top of page

الطريق

محمد عبدالله محمد


الطريق من المسجد إلى الجبانة يتشعب ويتفرع، فبإمكانك أن تأخذ طريقك بين الأزقة الضيقة والحواري، وبإمكانك أيضاً أن تذهب إليه مباشرة عبر الطريق السريع. في العادة، عندما تخرج المسيرة الجنائزية للميت بعد الصلاة عليه -والتي غالباً ما تكون بعد صلاة الجمعة كما لو أن هذا هو الوقت الوحيد المتفق عليه للموت- تتحرك جموع المعزين عبر الطريق السريع، متفادية زحام الأزقة في ذلك الوقت الإستراتيجي من اليوم. وفي العادة يتركون سياراتهم مركونة بجانب المسجد، فالسير مع المتوفى أكثر لياقة بالنسبة إليهم من الركوب، وإن كان البعض من كبار السن، أو حتى ممن لا يؤمن بذلك، يستقل سيارته إلى هناك.
وتتحرك التجمعات البشرية على جانبي الطريق الزراعي، تحت شمس الظهيرة الحارقة، وعلى جانبيهم الخوص والأراضي الزراعية الوفيرة. وفي الطريق، لا يلبث أن يتوقف أحد المارة أو المزارعين ليسأل عن المتوفى، فإن كانت السائلة امرأة، تولول وتبكي وتندب حظ الميت، حتى لو كانت لم تسمع به قط. وإن كان رجلاً، فالأغلب هو أن يظهر على وجهه التجهم، ويحوقل قبل أن يبدأ في الثناء على "جدعنة" المتوفى وشهامته. وإن كانت المتوفاة امرأة فالأغلب أن يمدح كيف كانت أماً صالحة لأبنائها، حتى لو كانت عذراء ولم تنجب قط. في النهاية، كان الأمر ينتهي بخيار من اثنين: إما أن ينضم السائل إلى المسيرة الطويلة، أو أن يقف دقيقة حداد رافعاً سبابته مشيراً بها إلى الأمام.
هكذا تحركت المسيرة إذاً، الطريق يطول، والعرق الغزير يتساقط على الرؤوس وعلى الأرجل. وما هي إلا لحظات حتى تستمع إلى بعض الأحاديث الجانبية؛ القليل منها عن المتوفى، والأكثرية تكون في شتى الأمور المختلفة؛ فلان طلق فلانة، فلان سقط في الثانوية العامة وأبوه طرده من منزله، وفلانة ضُبطت متلبسة مع فلان في أحد الغيطان بعد انسدال الليل وسكون القرية.
استمع الرجل إلى تلك القصص المختلفة، وإن كان اهتمامه بها قد انخفض أو اقترب من التلاشي مع مرور الوقت. التصق بنطاله بفخذيه الممتلئين، بينما لمعت صلعته تحت أشعة الشمس وراح العرق يعيق نظره، فيمسحه عن وجهه كل بضع دقائق بظهر يديه. وتخرج أنفاسه متقطعة، ومن خلفها نبضات قلبه التي ما تلبث أن تقارب المائتين. وفجأة يجد نفسه قد ابتعد بضعة أمتار عن النعش المحمل على الأكتاف، فيسارع في حركته حتى يواكبه مرة أخرى ويمشي إلى جواره.
وهكذا دواليك، يتحرك لبضعة أمتار قبل أن ينهكه التعب، فيتوقف لثوانٍ مريحاً جسده السمين؛ ثوانٍ تكون كفيلة بأن تلتقط أذناه قصة من هنا أو هناك، أو حتى ليرى أحد أقاربه أو معارفه، جميعهم يتشحون بالسواد، وإن كان الأطفال بملابسهم المعتادة كما هي العادة.
من يحملون النعش يتحركون بخطوات سريعة كما لو كانوا لا يتعبون، لطالما أثار ذلك انتباهه صغيراً، إلا أنه كان قد علم السبب عندما رآهم يتناوبون على حمل الصندوق الخشبي، فنادراً ما تجد أحدهم قد حمله مرتين. إنه لا يتعرف على أحد منهم إطلاقاً، فأفراد عائلته في المؤخرة، ميز منهم أخاه وزوجته يتحركان بصحبة عمه. وها هو يمر بزوجته في عباءتها السوداء، وطرحتها التي لم تحكم رباطها فانسدلت منها -خلسة- بعض من خصلات شعرها البني اللامع، ممسكة بمنديل تمسح به الدموع عن وجهها. خطر على باله أن يربت على كتفها مطمئناً، إلا أنه عدل عن الأمر عندما حالت بينه وبينها حماته، وراحت هي تفعل الواجب وتهون على ابنتها المنتحبة.

