رد مفحم
إي. بي. وايت
ترجمة: لينة سعد
لقد كانت تلك نشوة مباغتة حين يعترضك مقال في مجلة التايمز بمسمّى: "معنى البيض البني."فكيف إذا علمت أن كاتبه رجل إنجليزي يدعى جيه. بي بريستلي الذي جعله أكثر إثارة وتشويقًا، ومريبٌ أن يصادف ذلك عودتي من الحظيرة حاملًا معي نتاج اليوم في تسع بيضات بنيّات.
ففي ظنكم، ما الذي يثقل على رجلٍ إنجليزيّ كي يجد مفتاح الحل لتفسير أمريكا؟ يرى السيد بريستلي أن جواب ذلك يكمن في تفضيلهم للبيض الأبيض. ويصفه بأنه "اكتشاف" يأخذه إلى "العالم الواسع الخفي حيث تُصنع فيه حياتنا." تلك فكرة رائعة، لكن قلما تلقى رجلًا أمريكيًّا يكابد الهمّ لأنه لم يجد لإنجلترا تفسيرًا بعد.
يرى السيد بريستلي أن " نقطة ضعف الحضارة الأمريكية أنها حضارة تجريدية تثير الفضول." وقال إن "في أمريكا يعد البيض البني مستهجنًا، ويباع بسعرٍ زهيد، ويتخلصون منه في أكثر الأحيان." حسنًا إذن، فليعلم أن في إقليم نيو إنجلاند وهو جزء من أمريكا حيث أعيش أنا، لا يعد البيض البنّي مستهجنًا، على العكس، إنه الملك! بل إن سوق بوسطن هو سوق البيض البنّي. ولاحظت في جريدتي الصباحية عن تقرير المنتجات الغذائية أن دزينة البيض الأبيض بالحجم الكبير قد كسب منها الموزع اثنتين وأربعين سنتًا، أما دزينة البيض البني بالحجم الكبير فقد حققت خمسًا وأربعين سنتًا. مستهجن؟ ويباع بسعرٍ رخيص؟ لقد غلب البيض البنّي الأبيض بثلاث سنتات.
وكتب بريستلي أن " الأمريكيين الذين يعيشون بعيدًا عن المناطق الفقيرة يستهجنون البيض البني لأنه يذكرهم بالطبيعة. فالبيض الأبيض يبدو أكثر حسنًا حين يقدم لأطفالهم بكل حب؛ لأن بياضه يعكس نظافته ونقائه." عجبًا! فإنني بإيماني التام أن لكلّ إنجليزيّ حقه في عيش لحظاتٍ من التأمّل والتدبر، وكوني أنا الآخر لست مع الذين يعيشون في المناطق الفقيرة، لكني أرى أن ثمة تفسيرًا معقولًا لانتشار البيض الأبيض وشهرته في أمريكا؛ إن ذلك يعود إلى عمل أنثى صغيرة مشغولة دائمًا واسمها دجاجة الليجهورن. مضطربة ويقظة وأعظم آلة تفريخ تقف على قدمين، وقد جُعل لهذه الدجاجة أن تضع بيضًا أبيض اللون. لم تتوانَ قط عن عملها الدؤوب، ولو أُمرت أن تهرع لإخماد حريق لتريثت حتى تضع بيضها، وذلك يجعلها ذائعة الصيت ومحبوبة عند أصحاب الدواجن في أمريكا الذين يسعون إلى زيادة إنتاج البيض بأقل التكاليف في العلف. وما النتيجة؟ تكدست أعداد هائلة من البيض الأبيض في مناطق واسعة في أمريكا باستثناء نيو إنجلاند.
