top of page

ظلٌ يمشي بين الناس

هدى الرابحي

لم يغلق له جفن أو يسكن له بال، قضى الليل بطوله يفكر، ولربما كانت تلك هي آخر ليلة سيفكر فيها. حين أشرقت الشمس، تسلل نورها من نافذة غرفة نومه؛ ذلك النور الدافئ بدا كبصيص أمل يغزو غرفته القاتمة، لكن النور كان ضئيلاً جداً لا يسعه أن يوهمه بآمال زائفة. أنزل ستار النافذة كأنه يرفض قدوم الصباح. هو شخص جبان يهاب الضوء لأنه يوقظ إحساسه بمرور الوقت، إلا أن الوقت يمر رغماً عنه؛ حتى لو كان هو واقفاً سيمر الوقت بجانبه ويحييه أو يصفعه، لأن الوقت لا ينتظر أحداً. الوقت كرفيق تمشي معه بلا توقف، و في لحظة تنحني لربط حزام حذائك فينسلّ عنك و لا يمهل سيره، وتقضي ما تبقى من عمرك مهرولاً خلفه، على أمل أن تدركه.
أنار مصباحاً صغيراً بجانب سريره، فوق الطاولة توجد مذكرة من جلد النعام، من الواضح أنها لم تُستعمل من قبل، هي هدية كان يصونها لأكثر من ثلاث سنوات، لم يجد يوماً كلمات جديرة بالكتابة عليها، ولهذا احتفظ بها طوال تلك السنين منتظراً أن يأتيه وحي جدير بمذكرة كتلك. شرع في تدوين شيء ما عليها، تبدو كرسالة بدون عنوان. عندما فرغ وضعها في مكان يسهل إيجادها به واستلقى فوق سريره الذي كان لا يزال دافئاً. حدق في السقف وللوهلة أحس كأنه يقترب منه ويوشك أن يقع. في طفولته كان دائماً ما يتخيل له أن السماء ستسقط فوق رؤوسنا يوماً وهكذا سينتهي العالم، أما اليوم فليس خيال الصبى ما يجعله يفكر هكذا وإنما هي تلك الأدوية الكثيرة التي يتناولها بشكل مفرط بعيد عن الانتظام، خلد للنوم كمحاولة يائسة منه ليحارب تلك الهلوسات.
تلك كانت مرة من المرات النادرة التي ينام فيها دون ضبط منبه لإيقاظه. حين استيقظ تبادر لذهنه أنه في يوم عطلة وأن لا شيء ينتظره، لذلك كان يفعل كل شيء ببطء شديد. لسوء حظه، بطؤه لم يحل دون احتراق قهوته، وعلى غير عادته لم يمانع ذلك؛ فلو لم يكن اليوم هو اليوم الموعود لترك تلك القهوة وتوجه للمقهى على ناصية الشارع ليطلب فنجانين قهوة ويضع واحداً قبالته ويحتسي الآخر. أما اليوم فالأمر مغاير تماماً؛ فقد قضى صباحه نائماً ولم يستيقظ حتى الرابعة مساءً. أراد أن يشرب قهوته في شقته كطقس وداع يحيي به منزله ولربما يودع به الحياة.
أخذ من الثلاجة علبة كرتونية صغيرة ووضعها فوق المائدة؛ كوب قهوة في صدر الطاولة قبالته والآخر على يمينه، وعلى يساره العلبة التي اتضح أنها تحوي قطعة بقايا كعكة، فالبارحة كان عيد ميلاده وأقام له زملاؤه حفل ميلاد بسيطاً. تظاهر بالسرور وحاول إبداء امتنانه. لم يكن الحفل هو ما فاجأه بل كان اهتمام زملائه المفاجئ؛ في واقع الأمر دائماً ما يثير الاهتمام ريبته. إلى جانب الكعك تجاورت في العلبة شمعتان على شكل ست واثنين، كان الكعك ألذ مما كان عليه البارحة؛ شخص مثله يتلذذ بكل شيء بشكل مضاعف حين لا يكون محاطاً بالآخرين. عندما فرغ من الأكل ذهب ليتفقد كلبه، كان صحن طعامه فارغاً. ملأ الصحن بطعام الكلاب، لكنه لم يكتف بذلك فحسب، بل أخذ بعض أواني الطعام ـ صحون، زبديات، طناجر من مختلف الأحجام ـ وملأها كلها بالماء والطعام ووزعها في كل أرجاء المنزل، ثم لاعب الكلب قليلاً.