انحرف الحشد بشكل مفاجئ يميناً، وسرعان ما لاحت مباني الجبانة أمامهم على جانب الطريق. أبطأ مشيته قليلاً كي لا يتعثر أثناء نزوله المنحدر، وتوقع أن يقع النعش من مكانه عاجلاً أو آجلاً، وبدأ الأخير يهتز تحت وطأة حامليه، وكانوا الآن أربعة أشداء، لمعت أذرعهم تحت ضوء الصباح الباهر، ورأى بجانبه شابتين تختلسان النظر إلى الأيادي القوية وإلى أصحابها بميوعة، مما أشعره بغير الارتياح فأشاح بوجهه بعيدًا.
نظر إلى حذائه المهترئ فوجده متربًا، وشعر بإجهاد شديد في أطرافه، إلا أنه حاول أن يتماسك. راحوا يتحركون بانتظام مرة أخرى بعدما استوت الأرض تحت أقدامهم، وسرعان ما اقتربوا أكثر من شوارع الجبانة المتشعبة، وكان يتقدمهم خاله، فأشار لحاملي النعش لأحد الشوارع يسارًا، فأطاعوه وازدادت سرعة خطواتهم.
بجانبهم راح الأطفال الصغار وأمهاتهم -هؤلاء من ساكني المقابر كما كان يحب أن يطلق عليهم- بالدعاء لساكن النعش بالرحمة والمغفرة وبأن يغسله الله بالماء والبرد، ويثبته وقت السؤال. حتى إنه رأى على وجه إحدى السيدات دمعة كاد أن يظن أنها حقيقية، لولا أنه تذكر عشرات الزيارات السابقة للمكان وكيف أنهم لا يبالون إن احترق الميت في الجحيم، أو إن استولى على جسده طالب طب، بل يطمحون إلى "الصدقات" القليلة التي يجود بها أهل الميت -أو من يرغب في مجاملة أهله- إن استساغوا صيغة الأدعية.
شعر بانقباض شديد في صدره، وسرعان ما شعر بالإعياء وبأنه لا يستطيع التحرك أكثر فتوقف في الطريق. مر بجانبه أفراد أسرته وأقاربه تباعًا تابعين النعش. لهث، وراح يبحث بعينيه في المكان عن "كولدير" مياه، فرأى واحدًا استظل بإحدى الشجيرات، فاقترب منه راجيًا شربة ماء. إلا أنه فوجئ بأحدهم يسبقه إليه، وكان الرجل هو الشيخ الذي صلى بهم صلاة الجنازة، وصاحبهم مشكورًا إلى الجبانة كي يقرأ القرآن على الميت ويلقي على المعزين خطبة الوداع، مذكرهم بأن مصيرنا المشترك هو الموت، وأنه وجب عليهم العمل والإعداد لذلك اليوم. إلا أنه اندهش أشد اندهاش، عندما خرجت من فم الرجل الورع سبة؛ وكان واضحًا أنه حاول استعمال المياه فوجدها مقطوعة.
وتحرك مرة أخرى خلف الحشد الذي راح يبتعد عنه الآن أمتارًا كثيرة. راحت أصوات الطيور من حوله تشعره بنوع غريب من أنواع الراحة، النفسية طبعًا، فقدماه كانتا تصرخان طالبتي الرحمة، بينما لعنته بطنه البارزة من فرجة قميصه البالي. ولكنه لم يرد عليها، واكتفى بالحركة المعتادة لاحقاً النعش في الشارع الصغير. وكان على يمينه ويساره المدافن المختلفة؛ البعض منها يبدو عليه أنه لم يُفتح منذ زمن، والبعض الآخر لم يجفَّ "الأسمنت" من على بابه بعد.
العديد من الأسماء، والعديد من العائلات، كلها دفنت هنا، وُوريت الثرى. تخيلهم بل ورآهم أمام عينيه، عظامًا وأتربة -لا أقصد الأموات فقط، بل والمعزين أيضاً- من أعضاء الحشد، جميعهم سيكونون هنا يومًا؛ صغارًا أم كبارًا، رجالًا أم نساءً، متزوجين أم عذارى، لا فرق بينهم بتاتًا، لا يوجد أي استثناء أو تذكرة ذهبية للرجوع. في النهاية لن يتبقى سوى سيرتهم، وبضعة من العظام التي حاربت عوامل الزمن كي تبقى ولا تفنى.
وصل أخيراً إلى النهاية، وتوقف الحشد. وقف على أطراف أصابعه فرأى النعش في المقدمة ينخفض إلى مستوى الأرض. أشعره ذلك بالتوتر المفاجئ، وشعر بانجذاب عجيب كي يراه يوارى التراب، فتحرك بين الحشد بخطى عازمة. استأذن من هذا، ودفع ذاك برفق، إلا أن أحدًا لم يوله اهتمامًا؛ كانوا يشاهدون عملية الدفن حية وذلك يتطلب تركيزًا شديدًا بالطبع.

