أم بفعل حسن النّية.
نادى من وراء السّاتر.. أمين.. أمين
- أعطني من عندكم وعاءً كبيرا، وغرَفَ من الدّقيق ما يعادل نصف الكمّية، وناوله إيّاه قائلاً: لا تنسونا من الدّعاء.
نظرات أمين متذبذبة، لسانه متردّد وكأنّه لم يصدّق أنّه يمكن أن يقدّم أحدٌ – هذه الأيام- الدّقيق للجائعين، وفجأة ابتسم وكأنّ فرحة الأرض انسكبت على وجهه، وأسرع إلى أمّه، الّتي بدأت ترصّ الدّعاء بالخير لرشيد رصًّا.
حين شمّ رشيد رائحة الخبز، شعر وكأنّ حياة أخرى يعيشها لا يعرفها سواه.
كانت الدّهشة عند منتصف النّهار، حين جاء اتّصال لرشيد من شخص لا يعرفه اسمه سعيد، يدّعي أنّه من متابعيه على مواقع التّواصل الاجتماعي، وأنّه من المعجبين بكتاباته الّتي تحاكي الواقع بلا زيف أو تجميل، وأنّ أخاه يعمل في مؤسّسة (المطبخ العالمي) وقد حصل على كيسين من الدّقيق (يزن الكيس الواحد 25 كيلوجرام)، ويرغب في إهداء رشيد واحدًا منهما.
وما إن شكره رشيد، وسأله: كيف يمكنني الحصول عليه، حتّى أعرب سعيد عن رغبته في زيارة رشيد، وأنّه هو من سيقوم بجلبه.
خفق قلب رشيد، وكساه غطاء من الإيمان لم يعهده من قبل، ونادى على زوجته وأولاده يبشّرهم، ولسان حاله يردّد بلا ريب (فعلاً الحسنة بعشرة أمثالها).
استغراب يحوم بينهم، ونظرات ممزوجة بالسّعادة متبادلة يمسّها شغاف السّعادة، وكأنّها تقول: العبد في التّفكير، والرّب في التّدبير. وما هي إلاّ ساعة، حتّى جاء سعيد بعد عدّة محاولات لتوصيف المكان، يجرّ كيس الدّقيق على عجلة هوائية، يكفّنه بغطاء أسود كي لا يعرف المارّة ما يحمله من كنز فيتعرّضون له.
رحّب رشيد بسعيد، وشربا الشّاي معًا، بعدما جهّزه رشيد على نار الحطب (بسبب انقطاع الغاز) تبادلا الحديث عن هموم الحياة لبعض الوقت، ثمّ غادر سعيد ولم يعد.
د. محمود عساف أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي المساعد، عضو اتحاد الأكاديميين الفلسطينيين، ونقابة المدربين الفلسطينيين، عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وعضو الاتحاد الدولي للغة العربية. حاصل على منحة وزارة التربية والتعليم العالي للبحث العلمي للعام 2014، وجائزة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للإبداع والتميز2020، ومنحة اللجنة الدولية للصليب الأحمر البحثية 2020، وجائزة الأستاذ الدولية للإبداع الفكري الدورة الأولى 2021-2022، والمركز الأول في جائزة الياسين الدولية للبحوث العلمية عام 2022. له (15) كتاب في مجالات التربية والتعليم العالي، (3) كتب أدبية (روايات) ونشر (85) بحثا في مجلات علمية محكمة. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس massaf1000@