ما استفدناه أنا والفأر من تحجيم جدتي للمخاوف
آية أيمن
بعد الفجر وقبيل الصبح، كنت أنظر من النافذة، لألمح فأرا يجري بجانب قط شبه نائم، ليفزع القط للحظة، ثم يعمل ساقيه جريا فى إثر الفأر بطول الشارع النائم الممتد.
كان طريفا منظرُ القط الذي فزع لبرهة، مماثلا لمواقف توم وجيري، وأحالنى لبداية معرفتي بالفئران.
ربما كنا نشاهد أحد المسلسلات الصعيدية "الليل وآخره" أو "الوتد." لا أذكر بالضبط، حين أشرت لفراغ ضئيل بين مقعدين وصحت:"فيه حاجة طلعت راسها!"
نظرت لي جدتي مستفهمة، فأردفت:
"حاجة سودا صغيرة طلعت راسها بسرعة ودخلت تاني"
ظللت وجدتي نرقب _من مجلسنا على السرير_ ذلك الفراغ، حوالي ربع الساعة تقريبا، وقد كان لدينا كل الوقت فى العالم، إلى أن أطلت تلك "الحاجة السودا الصغيرة" برأسها مجددا لثوان أطول تبينّا منها عينين مذعورتين، ثم انسحبت إلى الداخل مجددا
نطقت جدتي بالحكم النهائي:
"فار!"
لم أكن قد رأيت _على سنواتي الست_ فأرا من قبل، فبالتالي لم أكن أملك منه موقفا، ولكني مع هدوء جدتي في تعريف الدخيل، ثم عودتها لمتابعة المسلسل، شعرت بأن الفأر لا يقل مسالمة عن القطط الظريفة التي تعودت المكوث بباب البيت ليطعمها خالي الأصغر ويتركني ألعب معها، فوجدتني أهب من جلستي على السرير في فضول لأحظى بنظرة أقرب إلى ذلك الفأر بين المقعدين.
منعتني جدتي بيدها بعد تفسيري المتحمس:
"هشوف الفار."
منعتني كي لا أفزعه فيمعن في الاختباء، وأمرتني أن أفتح شباكا صغيرا فى جانب الغرفة، حتى يخرج الفأر منه في سلام.
انصرفت بالطبع عن متابعة المسلسل، وأخذت أنقل عيني بين فراغ المقعدين والشباك، لالتقاط نظرة كلية على الفأر لحظة أن يخرج من مخبئه. ظللت على هذا الحال إلى أن أرسلتني جدتي لقضاء حاجة من شقة خالي الأكبر التي هي فوقنا.
هناك تعطلت عن مشروع المراقبة المعلق، فقلت أستعجلهم:
"بسرعة علشان ألحق الفار"
استفسروا مني فحكيت لهم. أنهوا قضاء حاجتي ونزلت سريعا لمجلسي، أواصل مشروع مراقبة الفأر.
تبعتني ابنة خالي الشابة. دخلت لتعرض على جدتي بأن تقضي الليلة عندهم، فرفضت جدتي معللة بأنه على إيه يعني كل هذا التهويل.
"يعني هتباتي مع الفار؟"
"هيعمل إيه؟"
فمازحَت ابنة خالي جدتي بأنها لم تكن تعرف أن قلبها جامد لدرجة استعدادها أن تنام في غرفة واحدة مع الفأر.
وسألتنى: "وانت قلبك جامد زي ستك"؟
فأجبت بهزة رأس مع ابتسامة بلهاء: "أيوه."
اعتدت من وقتها ألا أجفل من الفئران، فتعلمت _فى صغري_ تزجية للوقت، بأن أقف في العصاري بشباك المطبخ المطل على المنور، والذي هو بكونه منطقة رطبة شبه مظلمة، تكللها مواسير المياه. موقع مثالي لكي تعشش فيه الفئران، وتستخدم مواسير المياه كوسيلة تنقّل من وإلى أسطح العمارات المتجاورة. كنت أقف أترقب ظهور فأر ما عابر بحركته السريعة على مواسير المياه، ويصدف أن يقف لثانية، يتشمم روائح الطعام من شباك مطبخ مفتوح، ثم يكمل صعوده أو نزوله، أو أن ينتبه لرأسي المطل من الشباك، فيتنصب جذعه في فزع، ثم يهرب في جهة معاكسة بحركات كاريكاتورية تذكرك بأفلام الكارتون التي تمتلئ بشخصيات الفئران، أو خلفيات الطرقات في الأفلام الفرنسية. هذا بالطبع إذا كنت رابط الجأش لم تلجأ إلى الصراخ كرد فعل لحظي على رؤيتك لكائن يصغرك بعشرات الأضعاف، أثار مرآك الرعب فى نفسه، ويملك مئات المبررات للصراخ بعكسك، ولكنك لا تراه يصرخ رغم ذلك.
