حديث الناس العاديين
أوميزاكي هارو
ترجمة: عبد الله العبدلي
ذلك الطفل يكرهني. لا بل إنه يكرهني حقًا.
قلت "طفل" الآن، لكن ربما لم يعد طفلاً بعد الآن.
بعد الحرب، ازداد طول الأطفال بسرعة، وأصبح من الصعب معرفة أين يمر خط التمييز بين الكبار والصغار. فحتى لو كان كلامه طفوليًا، قد يكون طوله مترًا وثمانين سنتيمترًا، أو على العكس، قد يبدو مظهره طفوليًا، لكن كلماته بارعة وذكية بطريقة مفرطة؛ غالبًا ما يحدث هذا النوع من الالتباس.
أنا الآن في السابعة والثلاثين من عمري، ولست متورطًا كثيرًا في عالمهم، لذا لا يهمني الأمر كثيرًا، لكن مع ذلك، عدم وضوح الحدود بين الصغير والكبير ليس أمرًا جيدًا.
منذ سنوات، رافقت أحد الزملاء الأكبر مني في رحلة رسم إلى كيوشو. رأيتُ وسمعت ورسمت الكثير هناك، لكن ما أدهشني حقًا هو حجم الخضروات الكبير الصالح للأكل هناك. عندما طلبتُ خيارًا لأتناوله مع البيرة، جاء الخيار على طبق كبير، يقارب ثلاثين سنتيميترا. اندهشت وطلبتُ شيئًا أقصر قليلاً، فقيل لي:
"هذا النوع ألذ. الخيار القصير الذي لا تزال فيه الزهرة، لا قيمة غذائية له!"
وهكذا الحال مع الباذنجان أيضًا. الباذنجان الذي يستخدم في طهي الطعام في طوكيو هو المستدير أما هنا فيسمون الباذنجان ما كان نوعه طويلاً فقط. وعندما سألت عن السبب، قالوا: هنا يُسمى هذا النوع باذنجانًا، أما النوع المستدير فيسمى باذنجان الكينتشاكو١، أي أن الأمور معكوسة هناك. الأساس في التفكير مختلف.
أشعر أن الأطفال في هذه الأيام (أو نصف البالغين) يشبهون خيار وباذنجان كيوشو هذا. يحملون شيئًا يرفض بعناد شهية وفهم الآخرين. من أين يأتي هذا؟ لا أعرف بالضبط، ولست أرغب في معرفته كذلك.
اسم ذلك الطفل هو هيراكازو٢. وبما أن اسمه يعني السلام، فلا شك أنه وُلِد بعد نهاية الحرب. ففي زمن كان الشعار فيه "سننتصر مهما كلّف الأمر"، لم يكن أحد ليُطلق على ابنه اسمًا كهذا، السلام.
أما صوت هيراكازو-كن، فكنت أسمعه منذ مدة. يوجد منزل لعائلة تُدعى كاميدا يقع في الزاوية خلف منزلي. وإلى هناك، يأتي صوت طفل ليلعب مرة كل يومين أو ثلاثة أيام تقريبًا، ويقول:
"كاميدا-كن"
"كاميدا-كن"
يقع مرسمي على حافة المجرى المائي المؤدي إلى منزل كاميدا. لكن الجانب المواجه لذلك الطريق عبارة عن جدار خشبي بالكامل، وفيه نافذة صغيرة للضوء في الأعلى فقط، لذلك لا يمكنني الرؤية إطلاقًا من جهتي.
لا أرى شيئًا على الإطلاق، فقط أسمع الأصوات. ولهذا، لم أرَ قط وجه ذلك الطفل، ولا مظهره، ولا كيف يبدو.
ومع ذلك، فإن لصوت الطفل حين ينادي أصدقاءه نغمةً خاصة، وطريقةً مميزة في النطق، فيها إحساس فريد لا تخطئه الأذن.
"كاميدا-كن."
كان يمد نبرة "كُـن" في النداء. وعندما كنت أسمع ذلك، كنت أتذكر نداءات الباعة الجائلين في ظهيرة يوم ربيعي وهم يصيحون: "عِصيّ! عصيّ الخيزران!"، أو أصداء آلة المزمار الياباني الصغير التي تصل إلى الأذن في وقت متأخر من الليل. تختلف نغمة الطفل عنها في الجوّ، لكنها تحمل شيئًا من الحنين، نوعًا غريبًا من الشجن.