حين تعود ربة منزل تعيش في نيويورك أو فلوريدا إلى المنزل من السوق حاملةً معها دزينة من البيض، ثم تفتح العلبة لتجد اثنتي عشرة بيضة بيضاء، فهي لم تأخذها لأنها ترى أنها ينبغي أن تكون بهذا اللون؛ إنما تلك طبيعة البيضة نفسها. فالبيضة جسم أبيض اللون. ولو ضلت ربة المنزل طريقها وتوجهت إلى نيو إنجلاند ووجدت بيضةً بنيةً في السوق، فستبدو في نظرها بيضة فيها خلل أو خطأ. وكأنها خرجت من دجاجة ذات علة أو طفرة. أما من وجهة نظر أي أحد من سكان نيو إنجلاند، فالعكس صحيح. بسبب نشأتنا على ذلك الجمال المألوف للبيض الغني باللون البني (الذي أُنتج من دجاج رود آيلاند الأحمر، أو دجاج بلايموث روك المخطط، أو دجاج نيو هامبشير) عندما نزور نيويورك ونفتح علبة بيض ناصع البياض، فإننا نجفل للحظة من المنظر! ثمة خطب ما، أو أن الدجاجة لم توفق في مهمتها. هذا البيض لونه أبيض؛ وعليه فثمة خطأ.
ذكر السيد بريستلي أن " الإنجليز يُفضلون البيض البني"، وذلك "لأنه يعود لحلم الإنجليز الدائم بالانتقال إلى الريف عاجلًا أو آجلًا." وهنا أفهم ما يتحدث عنه، وذلك أن البيض البني يعطي إيحاءً للبيئة الريفية، أو بالأصح أن شكله يبدو "طبيعيًّا" أكثر بسبب صبغته البنية، ولا وجود لبيضة "غير طبيعية" أساسًا. (أنثى الإوز عندي تضع بيضًا لونه أبيض، وأقسم أنه طبيعيّ تمامًا!) ولكنني أرى البيض البني يمتّع لي ناظري. وقد قضيت عمري أربي الدجاج، وأحتضن الصيصان، وأستهلك البيض لنفسي. أشتري الصيصان من مفقسٍ في كونيتيكت. وبعد تجارب عديدة، وجدت أن أفضل بيضٍ بني في العالم هو بيض الكروس الفضي. وهو هجين بين دجاج رود آيلاند الأحمر ودجاج بلايموث روك الأبيض. بيضتها بنية زاهية، ذات جمال بهيّ تعجز الكلمات عن وصفه. وفي كل خريف، حين توضع أول بيضةٍ للدجاجة الصغيرة، أجلبها معي إلى غرفة المعيشة وأعتني بها في منفضة سجائر فخارية سوداء اللون لها شكل رأس البطة، تظل في مكانها حتى عيد الهالوين رمزًا للخصوبة يشيد به من رآه. وبعد ذلك آخذها خارجًا وأستعين بمقولة السيد بريستلي الخالدة، أرميها وأتخلص منها.
لي جارٌ يسكن على بعد ميلين في نهاية الطريق يحلم بشيء أجود وأسمى من البيض البني، ألا وهو البيض الأخضر، وفوق ذلك يعرف دجاجةً تستطيع تحقيق حلمه هذا.
إي. بي. وايت (E. B. White) كاتب أمريكي بارز وُلد عام 1899 وتوفي عام 1985، عُرف بأسلوبه البسيط والدافئ وقدرته على الجمع بين الفكاهة والتأمل الإنساني. كتب مقالات شهيرة في مجلة The New Yorker، كما يُعد من أهم كتّاب أدب الأطفال في القرن العشرين. شارك أيضًا في تأليف وتحرير كتاب «عناصر الأسلوب» (The Elements of Style)، الذي أصبح مرجعًا أساسيًا في الكتابة باللغة الإنجليزية. امتازت كتاباته بحب الطبيعة والاهتمام بالحياة اليومية والعلاقات الإنسانية البسيطة.
لينة سعد مترجمة ومدققة لغوية وعضو فريق التحرير في مجلة سرد أدبي. حاصلة على بكالوريوس الترجمة من جامعة الملك سعود.