وقف عند الباب لهنيهة وأوسع النظر في شقته؛ هناك كلبه مستلقٍ فوق الأريكة المتوجة بقرابة ست وسائد، وطاولة خشب القيقب المغطاة بقماش مطرز. في غرفة المعيشة كرسيان اثنان؛ كرسي خشبي هزاز وآخر جلدي. على الحائط قبالة الأريكة علق التلفاز الضخم الذي لم ينتهِ من دفع أقساطه بعد. أجال نظره في العلو أركان السقف كانت عفنة بفعل الرطوبة لأن النوافذ لم تفتح طوال فصل الشتاء المنصرم.
بيت مليء بذكريات قد صارت بعيدة بعد الألف والياء. أدخل يده في جيبه وأخرج ولاعة وعلبة سجائر لم يتبق فيها سوى سيجارتين بعدما دخن معظمها الليلة الفارطة. لوهلة خطر بباله أن يضرم النار في الشقة؛ في قرارة نفسه اعترف أن هذا الخروج درامي جداً. سيكون من الساخر أن يختار نهجاً تفاداه طوال حياته في لحظة كتلك. النار هي أكثر شيء عطشان للاهتمام، وهذا ما يكرهه، فهو لم يلبس يوماً اللون الأصفر فقط لأنه يجلب الأنظار رغم أنه كان لونه المفضل، يصعد السلالم بسرعة كي لا يلتقي جارته المهذارة التي يحس في سؤالها عن أحواله بشيء من النفاق الاجتماعي الذي تربت عليه هي ومعظم بنات جنسها. كان دائماً ما ينفر من الأحاديث العابرة، يكره عندما يسأله سائقو سيارات الأجرة ـ من باب التهذيب ـ لماذا هو متوجه لمكان ما. يزدري مواعيد طبيبه النفسي، حيث يفرض عليه الجلوس في غرفة الانتظار والإنصات لأحاديث ربات البيوت الواقعات في أسر أزمة منتصف العمر، أسفل العمارة يوجد بائع سجائر، رجل متوسط السن متوسط الحجم مسهب في الكلام. اشترى منه مرتين فقط، ففي المرة الأولى سأله لماذا انتظر أكثر من عام منذ أقام في العمارة دون أن يشتري منه، وما إذ كان حديث العهد بالتدخين، بالطبع لم يكن صادقاً معه، أخبره أنه لا يدخن وأن السجائر يقتنيها لضيف جاءه. في المرة الثانية سأله ما إن كان على علاقة بشخص ما لأنه يرغب في إيجاد صهر لابنة أخته اليتيمة التي أنهكته بمصاريف إقامتها في بيته. منذ ذلك اليوم لم تطأ قدماه ذلك الدكان وصار يمشي شارعين لكي يشتري سجائره.
في هذه الفترة من حياته لم يكن في الواقع مهتماً بالحديث بأي نوع كان، كان يحتقر الجنس البشري وبالأخص نفسه. خرج من الشقة وترك الباب مفتوحاً، أخفى المفتاح تحت بساط الباب وهبط السلالم؛ بالضبط أربعٌ وثلاثون درجة، لتوه قام بعدّها وهو شيء رغم بساطته استمر في تأجيله منذ انتقل لذلك المنزل. دائماً ما ظن أن لديه الوقت لعد الدرج، فذلك الحيز الزمني هو كل ما كان يملك. كان يؤمن بأنه لو أقدم على فعل كل ما يسعى له سيخلد للنوم يوماً ولن يرغب في الاستيقاظ بعد؛ بالنسبة له الرغبة في الحياة تحركها الرغبة في تحقيق الأهداف. لذلك كان دائماً ما يترك شيئاً ليتطلع له، لا ينام إلا وهناك شيء يبتغي القيام به غداً، إلا في الليلة السابقة رغب في شيء واحد وهو إنهاء رغباته.
قبل أن يخرج من العمارة ترك بابها مفتوحاً هو الآخر. أول ما خطا خارج المنزل رفع رأسه إلى فوق؛ كانت السماء صافية بشكل غير متوقع رغم أن المطر لم يتوقف طوال ذلك الأسبوع، توقع هطول المطر و مع ذلك لم يحمل معه مظلة، ولم يخش البلل الذي ترقبه، لم يخش الإصابة بنزلة برد هو الذي كان في وقت مضى يولي صحته اهتماماً كبيراً، لكن الكون كان عطوفاً معه؛ لم تمطر طوال ذلك اليوم. علاوة على ذلك انساب في السماء مزيج من اللونين الوردي والبرتقالي.