في الآونة الأخيرة، تغيّر صوت ذلك الطفل قليلًا. طريقة النداء والإيقاع لا تزال كما هي، لكن نغمة صوته نفسها اختلفت. كان صوته فيما مضى صافياً، يرنّ بوضوح، أما الآن فقد صار مبحوحًا وجافًّا على نحو غريب.
فقلت لنفسي:
"هاه، يبدو أن الصغير قد أُصيب بنزلة برد. لو أنه تناول بعض أقراص الدواء سريعًا لكان خيرًا له."
بينما كنت أواصل عملي في الرسم، أو أستلقي على السرير المؤقت في مرسمي، كنت أفكر في ذلك الأمر.
"إن ساءت حالته فسيكون الأمر خطيرًا. أليست المدرسة تُعطيهم لقاحات أو شيئًا كهذا؟"
لكن تبيَّن في النهاية أن الأمر لم يكن نزلة برد.
لقد تغيّر صوته.
لقد بدا صوته أجشَّ أكثر من اللازم ليكون مجرد أثرٍ للبرد، وبدل أن يزول مع الوقت، أخذ ذلك الصوت الخشن يثبت شيئًا فشيئًا.
"هاه قد دخل مرحلة تغيّر الصوت أخيرًا..."
حين أدركت ذلك، انتابني شيء من الدافع وشيء من التأمل.
أما الدافع، فهو أن بلوغ ذلك الفتى مرحلة تغيّر الصوت يعني ببساطة أنني أنا أيضًا قد تقدّمت في العمر بمقدار ما.
لكن، عليّ القول إنني أحبّ هذا النوع من العلاقات الإنسانية.
في الجانب الآخر من الجدار الخشبي، هناك حياة لطفل لم أرَ وجهه ولا هيئته، ومع ذلك، كبرَ حتى بلغ هذه المرحلة من النمو.
من خلال صوته فقط حين ينادي أصدقاءه، أعلم بذلك في سري.
دون أن يتطفّل أحدنا على الآخر، ودون أن نؤذي أو نزعج أحدًا، نبقى على صلةٍ خفيفة، صلةٍ من طرف واحد، غامضة ولكنها موجودة.
أجد في هذا النوع من الروابط الجافة بين الناس شيئًا جميلًا، شيئًا يرضيني.
خذ مثلًا زيارةً إلى حوض الأسماك:
خلف الزجاج تسبح الأسماك بأشكالها المختلفة - من أرادت السباحة سبحت، ومن أرادت البقاء ساكنة بقيت كذلك - بينما الزائر يقف هنا على الجانب الآخر من الزجاج يتأملها بهدوء.
هذا النوع من العلاقة هو ما أفضّله إلى حدٍّ ما.
لهذا السبب أقول لنفسي دائمًا:
لا تبادر.
لا تتدخل.
لا تمِل بجسدك نحو الآخرين.
هذا هو ما تعلّمته في ثلاثٍ وثلاثين سنة من حياتي
إن شئت فسمِّه ذوقًا، أو فلسفة في العيش.
لكن الواقع، كما تعلم، لا يجري دائمًا على هذا النحو.
فالأمر يشبه تمرير قطعة حرير على رأسٍ محلوق: لا بد أن يحدث احتكاك أو ينتفش النسيج أو يظهر التمزق في مكان ما.
الأمور نادرًا ما تمضي بسلاسة كما نريد.
بهذه الطريقة في الكلام، يبدو أن حديثي لا يتقدّم خطوة واحدة، أليس كذلك؟
فلنغيّر إذن أسلوب الحكاية.
هل تعرفون التعبير:
«تشـ، كِـ، تَـ!»؟!
لا، لا، دعونا نترك موضوع تشـ، كِـ، تَـ إلى ما بعد قليل.
كما تعلمون، مرسمي هو في الأصل ملحق صغير تابع لأحد البيوت، وقد أعيد بناؤه وعدّلته بنفسي.
وقد مضى الآن قرابة خمس سنوات وأنا أعيش هنا.
