خارج المرآة
عبد الله النصر
جلست نوف في المقهى منذ ساعة، أو أكثر، لا تعرف.
الوقت هنا لا يُقاس بالدقائق، بل بعدد المرات التي يُعاد فيها تسخين القهوة، وبعدد الصور التي تُلتقط قبل أن تبرد الرغوة.
كانت الطاولة أمامها تعكس وجهها على سطحها اللامع، انعكاسًا خفيفًا، مشوّهًا، كأن المرآة لم تكتمل.
رفعت الكوب، توقفت، ثم أنزلته.
لم تكن تشتهي القهوة، لكنها احتاجت شيئًا تمسكه، أي شيء يثبت أنها هنا.
في الزجاج المقابل، رأت شابة تمرّ، شعرها منسدلٌ بغرّةٍ قصيرة، نفس الغرّة التي كانت تقصها أمها لها بعناد وهي طفلة.
توقفت الصورة داخلها.
لم تكن تلك الشابة، بل كانت هي، كما كان يمكن أن تكون.
تذكرت فجأة، كانت تحلم أن تصبح رسامة. كانت ترسم الوجوه بلا ملامح، وتقول إن التفاصيل تأتي لاحقًا. لكن (لاحقًا) تأخر، ثم لم يأتِ.
"كبيرة الآن على هذه الأحلام. "
قالها أحدهم ذات مساء، ولم تعترض.
منذ ذلك اليوم، بدأت تمارس حياة صالحة اجتماعيًا، ناجحة على الورق، خالية من الارتجاف.
على الطاولة المجاورة، فتاة تضحك، تلتقط صورة لكوبها قبل أن تشربه.
رجل يتحدث بصوت مرتفع عن سيارة جديدة، عن ترقية، عن أرقام.
امرأة تمر، تحمل حقيبة فاخرة، وجهها متعب كما لو أنها تشتري الأشياء لتبرر يومها.
نوف تراقب. وتشعر بألم خفيف في صدرها، ذلك الألم الذي لا يُشخّص، لأنه لا يظهر في التحاليل.
رأت نفسها فجأة، طفلة تقف أمام مرآة، لا لتتأكد من شكلها، بل من وجودها.
تلمس زجاج المرآة بإصبع صغير، وتبتسم كما لو أن الانعكاس صديقها الوحيد.
الطفلة تنظر إليها الآن، من داخل الذاكرة، بنفس الغرّة، بنفس السؤال.
" لماذا تركتِني؟"
لم يُقل السؤال بصوت، لكنه كان واضحًا. تحاول نوف أن تبرر: الحياة، التوقعات، الخوف، الحاجة إلى القبول.
لكن الطفلة لا تفهم الحجج الكبيرة.
كانت تريد فقط أن تُكمل رسمها.
عاد صوت المقهى. ملعقة تضرب فنجانًا. ضحكة عالية. إشعار يصل إلى هاتفها، عمل، موعد، التزام جديد.
هنا أدركت نوف صراعها الحقيقي.. ليست ضائعة لأنها لا تعرف من تكون، بل لأنها تعرف، ولم تعش ذلك يومًا.
المرآة لم تكن زجاجًا. كانت تأجيلًا طويلًا. أغمضت عينيها، وضغطت أصابعها حول الكوب حتى شعرت بالحرارة.
الألم هذه المرة حقيقي، بسيط، حاضر. قالت في سرّها، لا بوصفه شعارًا، بل اعترافًا متأخرًا:
- لستُ أصلًا ولا نسخة، أنا احتمالٌ أُهمل طويلًا، وأحاول الآن، فقط الآن، ألا أنكسر.
عبد الله النصر روائي وقاص سعودي. حصل على العديد من الجوائز الأدبية داخل المملكة وخارجها. له مساهمات أدبية متنوعة في مجال التأليف المسرحي والقصصي والمبادرات الثقافية. صدرت له أربع روايات وأكثر من عشر مجموعات قصصية، من ضمنها: "يوتوبيا الطين" و "رجال خياراتهم جهنم." يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @a1386alnaser