التفت فرأى شجرة الصفصاف العملاقة. في أول أيامه في هذا الحي كان دائماً ما يتوه وكانت تلك الشجرة هي التي تعيده إلى المنزل. شجرة وحيدة حتى العصافير نادراً ما تزورها؛ كل ما حولها يموت ببطء بدخان السيارات، إلا هي بقيت صامدة أمام التغيير. يتغير سكان الحي وتتغير الأزهار البرية الموسمية حولها لكنها تبقى خضراء، أغصانها تحاذي الأرض كملاك قصت أجنحته. جميلة حتى وإن كان مظهرها يوحي بالضعف. قضى ما يقارب الست دقائق يتأملها؛ سحره النور الذي يعبر من بين أغصانها، بدت كسيدة خجولة ومرحة، كلما مرت بها نسمة ريح تدغدغها. لم يتأملها عن كثب قبل اليوم؛ يراها دائماً من أعلى الشرفة، لكنه كان يخشى أن يقترب و يحدق، فماذا سيظن الناس؟ غريب أطوار تجمعه علاقة مريبة بشجرة! يتفهم الناس حبك للأشياء المحببة اجتماعياً كقطط الشوارع، لكنهم ينفرون منك إن حدث وأحببت دودة أرض. الأمر سيان مع الأزهار والأشجار.
مشى ورأسه مرفوع إلى السماء، ينظر للأفق ولا يهمه إن تعثر. لم يبالِ بآراء الناس حول رجل ينظر للسماء بشكل لافت. حين حنى رأسه رأى شخصاً متسولاً اتخذت المعاناة من وجهه ملجأً؛ شاباً قوي البنية، ذو ملابس رثة، يرتدي سروال جينز ممزقاً من مكان لا يجدر أن يكون به ثقب، من الواضح أنه لا يتبع صيحة موضة معينة. لربما كان هذا المتسول ضحية؛ فمن يدخل يده في جيبه من أجل رجل أقوى منه؟ كل من مر به اتهمه بالكسل واشمئز منه في باطنه.
المتسولون، حتى وإن كانوا في قاع الهرم، هم فقط القادرين على أن يُشعروا كل من مر بهم بعظمة لحظية؛ يصلي الناس من أجلهم ويصلون لأنفسهم لكي لا يبلغوا منزلتهم. أن يحس الإنسان أنه شخص طيب وكريم ويعطيهم من ماله هذه أكبر هدية يقدمها المتسولون للمجتمع؛ أن يذكروا الناس بأن مشاكلهم هينة أمام أشخاص يفترشون الكرتون وينقبون في النفاية على كنوز من أمشاط شعر أو مرايا مكسورة.
أدخل يده في جيب بنطاله وأخرج حفنة فيها كل نقوده ووضعها بجانب المتسول، ثم نزع سترته الجلدية ووضعها فوق كتفيه. أكمل طريقه وهو ينتظر أن يغمره إحساس بالسخاء؛ ذلك الإحساس الذي يخجل الإنسان من الاعتراف به، لكنه كان قارورة فارغة لا حلو فيها ولا لاذع.
مشى لدقائق تتبع وهو لا يزال يترقب لحظة اشتغال أحاسيسه، لم يحالفه الحظ؛ لا شيء في حوزته، لا ندم ولا كرم. قضى ما تبقى من طريقه إلى موقف الحافلات وهو يحدق في أعين المارة؛ لا يشيح بنظره لأكثر من خمس ثوانٍ، يحدق حتى يملّ وجه الشخص وينتقل إلى ضحية أخرى. كان يعلم أنه بهذا الفعل الضئيل يسبب إزعاجاً كبيراً للناس، لكنه لم يهتم؛ طالما أراد أن يدرس أعين البشر، دائماً ما منعه الخجل، اليوم هو يوم تحقيق الأحلام، فلن يكون هناك غد ليحققها.
حين وصل لموقف الحافلات وقف منتظراً لبرهةٍ، ثم تذكر أنه لا يملك ثمن التذكرة. أراد أن يمشي كل تلك المسافة حتى يصل وجهته، لكن الحافلة أتت قبل أن يتخذ قراراً، فركب من الباب الخلفي دون دفع ثمن التذكرة؛ لم يفعل هذا منذ كان في الثانوية حين كان يذهب رفقة زملائه للبحر ويدخنون الماريجوانا. لم يخف أن يضبط متلبساً، إذ كان كسر القوانين سيكون الثمن لإرجاع مشاريعه، فهو ثمن أقل ما يقال عنه إنه زهيد.