صاحبة المنزل امرأة مسنّة تربطني بها قرابة بعيدة. وهي - لحسن الحظ - من النوع الذي يسمح ببعض التصرّف بحريّة، ولذلك استقررت هنا كما لو أنني غرست جذوري بالفعل.
بما أنني أعيش وحدي في هذا الملحق المنفصل، فلا يمكن القول إنني أُدير بيتًا كاملاً، ولكنني أيضًا لستُ مجرد نزيل يعيش على نفقة أحد.
إنه وضع معلّق بين الاثنين، ومع ذلك فهو مريح لي على نحوٍ غريب.
علاقاتي مع سكان الحي محدودة للغاية -مع الحمّام العام، ودكان التبغ، ومتجر الأطعمة الجاهزة، وبائع الخضار، والحانة - تقتصر على هذا القدر الذي تحتّمه حاجات حياتي اليومية، وما عدا ذلك يمكنني تجاهله بلا مشكلة.
وأنا حين أقول "أتجاهله"، لا أعني أنني أُغمض عيني عمدًا، فأنا في نهاية الأمر إنسانٌ من لحمٍ ودم، وما يقع في مرمى نظري أراه، بطبيعة الحال.
لكنني لا أمدّ بصري أبعد من ذلك، ولا أزاحم لأرى ما وراء الستار.
إنه بالضبط مثل النظر إلى الأسماك من وراء الزجاج.
ومع ذلك، يبدو أنّ الناس في هذا العالم لا يتقبّلون طريقتي في العيش على أنها أسلوب سويّ.
يبدو أن هناك من يصفني من وراء ظهري بغريب الأطوار.
أما أنا نفسي، فأعتقد أنني أكثر الناس اعتدالًا واتزانًا.
وهذا يظهر بأشكال مختلفة، تارة في صورةٍ إيجابية، وتارة في صورةٍ سلبية.
فعندما تكون في الجانب الإيجابي، يقولون مثلًا:
"لابد أن العيش وحدك أمر غير مريح، أليس كذلك؟"
أو ربما يقولون بشيءٍ من الشفقة:
"الطبخ بنفسك لا بد أنه أمر صعب، أليس كذلك؟"
ثم تجدهم - بدافعٍ من ذلك التعاطف - يدفعون إليَّ بالخضروات أو قطع اللحم «زيادة على الحساب» بإلحاحٍ لطيف.
ولست في حاجةٍ إلى تلك الزيادة، لكنني أيضًا لا أملك من الرغبة ما يجعلني أرفضها،
فأتلقّاها مبتسمًا ببشاشةٍ مصطنعة.
وأغلب الظنّ أنني - في نظرهم - لست كسمكةٍ خلف زجاج حوض الأسماك، بل كسمكةٍ محبوسة في سلّة صيدٍ صغيرة؛ لا يكتفون بمشاهدتها من بعيد، بل يعبثون بها قليلًا، يتفحصونهت أو يرفعون خياشيمها ليروا ما بداخلها، هكذا يبدو لي الأمر فعلًا.
ويجدر أن نسمّي ذلك «تطفّلًا» أو «تدخّلًا في شؤون الغير».
وما دمت أنا المتلقّي هو من يشعر بذلك، فالأمر لا يحتمل الخطأ.
فالنية - أهي طيبة أم بدافع اللطف أم مجرد فضولٍ مزعج - ليست من يحدّدها الفاعل، بل من يتلقّى الفعل هو من يقرّر حقيقتها.
«أما آن لك أن تستقر وتتزوّج يا هذا؟»
أكتفي بالابتسام ولا أجيب.
فلا حاجة إلى الرد، إذ إن الجواب لا يجلب سوى تعقيدٍ لا طائل منه.
غير أن مجرد امتناعي عن الرد كافٍ، فيما يبدو، لأن يُعدّني الناس غريب الأطوار.
بل أظن أن الأمر تجاوز ذلك، فقد بدأت شائعاتٌ أدهى تنتشر في الخفاء عني،
وإنْ كان قلّة فقط من يجرؤون على قولها أمامي صراحة.
«يسكن وحده في بيتٍ يشبه التابوت،منكمشًا فيه كضفدعٍ عجوز، لذلك أصيب بالمرض!»
مرسمي هو بيتٌ قديم منفصل عن الدار الأصلية، جرى تحويله بحيث صار سقفه عاليًا،
ولذلك يبدو للعين مستطيلاً أو ذا شكلٍ مربعٍ ضيق.
