الرسامة
مرام السبيعي
الستائر الملتصقة ببعضها تستعد لـفراق طويل. تبتسم السماء وتشرق الشمس. أتساءل هل كانت علاقة الستائر ببعضها سامة لهذه الدرجة؟ لا صوت يعلو على صوت فرشاة؟ الفرشاة ترسم حكاية أو حكايات، بصوت وضجيج وبعض النحيب والكثير من القهقهات. كانت الغرفة تعج بالفوضى الهادئة، والأقلام، والألوان، والأوراق الخاوية التي لم يأت دورها بعد. تتجاهل كل هذا وتقف بعد هذا السبات الطويل. دائماً تتجاهل أهم خطوة فتقف قبل أن تجلس، وتركض قبل أن تمشي. لطالما وضعت الهدوء في وسط الصندوق الممتلئ. تغادر الغرفة، المليئة بالحكايات التي لم ترو والرسومات التي لم تُبع. لم تكن غرفة تحتوي على سرير وما إلى ذلك بقدر ما كانت متحفًا يحمل صورًا وحكايا ومستقبلًا وفنًّا وموهبة لم تكتشف.
في الطريق تتأمل شجرة هي كل ما استطاعت رؤيته وتتساءل عن قدرتها على العيش في هذا الذي تظنه ربعاً خالياً. تتجاهل اللوحة التي تحتفي بـ ١٠٠٠ شجرة خضراء في المنطقة. تصل إلى المستشفى بعد إصرار من والدتها، تصعد، تصل، تقف، تتأمل المزيد من الشجر. شجر مرة أخرى؟ الكثير منه؟ لكنه صناعي. لم يعد المستشفى أو الطوارئ أو الأطباء أماكن وأشخاصًا، بل حكايا لم تكتمل.
-بم تشعرين؟
-هنا المشكلة أني لا أشعر!
الطعام كان وسيلة للبقاء على قيد الحياة لا أكثر ولا أقل!
المشي أو الركض إن صح التعبير كان خوفاً من فوات اللحظة، واللحظة كانت أثقل من كلمة من شخص عزيز.
هذا ما لم تقله.
القدرة على الحديث أصبحت كالتنفس من ثقب إبرة. تتفحص الوجوه، تتأمل، لكنها تتآكل من الداخل، والإجابات كانت بلا أسئلة! والطبيب كان هو العليل!
-ليش جيتِ الطوارئ اليوم؟
لأن لا مكان أذهب إليه! إلا هنا.
تسمع تغاريد العصافير، ترى الظل والشمس، تشعر بما لم تكن تشعر به.
-أنا رسامة.
الاكتئاب كان واضحًا لكنه أشبه باكتئاب مكاني! والدليل انها لم تر من الألف إلا شجرة!
يتناقش الأطباء فيما بينهم، تتأمل الجموع، تلمع عيناها، تتذكر حلماً بعيدًا تخلت عنه. أو لم يكن لها أحلام كثيرة، تركها أصحابها على قارعة الطريق، هل كان ذلك بمحض الاختيار؟ أم الإجبار؟ كان خوف والدتها هو كل ما جعلها تركض بها إلى الطبيب! فلا يمكن لشخص أن يتنفس من فرشاة ويعيش على ورقة يروي حكايات خيالية. أحداثها لم تر الواقع وأشخاصها ليسوا حقيقيين. أو هذا ما تعتقد!
صحيح أنها لا تحمل لوحة، لكن القلم والورقة لم يغادروا حقيبتها قط وهذا ما أقلق والدتها.
تخرج بعد أن تم التشخيص. موعد، وبعض الأدوية، والكثير من التساؤلات. تذهب إلى المنزل تصل إلى غرفتها، وبكل حماس تبدأ بسرد الحكاية. على من؟ وكيف؟ لا بأس، فكل ما تحتاجه هو فرشاة، وفتاة هي بطلة الحكاية لكنها مقيدة بسلاسل من جهل. يطير حولها العديد من الحمام الذي لا يحمل الرسائل، بل رسالة واحدة هي السلام .
مرام السبيعي لغوية وخريجة لغة انجليزية. صدر لها كتاب بعنوان ( ثمة امل ). متطوعة في عدة مجالات، ومهتمة بالبحث والابتكار. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس Meemseen575@