نسخ هذال التسعة
فيصل السالم
استيقظ هذّال من حُلم مُفزع كاد أن يجعله يتقيّأ معدته الفارغة. رأى بمجرّد ذهابه إلى الصالة أنه يرى تسعة نسُخ منه، ورأى أنه العاشر، فما كان منه إلا محاولة الإصلاح بينهم وجلوسهم إلى طاولة المفاوضات. لم يستقرّوا في أماكنهم فكانت طبيعتهم أقرب إلى الوحوش منهم إلى نفسه والبشر، فلم يكن لديه الوقت لمحاولة فهم ذلك، كل ما فكّر به هو السيطرة عليهم والزج بهم لطاولات المفاوضات، فالتسعة نُسخ منه صعبة التمييز. كلّ نسخة شديدة التشابه معه، ولا يستطع أن يُفرّق بينهم بمجرّد التفاوض معهم على طاولات المفاوضات. فكّر هذّال في أول طريقة لمعرفتهم هو العبث في أثاث البيت وإعادة ترتيبه،دخل كل حجرات بيته وانقضّ على أثاثها مُحدثًا فوضى عارمة بهدف إشغال نُسخه التسعة ومحاولة التفرقة بينهم والتعرّف على ماهيتهم. عاد إلى بهو المنزل وقال لهم:
"دعوا الشجار وانفكّوا، علينا العمل لنعيد ترتيب المنزل."
ما إن قالها حتى انفكّت أياديهم عن بعضها ووقفوا مُستعدين للعمل، ينتظرون أوامر أدقّ. قالت إحدى النُسخ والدم يسكُب من رأسه:
-"أي حُجرة سأعمل بها أنا؟"
دخل قلب هذّال الخوف من تشابه صوت تلك النسخ بصوته، فحاول إخفاء ذلك الشعور، وأمر كل نسخة أن تدخل غُرفة، فالمنزل كبير، وأمرهم أن لا يلتقوا بنفس الغرفة. ذهبوا جميعًا ماعدا نسخة واحدة قالت:
-"أريد حجرة في الطابق الأرضي، فمنزلك كبير، وأنا مُنهك"
وضع يده على أول ملاحظة بعدم تشابه نسخه وتطابقها، فما كان على هذال إلا أن يقول:
-"سأعطيك حجرة في الطابق الأرضي، ولكن سأعطيك هذا البهو، وهو الأكبر مساحةً بطبيعة الحال، ما رأيك؟"
هزّ رأسه موافقًا على قسمته من ترتيب المنزل هذال وبدأ بالعملوهذال يراقب. لم يكن ينوي الجلوس برؤية تلك النسخة وهي تُشاطره الحجرة. كان يراقب تلك النسخة بهدوءٍ وتركيز. استمرّ عمل تلك النسخة لأكثر من نصف ساعة، فما كان من هذال إلا المراقبة والتسجيل، فطبيعة تلك النسخة التي في البهو أقرب إلى الإنسان البدائي منه إلى الإنسان الحالي. كان يُسجّل كل ما يُشاهده بعد أن جلس واستراح. لم يكن يخشى من هجوم تلك النسخة عليه، استنتج من هذه النسخة أنه بمجرّد إعطائه أمرًا لا يلتفت عما حوله، ولا يُشاهد ما يجري حوله، جرّب أن يسير أمامه لأكثر من مرّة ولكن تلك النسخة التي في البهو لم تلحظ وجوده. نسخة البهو كان يسيل لعابه من الانهماك في الترتيب والعمل. سكب هذّال ماء لكي يسجّل قراءاته حول تلك النسخة، فما كان يسمع تنقيط الماء. أعاد تنقيط قطرات وسكب نصف العلبة التي كان يشرب منها، ولكن نسخة البهو لم تسمع الصوت، ولكنها لاحظت وجود ماء واستغلّته لتنظيف أرضية البهو في يده. كانت يده قوية وصلبة بالرغم أنها تشابه النسخة بكاملها مع هذال. سجّل ملاحظاته حول تلك النسخة التي في البهو وقلب الصفحة الأخرى ناويًا الذهاب لمشاهدة النسخ الأخرى في الطابق العلوي والمطبخ.