ومع ذلك، فليس هو طويلًا وضيقًا إلى درجة أن يشبه التابوت كما يزعمون.
يقول لي الطبيب أكاغي، أحد سكان الحي:
«حين أخرج للصيد، سأدعوك لترافقني.
تحتاج إلى أن تتعرض لأشعة الشمس أكثر،لا تدع الكآبة تتسلل إليك.
لا تقلق بشأن صنارة الصيد، لدي ما يكفي وسأعيرك واحدة.»
أكاغي هذا طبيبٌ مسنّ، تجاوز الستين، سمينُ الجسد، ويُقال إنه سافر إلى أمريكا في شبابه، وعمل بجد وكفاح حتى درس الطب هناك.
هكذا يقول هو على الأقل، لكن بعض أهل الحي يشكّون في صحة قصته.
وهو من قريةٍ نائيةٍ في شمال البلاد، ولعله إذ يشبّه مرسمي بالتابوت، إنما يستحضر صورة التوابيت التي رآها في طفولته في قريته الباردة.
ولا أدري على وجه التحديد لماذا يظنّ هذا الطبيب أنني مريض، أو لماذا يبدو متيقّنًا من ذلك.
ربما كانت له أسبابه الخاصة، كما يبدو.
الطبيب أكاغي - على خلاف مظهره الخارجي - كان ذا طبعٍ حادٍّ وعَنيد، فإذا لم يُعجبه أحدٌ أخذ يوبّخه بقسوة أو يرفض فحصه أصلًا، ولذلك لم تكن سمعته حسنة بين أهل الحيّ. ولهذا أيضًا لم يكن عدد مرضاه كبيرًا. غير أن الطبيب المسن كان يقول بثقة:
"ماذا يفهم أهل هذا الحيّ عن مهارتي؟"
لكنه لا يُعير لذلك أدنى اهتمام أو على الأقل يُظهر أنه لا يُعيره اهتمامًا.
ثم إن عمره قد تقدّم، فلا رغبة لديه في العمل بإجهاد، وأبناؤه قد استقلّ كلٌّ منهم ويعملون في مستشفيات كبرى، فلا هموم تشغل باله من بعدهم. ولهذا يكتفي بأن يفحص ثلاثة أو خمسة مرضى في اليوم، ثم يُغلق عيادته.
ومع ذلك، فعيادة هذا الطبيب المسن تُعدّ الأقدم في الحيّ، ولها بوابة قديمة الطراز تمنحها مظهرًا مهيبًا إلى حدٍّ يجعل دخولها أمرًا غير مريح. فمع أن عمود البوابة مائلٌ بعض الشيء، إلا أن شكلها لا يزال فخمًا، ومن يدخلها عليه أن يشقّ طريقه بين أشجار الحديقة ثم يصعد الدرج المظلم إلى مدخل البيت، مما يجعل الناس في الحيّ يشعرون بنوعٍ من الرهبة حيالها.
ولذلك صار أهل الحيّ يتحاشون زيارته، ويفضّلون الذهاب إلى العيادات الحديثة الأنيقة التي فُتحت مؤخرًا، حيث ينتعلون نعالًا نظيفة وجافة، ويجلسون في غرف انتظارٍ مضيئة تغمرها أشعة الشمس، يتابعون التلفاز بصبرٍ حتى يأتي دورهم.
ولهذا، وبما أنّ الطبيب العجوز متفرّغ أغلب الوقت، صار يخرج أحيانًا ليصطاد السمك، أو يتكئ على عصاه الغليظة في جولاتٍ قصيرة، وفي أثناء نزهاته هذه، يمرّ أحيانًا على مرسمي لزيارتي. لا أدري إن كان يفعل ذلك لقتل الملل أم لأنّ في نفسه فضولًا تجاهي.
أما أول مرة دخلت فيها بوابة عيادة الدكتور أكاغي كانت منذ نحو عامين. في ذلك اليوم اشتهيت فجأة أن آكل مبشور الفجل الأبيض، فذهبت إلى محلّ الخضار واشتريت فجلة كبيرة، ثم أعددت طبقي، ورششت عليه كميةً وفيرةً من سمك الشيراس الصغير المجفف، وهممت أن آكله بشهية. لكن بينما كنت أمدّ عيدان الأكل، قفز أحدها بطريقةٍ غريبة، فإذا بسمكةٍ صغيرةٍ من الشيراس، مصحوبةٍ بقطعةٍ من الفجل المبشور، تطير مباشرةً إلى داخل عيني!