اعتدت في سنوات دراستي الأولى _كي لا أبدو غريبة الأطوار_ أن أدعي رعبا من الفئران، لأتماشى مع رعب باقي الأطفال حين يهددهم المدرسون ب"أوضة الفيران"، ولم أبتلع يوما _على كوني إلى الآن سهلة الخداع_ حكايات باقي الأطفال عن الطفل فلان ضحية حجرة الفئران جراء عدم سماعه الكلام، وكيف ظل الطفل المسكين يصرخ ويتهرب من أسنان الفئران الحادة الجاهزة لالتهامه. وهؤلاء الفئران آكلو لحوم البشر، كانت أحجامهم فى تلك الحكايات تماثل الكلاب البلدي إلا قليلا _لزوم المصداقية_ . وفي منتصف الحكاية كان يدخل علينا الطفل ضحية غرفة الفئران، ليؤكد قصة الراوي، ويجيب عن أسئلة الأطفال عن أحجام الفئران، مباعدا بين كفيه ما قدر الله له أن يباعد، قائلا بحلفانات واثقة أنهم: "قد كده وحياة دين الكعبة"، ودين الكعبة كان أحد الحلفانات المبتكرة المنتشرة بين جماعات الأطفال الذين عرفتهم في سنوات الابتدائية الأولى، وأذكر منها"وحياة مصحف القرآن"، "وحياة المسلمين كلهم"، وكلها حلفانات براءة اختراعها محفوظة لجماعات من الأطفال فى حواري سكنية بعينها في المحلة الكبرى، من الفترة 2006_2009، ضمانا للحقوق الأدبية، لذا وجب التنويه.
نعود للحكايات عن الفئران آكلي لحوم البشر. كان إذا بدا على وجوه أحد الأطفال عدم التصديق، كان الطفل الراوي ينبري بتصعيدات درامية مفاجئة، فيخرج ساندويتش جبنة "مبلول" من حقيبته، ليقسم على هذه النعمة أن أمه وجدت ذيل فأر كامل فى اللانشون هذا الصباح. وطبعا يصمت الجميع لثوان ذاهلين، وينعم الراوي بتلك التعابير على الوجوه، قبل أن يستطرد بتفاصيل مطولة عن لحظات الاكتشاف، وشكل الذيل وحجمه، وتفاصيل أخرى كانت تتركنا دوما مبهورين.
لم يتوقف أحد منا ليفند الحكايات، والتي أبسطها مثلا أن جميعنا كان يشتري اللانشون قطاعي ، وليس في محيطنا والمحيطات الأخرى بائع يبيع لفة لانشون كاملة، أو على الأقل ليس بالحجم الذى يسمح بوجود ذيل فيه، بالطول الذي أشار إليه الطفل الراوي.
لم نفند ذلك لأننا جميعا_ مصدقين ومشككين_ كنا مستمتعين بسماع وتبادل تلك الحكايات التي تتوفر فيها كل عناصر الإثارة بشكل مجاني، وكنت أستمع مع الأطفال بذهول، وأعود للبيت أحل بعض الواجبات وأتناول الطعام، ثم تزجية للوقت، أقف وقت العصاري في شباك المطبخ المطل على المنور، أراقب الفئران التي تتخذ من المواسير مصعدا عموميا، والتي تُذعَر بشكل طريف لمرآي، والتي لا يتعدى الواحد منها حجم كف يدي إلا ليزيده قليلا.
عاد خالي الأصغر من عمله كعادته فى المساء، لأحكي له بأنفاس مبهورة عن الفأر الذي رأيته يطل من بين المقعدين، وتؤمن جدتي على كلامي، ليخرجنا من الغرفة التي أغلقها حتى لا يهرب الفأر.
قلب خالى أثاث الغرفة كله، ومشط ما تحت السرير بمكنسة خشبية، ليعلن أخيرا أنه لم يجد الفأر.
سألني عما إذا رأيته يخرج من الشباك، فأجبته أن لا.
فأعلن أن ما نعرفه أن الفأر قد خرج، واضعا احتمالات لسيناريوهات خروجه، بينما ابتسمت شاعرة بالأهمية، فأنا الآن أتشارك مغامرة صغيرة مع جدتي، وفأر لم يظفر بمرآه سوانا.
آية أيمن، كاتبة مصرية، نشرت ثلاث مقالات على موقع رصيف 22، كما نشرت ثلاث مقالات مع موقع معازف. يمكن متابعة حسابها على منص إكس AyaAlhanafy@