حدث ما كان متوقعاً؛ ضبطه مفتش التذاكر، وقف بجمود دون أن يجيب سيل أسئلة الرجل الغاضب. تدخل أحد الركاب؛ رجل طاعن في السن ودفع الغرامة بدلاً عنه. رغم ذلك لم يشكره؛ اكتفى بهز رأسه وابتسم ابتسامة مقلوبة وأشاح بوجهه.
فجأة أحس بشيء ما، لم يعرف ماهية شعوره آنذاك؛ هو نفسه إحساس المتسول حين قدم له المال، مزيج من امتنان وأسف، كانت تلك هي أول مرة يحس بها بشيء منذ أسابيع. قضى بقية الرحلة يحدق عبر زجاج النوافذ، حين مرت الحافلة ببناية سوداء أثر حريق، فاجأه انعكاس وجهه على الزجاج؛ كان وجهه شاحباً كأنه عاد لتوه من الموت لا ذاهب إليه. ازدرى مما رأى: لحية شعثاء، هالات داكنة، وشفتاه جافتان كصحراء الربع الخالي. زجاج الحافلة أراه شخصاً كان يتجنبه لشهور وكأنه يدين له بدين لا يستطيع تسديده، كان قد رمى كل المرايا في منزله، عندما يخرج دائما ما يتفادى أن ينظر إلى زجاج السيارات، حتى إنه توقف عن شرب الشاي فقط لأن الإبريق يعكس وجهه بوضوح؛ يتفادى أي جسم عاكس. من زجاج النافذة لمح طفلين يتناوبان على اللعب في أرجوحة؛ لثانية أحس بدفء الصيف يغمره، ليس أي صيف، بل هو واحد من صيفيات طفولته. كانت له ابنة جيران في نفس سنه وكانت تملك أرجوحة في فناء منزلهم القديم. على تلك الأرجوحة قضى الطفلان ساعات لهو لا تحصى.
ابنة جيرانه كبرت وكبر حبهما؛ درسا في نفس المدارس من الروضة إلى الجامعة، تخرجا وحصلا على وظيفة في المدينة نفسها، بعد سنوات، تزوجا في يوم ربيعي خلاب من أيام شهر مارس، وانتقلا لشقة جديدة في حي مرموق. سلم بأنها ستكون دائماً هناك ولن تفارق جانبه طوال حياته؛ كانت الحياة مثالية، مثالية أكثر مما يسمح به الواقع. غير أن دوام الحال محال، وبدون سابق إنذار مرضت ماريا مرضاً شديداً؛ أخبرهما الطبيب بأنها كانت في المرحلة الرابعة من سرطان الدماغ، وكان الوقت قد فات على إنقاذها. وافتها المنية بعد أحد عشر شهراً من زواجها بحب حياتها. تمنى لو أنها ماتت بحادث سير، فبذلك كان سيكره مخترعي السيارات وسائقيها؛ كان ليقتني دراجة هوائية ويضرب على أي شيء به محرك. تمنى لو أنها ماتت على يد قاتل متسلسل، فبذلك كان سيفني حياته في سبيل الانتقام؛ كان ليجعل من موتها غاية لحياته بدونها.
تذكر ماريا وفجأة أحس بأنه محبوب، أو كان كذلك، وأن ماريا لو بقيت على قيد الحياة كانت لتحبه للأبد رغم عيوبه وشوائبه. هو يحب ماريا ويحب ذكراها؛ لربما كانت تلك نوستالجيا فقط تجعل من البارحة يوماً ذهبياً مشرقاً حتى وإن غرقت قدمك في الوحل أمس. لم يستوعب موتها بعد؛ ما زال يرى طيفها في كل مكان. دائماً ما تقول له طبيبته النفسية إن ماريا التي يحتسي معها القهوة ليست إلا من وحي خياله، وأنها لا تركب معه المواصلات ولا تخرج معه في نهاية الأسبوع للسينما، فلا داعي لأن يشتري تذكرتين.
نزل من الباص في آخر محطة. أحس بملوحة البحر في فمه، اجتاز الرصيف ونزل عبر طريق صغير من بين الصخور وصولاً إلى البحر. كان الغروب جميلاً جداً؛ بدت السماء كلوحة لرسام انطباعي من القرن العشرين. لم يبق من الشمس إلا نصف قرص مستلقٍ فوق خط مياه البحر الزرقاء. كان ممتناً لأن الشمس انتظرته. ودعها وأدرك أن اليوم بهي جداً وأنه سيكون من غير اللائق أن يختمه برئتين امتلأتا بماء مالح.


© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page