كم دهشت! بل أكثر من الدهشة، شعرت بوخز مالح ومؤلم في مقلة عينيّ، وقفزت لا إرادياً.
غسلتُ عيني على عَجَل، لكن أثر الملوحة ظلَّ يلسعها، وكان هناك إحساس مزعج بجسمٍ غريبٍ يتحرّك داخلها. فقرّرت أنّ الأفضل أن أُريها لطبيبٍ فورًا، وهكذا أسرعت إلى عيادة الدكتور أكاغي. صحيح أنه ليس طبيب عيون، لكن لم يكن هناك وقتٌ للتفكير في التخصّصات، إذ إنّ العيادات الأخرى تجعل الناس ينتظرون طويلًا.
أن يدخل سمك الشيراس المجفف في عينك قد يبدو للسامع أمرًا شاعريًّا أو طريفًا، لكن بالنسبة لمن يحدث له ذلك، فالأمر مخيف حقًا فقد ظننت أنني ربما أفقد بصري!
لحسن الحظ كان الدكتور أكاغي في المنزل تلك اللحظة. فبدأ يقلب جفنيَّ ويُضيء داخل العين بمصباحٍ صغير، لكنه قال في النهاية إنه لم يجد أثرًا لأي سمكةٍ هناك.
ثم قال لي مطمئنًا بابتسامته المألوفة:
"لا تقلق. عين الإنسان ليست شيئاً يسهل أن تصاب بالعمى بهذه السهولة."
حين كدت أغادر بعد أن وضع في عيني قطرات الدواء، ناداني الطبيب العجوز قائلًا إنه سيجري لي فحصًا صحيًا شاملًا مجانًا. يبدو أنه كان يشعر بملل شديد فعلًا.
في العادة، كنت سأرفض مثل هذا النوع من التطفّل "الطبي الودود"، لكن تلك المرّة استسلمتُ للأمر، وربما لأنّ كلمة "مجّانًا" كان لها وقعٌ لطيف في أذني.
وبعد الفحص، قال لي إن ضغط الدم طبيعي، لكن الكبد متضخّم قليلًا، ثم نصحني قائلًا:
"من الأفضل ألا تُفرط في الشراب أو التدخين."
في ذلك اليوم عدت إلى البيت، وبعد نحو نصف شهر، كنت أشرب الخمر وحدي في مرسمي،
فأحسستُ أن وجهي صار ساخنًا على نحو غريب، وقلت في نفسي: "هذا أمر مريب..."، وما لبث أن بدأ قلبي يخفق بقوة، كأنه طبلٌ يدقّ بعنف.
طلبتُ من أهل المنزل الرئيسي أن يتصلوا بعيادة أكاغي، وفي أثناء ذلك كنتُ قد تمددت على السرير ألهث وأنفاسي متقطّعة.
وبعد قليل، ظهر الطبيب أكاغي وهو يحمل حقيبته الطبية الكبيرة.
فقال مطمئنًا بعد فحصٍ بسيط:
"لا تقلق، لم يُسجَّل في التاريخ أيُّ إنسانٍ مات من تسارع ضربات القلب."
ثم أعطاني حقنة، وبينما كنت أهدأ تدريجيًا، أخذ الطبيب يدور في المرسم، ينظر إلى اللوحات غير المكتملة، ثم قال بصوتٍ يحمل شيئًا من الريبة:
"أنت..أهذا ما تسميه لوحة؟ بالنسبة لي، لا يبدو هذا رسمًا على الإطلاق!"
منذ ذلك الحين، صار الطبيب أكاغي يتوقف أحيانًا عند بيتي في أثناء تنزّهِه. وأحيانًا يجلس على حافة الشرفة ساعةً أو ساعتين يتجاذب أطراف الحديث. كانت أحاديثنا تدور في الغالب حول شؤون الناس أو قصص الماضي. وقد سمعت منه حكاية غسله للأطباق في أمريكا خمس أو ست مرات على الأقل.
