top of page

حضنٌ لم يستعمل بعد

محمد الحارثي

ما إن يسدل الليل رداءه على جسد المبنى المنتصب كمعلمٍ صحي في منتصف جادة الخمسين، حتى تبدو عتمته كضمادٍ أسود، يلف الطوابق العلوية وتتخلله الأضواء المتعبة.
في هذا الوقت تحديدًا، حين تسكن الردهات ويغادر معظم الأطباء ويخلد من استطاع من المرضى إلى النوم، فلا يبقى سوى فحيح المونيتور والأزيز الهادئ لأجهزة التنفس الصناعي، كان سالم يبدأ عمله.
بانحناءةِ بدنه الضئيل وبشرته القاتمة وعينيه اللامعتين كقشرة يرقة، وزيه قاني اللون يقف إزاء العناية الفائقة لدقائق، ثم يبدأ جولته لتفقد الأروقة المجاورة جائلاً ببصره الجدران الزرقاء والحُجر المعتمة إلى أن تعبر ومضات وحدته فينتابه شعور بالارتياب وينهي جولته سريعاً ثم ينحدر عبر سلمٍ جانبي نحو القبو دالفًا حجرة تتضوع برائحة الورق المهترئ وتتكدس خزاناتها بالملفات القديمة.
يجلس إلى طاولة معدنية، ويخرج من جيبه مفكرته بنية اللون وقلمه الأسود، ويبدأ في كتابة ما يُظن أنها مشاهداته.
كتب مرةً:
اليوم مات الرجل في الحجرة رقم مائة وسبعة، كنت أشعر بالموت وهو يحاصره، قال لي قبل أن يغمض عينيه: لا أريد أن أموت وحدي، فجلستُ بجانبه حتى بردت يداه.
تمنيت لو كنتِ هنا لتعرفي أن الوحدة هي من يقتلنا.
ومرة كتب:
اليوم غفت طفلةٌ صغيرة، تعرق جسدها أولاً ثم خفت صفير صدرها وشخصت عيناها نحو السقف.
ظلت أمها تبكي بحرقة، لم أعرف ماذا أفعل سوى أن أقف بجوارها مثل عمودٍ مكسور.

كان سالم يكتب بأناة وتؤدة، وكأنه يحرث أرضًا قاسية ليزرع برعمًا رخوًا وما يكتبه كان خليطًا من خطب تأبين وكلمات وداع ومشاعر فقد، فإذا ما انتهى طوى الورقة بعناية ووضعها في ظرف صغير، وكتب عليه: إلى نوض.

لم يسأله أحد عن نوض، لم يجرؤ أحد على ذلك، كان للاسم رهبةٌ تقمع الفضول، وكان سالم حارسًا أيضًا لما لا يُقال إلا حين يودعه مفكرته الصغيرة، وفيما اصطبغت سماته بجمود الوقت وصمت الردهات بات الجميع يعرفه. رجل يندر ضحكه، وقلما يتحدث، بل أنه لا يُلحظ سوى من جيب بنطاله المحشور دائمًا بظرف أبيض جديد، يضعه في نهاية كل أسبوع، مع مجموعة رسائله في درج معدني مغلق بقفلٍ صغير صدئ.

ذات ليلة، حين انطفأ الضوء لثوانٍ، سمعته الممرضة ندى يهمس:
“لو كنتِ هنا… لما خفتُ من هذا الظلام.
ومرة سمعه الممرض سامر يقول بصوتٍ خفيض: ما أطول الليل حين لا يكون لك فيه من يناديك.

ظل كذلك لأعوام حتى سقط جسده الذي اعتاد الوقوف سنواتٍ طويلة، سقط فجأة كسارية عتيقة، فحملوه إلى حجرة الطوارئ، وعبر الممرات الذي لطالما ذرعها حارساً. نُقل على سرير متحرك يحرسه المسعفون.
حين أفاق، لم يسعفه وهنه بصوت جلي ولكنهم فهموا أنه يريد الدُّرج المعدني.
وحين أحضرته ندى فتح القفل بيدين ترتجفان وأخرج الرسائل وربطها بخيط قماشي كأنه يرسم إطارًا وأشار إليها أن توصلها إلى الاسم المدون فوقها.
فسألته بصوت يرتعش: أين تسكن؟
عندها نظر إلى السقف وكأنه يتفحص مدينةً تعبر أمام عينيه بطرقاتها ومبانيها ونوافذها ثم قال: في مكان ما، لكنها لا تستطيع أن تفتح الباب.

في تلك الليلة، توقفت الأجهزة الموصولة بجسده عن الحديث. صمتت حين خرج الموت من زاويةٍ هادئة، وأخذ سالم كما تُؤخذ صورة من إطارها، وبقيت الرسائل دونما عنوان.
لم تستطع ندى رميها واستسلمت لفضولها فقرأت إحداها:
"نوض ...
رأيتُ اليوم طفلةً تضحك في الحديقة وخطر لي أن الضحك ليس سوى شجرة، وأني لم استطع زرع واحدة.
وفي أخرى قرأت:
"في كل ليلة تعبر من صدري عاصفة هوجاء وتقتلع عاطفة خضراء، تتيبس ذراعي ويمحل حضني، سامحيني ."

توقفت ندى عن القراءة حين بدأت الكلمات تطفئ بريق عينيها، لكنها وجدت أسفل الرسائل ملفًّا طبيًّا قديمًا كتب على غلافه:
اسم الأب: سالم بن…
اسم المولودة: نوض.
تاريخ الوفاة: بعد الولادة بساعتين.

جلست ندى على الكرسي المعدني.
وبدا المشفى فجأة كالفراغ.
مدت يدها لآخر رسالة كتبها سالم وقرأت:
كل طفلٍ أراه يكبر، أشعر بك تكبرين في داخلي، لم أستطع أن أكون أباكِ، فصرتُ أبًا لوجعي.

أغلقت الرسالة وفهمت لمَ كان سالم يعمل ليلًا فما كان يحمله لا يحتمل الضوء.
في الصباح، دفن سالم في مقبرة المدينة، ووضعت ندى الدرج كما هو في حجرة الانتظار، خطر لها أن يبقى كذاكرة شعورية للعابرين، وعلقت فوقه ورقة صغيرة كتب عليها: احتضنوا من فقدتم بكلماتكم.
بقي الدُّرج كذلك وكلما فُتح، كانت تفوح منه رائحة حضنٍ لم يُستعمل بعد.

محمد محسن الحارثي كاتب سعودي، نشر الكثير من النصوص القصصية والمقالات الأدبية في صحف ومجلات ثقافية، وبصدد إصدار مجموعته القصصية الأولى،حسابه في منصة x : ‫@BenAta2030


© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page