خرج الكفن الأبيض من النعش، وحمله خاله وأخوه جنباً إلى جنب مع التربي، الرجل الذي فاحت من فمه رائحة الحشيش الواضحة للعيان. وتحركوا مُحْنِي الرؤوس صوب باب المدفن الصغير. دلف خاله بالرأس والجزء العلوي، بينما تناوب الآخرون على حمل باقي الجسد. سكون غريب عم المكان بأسره، سكون كسره فجأة صوت التكبير الذي ارتفع من أحد الأشخاص، سرعان ما تبعه البقية، وراحت الحناجر تعلو بعضها البعض.
اقترب الرجل من المدفن أكثر، وإلى جانبه وقف الشيخ ينظر من فرجة الباب إلى الداخل، ليطمئن من أن عملية الدفن تتم بالشكل الصحيح. شعور الانجذاب الشديد راح يعتريه ليرى هو الآخر، فاندس برأسه زاحفًا إلى داخل المدفن المظلم.
وكان التربي قد خلع الكفن عن صاحبه بالفعل، واستلقى الجسد العاري على رمال الأرضية بهدوء. أراحوا رأسه وتأكدوا من أنها بالوضع الصحيح، بينما أزاح خاله كومة من العظام جانباً -ربما هي لأبيه فمن يدري- وشرع الأخ والتربي في تجميع الرمال حول أطراف الرجل الميت. ورآه الرجل لأول مرة منذ وفاته؛ شاحب البشرة، هادئ هدوءًا شديدًا لم يتوقع أن يراه قط حتى وإن كان ميتاً. عيناه مغلقتان، وبطنه المرتفع ينسدل من جانبي الجسد بهدوء فيجعل مظهره مضحكاً إلى حد ما. صلعته التي تجعدت وظهر منها خصلات شعر قصيرة، شرع الرجلان بطمرها بالرمال.
ذراعاه، وقدماه السمينتان اللتان اعتادتا ذلك الحذاء البالي لسنوات؛ كل شيء، طمروا كل شيء. حتى لم يظهر من الرجل أي شيء، اختفى في أرضية المدفن الرملية كما لو لم يكن قط. هكذا وضعوه، وخرجوا تباعاً من المدفن الضيق بعدما ألقوا عليه النظرة الأخيرة، ورأى في عيني أخيه دمعة لم يرها في حياته قط.
تركوه وخرجوا، وأغلقوا الباب بـ الأسمنت من ورائهم. استمع إلى خطبة الشيخ الطويلة، وسرعان ما راحت قراءته للقرآن تأتي إليه بعيدة، بينما أصوات البكاء ما تزال تتسلل من خلال مسام المدفن إلى الداخل. كان كل شيء يبعد عنه تدريجياً، يتسرب من الحياة كما تتسرب قطرات المياه من الصنبور؛ هكذا إذاً، دفنوه، وهكذا إذاً، تركوه وحيداً، حينها فقط، غادرهم.

محمد عبدالله محمد، طالب في كلية الطب بجامعة الإسكندرية الأهلية، عاشق للقراءة والكتابة بكل أنواعها.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page