الآمدي وقصدية النص
أنوار الفرس
ظهر مصطلح عمود الشعر عند الآمدي في معرض حديثه عن موقف من فاضلوا بين أبي تمام والبحتري، ولم يتفقوا على أيهما أشعر "وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة، وذهب إلى المساواة بينهما وإنهما لمختلفان؛ لأن البحتري أعرابي الشعر مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف."
ثم بيّن خصائص شعر البحتري وأبي تمام "فإن كنت أدام الله سلامتك ممن يفضل سهل الكلام، وقريبه، ويؤثر صحة السبك، وحسن العبارة، وحلو اللفظ، وكثرة الماء والرونق، فالبحتري أشعر عندك ضرورة. وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة، التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوي على ما سوى ذلك، فأبو تمام عندك أشعر لا محالة."
ومن هاتين الشخصيتين يبني الآمدي حواره الحجاجي، وقد صرّح بميله إلى طريقة البحتري: "والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني، والإغراق في الوصف، وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني، وأخذ العفو منها، كما كانت الأوائل تفعل مع جودة السبك، وقرب المأتى، والقول في هذا قولهم، وإليه أذهب."
كما حدد الآمدي طريقته في الموازنة "ولكني أوازن بين قصيدة وقصيدة من شعرهما، إذا اتفقتا في الوزن والقافية، وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى."
وبالجمع بين هذه المقولات يتبين أن معايير عمود الشعر عند الآمدي تشتمل على جانبين الأول يختص بالتجنب والترك كتجنب التعقيد، ومستكره الألفاظ، ووحشي الكلام، والصنعة، وشدة التكلف والاستعارات البعيدة، والمعاني المولدة الغامضة، التي تستخرج بالغوص والفكرة، والثاني يرتبط بما هو مستحسن ومرغوب مثل السهولة في الألفاظ والمعاني، وأن تكون قريبة من الفهم، سهلة الإتيان، ويضيف عليها سهل الكلام وقريبه، وصحة السبك، وحسن العبارة، وحلو اللفظ، وكثرة الماء، والرونق.
هذه المعايير تكشف عن ميل الآمدي إلى قصدية النص، فالآمدي باشتراطه سهولة المعاني، وقربها لا يحبذ أن يُعمل القارئ فكره ليستخرج معنى النص؛ وبالتالي فهو لا يطمح إلى الوصول إلى قصد المؤلف الحقيقي، بل يكتفي بقصدية النص، وفي هذه الحالة "يمكن أن نحدد قصدية النص ليس بإضافة هذه القصدية إلى المؤلف الحقيقي خارج النص، وإنما بإضافتها إلى المؤلف الضمني الذي يظهر داخل النص."
والمظهر الآخر لذلك هو عدم سعيه إلى الاستفادة من العوامل المساعدة في التوصل إلى قصد المؤلف، مثل معرفة خصوصية لغة الشاعر، ومذهبه، والسياق الذي قيلت فيه القصيدة، وهذا يؤكد اكتفاءه بقصدية النص.
ويظهر هذا المعنى صريحًا لدى الآمدي في نقده بيت أبي تمام:
الود للقربى ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
"وقال آخر: إنما أخرج أقاربه من المعروف؛ لأنهم في غنى، وسعة بغنائه، وسعة حاله؛ فلذلك أفردهم بالود. قلت له: فإذا كانوا أغنياء بغنائه فقد أوسعهم من معروفه؛ فما كان ينبغي للشاعر أن يشترط للأباعد دونهم. وقلت له: وكيف يُعلم أنهم أغنياء، وليس في ظاهر لفظ البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد. قلت: ليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على ما توجبه معاني ألفاظه."
عدّ الآمدي تأويل من حاول أن يبرر إخراج أبي تمام للأقارب دخولاً في نية المتكلم، وهذا ما لا يبني عليه الآمدي تفسيره للبيت؛ إذ اكتفى بظاهر الألفاظ المعبرة عن قصدية النص، لا عن نية المتكلم.
ومن المآخذ التي أخذها على أبي تمام قوله:
قسم الزمان ربوعها بين الصبا … وقبولها ودبورها أثلاثا
"وبيت أبي تمام لا يحتمل أن يتأول فيه هذه الريح؛ لأنه أراد محو الديار، ولا تذكر في محو الديار، القبول الخفيفة الهبوب الطيبة المس، مع الدبور التي لا تكاد تهب، فإن هبت لم تأت إلا شديدة مزعجة."
يكشف لنا هذا الرأي قدرة الآمدي على التوصل إلى قصد المتكلم في قوله (لأنه أراد محو الديار)، لكنه لا يقبل بهذا القصد؛ فالتعارض واضح بين قصد المؤلف، وقصدية النص لدى الآمدي.
أيضًا يأخذ عليه قوله:
وصنيعةٍ لك ثيبٍ أهديتها ... وهي الكعاب لعائذ بك مصرم
حلت محل البكر من معطى، وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم
ويورد معها احتمالاً في التأويل "فإن قيل: إن أبا تمام لم يرد غير العنس، ولم يرد العانس؛ لأنه لو أراد العانس لكان مخطئاً من وجهٍ غير الذي ذكرته، وهو أن العوان - فيما ذكر بعض أهل اللغة – الثيب."، وينقض هذا التأويل "قيل: هذا غلط من الاحتجاج، وتعسف من التأويل، وإنما يستدل ببعض الألفاظ على بعض، كما يستدل على المعنى بما يقترن، ويتصل به، فيكون في ذلك بيانٌ، وإيضاح."
أكد الآمدي في هذا الرأي موقفه من قصدية النص؛ فهو يرى محاولة الوصول إلى تأويل يطابق قصد المؤلف تعسفًا، ويفضل أن يستدل على المعنى بالألفاظ الظاهرة في النص.
أيضًا قوله:
سعى فاستنزل الشرف اقتساراً ... ولولا السعي لم تكن المساعي
"قوله "سعى فاستنزل الشرف اقتساراً " ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح؛ لأنه إذا استنزل الشرف فقد صار غير شريف."
تعامل الآمدي مع هذا البيت من منطلق قصدية النص؛ فرغم أن غرض أبي تمام في هذا البيت هو المدح؛ إذ أنشدها في مدح مهدي بن أصرم، فإن المعنى الظاهر في النص لم يدل على هذا الغرض.
من خلال ما سبق يتبين أن قصدية النص تمثل معادلاً للالتزام بالمعاني الظاهرة عند الآمدي، التي أبعدته عن قصد أبي تمام، وقيدته بعمود الشعر.
المراجع
أبو القاسم، الحسن بن بشر الآمدي. الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري. تحقيق السيد أحمد صقر. ط5. دار المعارف: القاهرة.
العجمي، مرسل فالح. تيارات نقدية معاصرة. مكتبة آفاق 2011.
أنوار الفرس حاصلة على دكتوراة لغة عربية من جامعة الكويت.