رأى نُسخة حجرة النوم تعمل بإخلاص. بعد مراقبة دامت نصف ساعة لاحظ أن عملها أدقّ وأبطأ، وتختلف عن نسخة البهو أن هذه النسخة سمعت سكب الماء ولكنها لم تر هذال، بل إن هذّال أشار بيده لأكثر من مرّة أمام عينيه ولكنه لا يرى ولكن يسمع وقع الصوت. بيد أن النسخة كانت منشغلة في ترتيب غطاء السرير. التفت إلى المرآة ورأى هذال، ثم التفت يبحث عن هذال ولم يجده، ولكن هذال تحرّك من مكانه خشيةً من لكمات هذه النسخة. تسارعت نبضات قلب هذال وعاود الدخول لغرفة النوم ولكنه توارى عن الوقوف مقابل المرآة. بدأ يراقب بصمت وفضول يخالطه خوف. شارفت النسخة على إنهاء تنظيف غرفة النوم وباشرت في تنظيف طاولة المرآة،. وقفت النسخة باحثة عن مصدر وقع أقدام هذال، فما كان على هذال إلا تغيير مكانه قليلًا. رأت النسخة جسد هذال فمسكت زجاجة عطر ورماها بقوة شديدة، ولكن ردّة فعل هذال بإنزال جسده للأسفل ووضع يديه على رأسه كانت كفيلة بحمايته من قطع زجاجة العطر المُتناثرة. أكملت النسخة عملها وتسلل هذال خارجًا من حجرة النوم، حيث ينوي الذهاب إلى غرفة الطعام.
سارع باختبار السمع والرؤية ولكن تلك النسخة كانت لا تسمع ولا ترى ولا تعمل حيث وجد طاولة الطعام على حالها، ورأى جسده يقف أمام الطاولة وملامحه تشي بتفكير عميق وحيرة شديدة. أصدر هذّال أصواتًا كثيرة ليتأكّد من أن النسخة تسمع أم لا ولكن لا إجابة على ذلك. حرّك كفّه أمام تلك النسخة ولكن أيضًا لم تكن ترى. لمس كتف نسخته واستجاب بوحشية محاولًا الإمساك بجسد هذّال ولكن هذّال فرّ سريعًا لمكان آخر. رمى زجاجة ماء على رأسه ليرى ردة فعله ولكنه لم يحرّك إلا يده بإشارة تشي باليأس والقنوط.
ذهب إلى نسخة دورات المياه حيث جفل هذّال من رؤية المنظر، حيث رأى نسخته غارقة في التفكير وهي تملأ حوض الاستحمام ويحرّك بيده جالبًا الماء إلى صدره، فلاحظ أن تلك النسخة لا تسمع ولا ترى ولا تحسّ. دلف إلى غرفة الملابس فرأى نسخته وضعت كل قطعة بمكانها التي يفضّل أن يراها فيه، فوجد أن تلك النسخة ممتدّة على الأرض فلا حياة بتلك الجثّة. دلف إلى كل حجرات الطابق الثاني فوجد أن جميع النسخ مرمية على الأرض ولا حياة فيها، نزل خائفاً إلى الطابق الأرضي بعد أن جلس على أريكة البهو فوجد نسخة البهو تنظر إليه بتمعّن، وتقول:
-"لماذا لم ترَ ذواتك التسعة؟، ولماذا لم تُكمل عملك أيها الجبان، أتخاف من نفسك؟"
تصبب هذال عرقًا ووجد أن ركبتيه بدأتا ترتعدان، وأن جسده لا يُسعفه على الهروب من هذا البيت الذي امتلأ بنسخه العديدة. تصلّبت قدما هذّال بعد أن رأى النُسخ التسعة قادمة سامعًا وقع أقدامها، لم يستطع هذال التحمّل من شدّة ما رأى من هول المنظر، فجميع النسخة يتصبب منها العرق والدم، قالت نسخة البهو وهي تُحملق عتبًا بهذّال:
-"أترقص معنا يا هذّال؟" ثم أردف قائلًا وهو يرفع بصوته ويضرب على الطاولة براحة يده:-"أترقص معنا قبل أن نقتلك؟"
لم يعد لسان هذال قادرًا حمل صدى كلماته، فكان آخر ما رأى هي رقصة نسخه التسعة وهي تطوف متماسكة الأيادي، مشكّلة دائرة حيث توسّطتها نسخة البهو فكان يرقص برعب شديد، وأكملت النسخ الرقص وملامحها تدلّ على الهلع، والخوف، والوحشية. استيقظ ووجد بعض الدم على وسادته تحسس رأسه، وقلبه، ويديه، ثم أنفه. إنه الأنف إذًا، قال لنفسه وتنهد. نفث ثلاثًا عن شماله، وتأكد أن المرآة سليمة، والغرفة كما تركها نظيفة منذ الأمس. دق هاتفه برسالة: "أنتظرك على الفطور. لا تتأخر."
لعن الوحدة ونفض نسخه التسعة.
فيصل منصور السالم قارئ بالمقام الأول، كاتب إن تربّصت به الكتابة. يجد نفسه في ترتيب ما حوله ومن حوله من خلال الكلمات. نُشر له بعض النصوص في منصّات مُختلفة. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @faisalalsalem12