top of page

ذيب بن وحش

شروق العتيبي

في البداية كنا نعتقد بأن هذه الكلمة لا تعني إلا ظاهرها أي أنه طبق الأصل عن أخواله!
لكنها كانت طريقة أمي في البوح لنا بسرٍ لم نكن نعلمه عن أخينا الأصغر ذيب.
منذ وُلد ذيب ولدت معه قوة سكنت عيني أمي، المرأة التي لم يكن لها صوت ولدت صوتها.
أصبحت تضحك ولكم يسعدنا أن تضحك هذه القسمات السمحة، كانت تبدو وهي جامدة كتمثال وكلما كبر ذيب كبرت معه رغبة أمي بالحياة.
كنت في منتصف العشرين عندما بلغ ذيب أشده. أذكر ذلك الصيف بوضوح لأننا أمضيناه رغمًا عنا في المزرعة. لم تستمع أمي لمناشدة أيًا منا بالبقاء في المنزل، حتى أبي الذي لا ترفض له طلبًا رفضت أن تجامله بردٍ يطيب خاطره.
جلسنا سويًا في ليلة قمراء متحلقين حول أمي ورأس ذيب في حجرها، نستمع لحكاياتها والتي تبدأ بنسختنا الخاصة التي تحاكي فيها كان يا ما كان قائلة "أحاجيكم بحجيات ذيبٍ سرى بشويهات."
وحينما غفى ذيب قالت أمي: "ذيب بن وحش."
ارتعدت لأن نغمةَ صوتها لم تتسق مع المعنى. كان أقاربنا يمازحونها أحيانًا بالإشارة لهذه التسمية وكانت تنفجر "من غير شرٍ على أبوه" وفي هذه اللحظة تنسب ذيب لها دون غضب وبنبرة صوت طَربة.
سرى الليل وذهبت للنوم يأكلني قلقي وأدير فكري فيما حصل دون أن أستدل على ما أربكني، على ما أثار في هذا التوجس.
استيقظت تلك الليلة لأن عواء لم نعهده كان يقلق ظلمة الليل، لم يكن أبي معنا ولكن أمي تجيد استخدام البندقية إن لزم الأمر.
تبعد الديرة عنا نصف ساعة وحسب إن تمكنا من إيجاد اتصال جيد سيأتي أبي، لكن العواء ابتعد وخفت صوته وعدت للنوم لساعة وكسور أفزعتني بعدها عودة العواء واقترابه لكأنما يقف هذا الذئب الجريء عند عتبة الباب، لكن عواءه هذه المرة حزين، اتجهت كي أتحدث مع أمي لكنها لم تكن في غرفتها. فتشت كل الغرف برعبٍ أعمى.
وأخيراً وجدتها مستندة على الباب الرئيسي وظلٌ تكوم في الجانب الآخر من الباب، ظلٌ يرتفع ويهبط.
كانت تبكي وأمي لا تبكي، حتى في عزاء جدي لم تبكي.
جاء الفجر وأنا أرهف السمع لأفهم لكن أول صوت سمعته بعد صياح الديك كان مزلاج الباب تعالجه يد أمي بالتأكيد وخطوات تلج للداخل. توجهت لباب غرفتنا الموارب وحاولت رؤية ما الذي سيحدث الآن. كانت أمي تقود ذيب المغطى بلحاف لغرفته ومن ثم عادت لغرفتنا. لم أحاول العودة لسريري. فتحت الباب واستقبلتها فقالت:
"قومي خواتك ورانا فطور"
كان يومٌ طويل وكانت وجبة الإفطار تلك آخر ما أكلنا فيه. توفي أبي عندما توقف قلبه رعبًا لمرأى الذئب الذي مزق خالي الأخ غير الشقيق لأمي، الأخ الذي كرس حياته لينغص عليها الحياة غادرنا مصطحبًا أبي.
طال الحداد وشملنا كلنا واعتزلنا ذيب الذي لم يعد يتحدث كالسابق وأصابه ولع وحشي بالصحراء والصيد. أصبحنا نراه مرة واحدة كل شهر وكان لونه يزداد سمرة وكأن الشمس تسومه بعلامة تنسبه لها.
هجرنا الصبي ذو الخمسة عشر عامًا دون ضجة لكنه واصل العودة ولو لوقتٍ قصير.
كُبرنا وكبرت أحلام أخواتي ولم تعد تسعها الديرة لكن ذيب لم يكبر عليها بل كان يغيب في وديانها ورمالها.
خاض مع أمي حديثًا طويلًا كانت نتيجته بأننا سننتقل ولن يتغير شيء سيظل ذيب حرًا وأخواتي سيدرسن. كان واضحًا في رفضه فكرة البقاء معنا، وأوجع هذا الرفض أمي. لم أدرس ولم أتزوج وبقيت أرقب حياتنا وهي كالنسيج المغزول مرة بحذر ودقة ومرة بعجلة ولامبالاة، وأعيد رتق ما نسلته الأيام منا.
وخلال تلك السنوات كان كل من يتعرض لأمي ولنا بسوء يتخطفه موتٌ وحشي كعيني أمي واسمها.
أمي القوية كظاهر اسمها والمعروفة بحدة عينيها، الأعين التي كانت السبب في تسميتها لم تعد قوية كالسابق وكأن السنوات تأكل من قوتها لا من عمرها.
دخل ذيب في أحد الأيام فرحًا ينادي:
"يا عين الوحش يا غزيل"
طربت أمي لسعادته والتي كان سببها أنه وجد أخوالنا أو بالأصح أخوال أمي في تلافيف الصحراء وأخذها ليلتم شمل العائلة. كانت أمي قد هجرتهم عندما توفيت جدتي وهي طفلة لأن جدي لم يبذل جهدًا في تعقبهم فماتت معه سبل الوصول إليهم.
وحش لم تعد وعاد ذيب وحده. لا غرفة له في منزلنا الجديد ينام على مطرحة يحضرها معه وفي الليل يحلم ويعود للعواء.

شروق العتيبي أخصائية علاج وظيفي تعمل في مجال الطب النفسي. مؤسسة نادي الكتابة "الفصل الأول" في مبادرة غير ربحية لتعليم الكتابة الإبداعية وإثراء المحتوى المحلي وخلق مجتمع كتابة يدعم فيها الكتاب بعضهم. كتبت قصص مصورة للأطفال وتكتب السيناريو. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس @shrooqwrites

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page