المتحدث دائمًا هو الطبيب المسن، أمّا أنا فأكتفي بدور المستمع.
وعندما يهمّ بالانصراف، لا بدّ أن يوجّه إليّ نصيحةً:
"ما دمتَ ترسم مثل هذه الرسوم الغريبة، وتعيش في بيتٍ عجيبٍ كهذا، فستؤول حالك إلى ما آل إليه جينغو. خذها مني نصيحة: اذهب واصطد السمك! اصطد السمك!"
لستُ أرحّب بزياراته حقًّا، لكنّي أيضًا لا أجدها مزعجة إلى الحدّ الذي يدفعني لرفضها. فكلّ ما عليّ هو أن أستمع فقط، وأما نصائحه، فأكتفي بأن أبتسم في وجهه بصمت.
أما عن جينغو هذا فالحقيقة أن الطبيب المسن لم يكن يطيقه ولا يطيق عائلته كلها، ولعله كان من الأدق أن أقول إنه لم يكن يطيق "الأسرة" لا الشخص وحده. والسبب في ذلك بسيط: أن جينغو لم يدخل المستشفى الذي أوصى به الطبيب أكاغي، بل اختار مستشفى آخر. ويبدو أن مثل هذه الأمور تثير حساسيةً كبيرة عند الأطباء ولا سيما عند أمثال الطبيب أكاغي، ذوي الطبع المتكبر إذ شعر بأن كرامته جُرحت جرحًا بالغًا.
قال لي غاضبًا ذات مرة:
"أن يدخل ذاك الأحمق مستشفى كهذا! يا رجل، إن من يمول ذلك المستشفى عضو في مجلس الحي، لكن مهنته الحقيقية زعيم لعصابة ياكوزا! تخيّل! يريد أن يربح المال من وراء المرضى النفسيين! لا يُغتفر هذا!"
الطبيب أكاغي كان قد أوصى المريض جينغو بالدخول إلى مستشفى M.
والحقيقة أن الطبيب أكاغي نفسه كان يُصاب بنوبات غريبة مرةً كل عام تقريبًا.
ولأنه طبيب، فكان يلاحظ اضطرابه فورًا، فيبادر من تلقاء نفسه إلى الذهاب إلى مستشفى M ويدخلها كمريض دون تردد.
أهل الحي جميعًا يعرفون هذا عنه، ولذلك لم تكن عيادته مزدهرة كثيرًا، فربما كان هذا أحد الأسباب.
وكان الناس يتحدثون عنه قائلين:
"يبدو أن الطبيب أكاغي دخل ماتسوزاو٣٤ مجددًا."
"أوه، صحيح؟ يا له من أمر مزعج… ذلك الطبيب أيضًا مسكين حقًا."
لقد سمعتُ مثل هذا الحديث في السوق من قبل.
لكن، ألا يُعدّ دخوله المستشفى طوعًا دليلًا على سلامة عقله في الواقع؟
يبدو لي أن طريقة تفكير أهل البلدة معكوسة تمامًا.
وبسبب أن الطبيب أكاغي يتوافق معي في الطباع - ومن المعروف أن الطبيب المسن يزور مرسمي بين الحين والآخر - فقد صار الناس يظنون أنني أنتمي إلى نفس الفئة غريبة الأطوار.
بل إن بعضهم يذهب إلى أبعد من ذلك، فيصفني ليس بمجرد "غريب"، بل بـ"مجنون" أو "مختلّ".
ومع ذلك، لا أشعر بأي ألم أو ضيق من هذا الوصف؛ فكل إنسان، في نهاية الأمر، يحمل في داخله قدْرًا من الجنون.
على كل حال، لنؤجّل الحديث عن الطبيب أكاغي إلى وقت لاحق، فالمسألة الآن تتعلّق بجينغو.
لأكون دقيقًا، فاسمه هو موري جينغو.
وكان الطبيب أكاغي يناديه دائمًا قائلًا:
«جينغو، جينغو!»
فكنتُ أناديه بالاسم نفسه اقتداءً بالطبيب أكاغي.
وهو صاحبُ دكّانِ تبغٍ قريبٍ من بيتي، رجلٌ في الخمسين تقريبًا، قصيرُ القامة، شاحبُ الوجه، تبدو عليه دائمًا هيئةُ من يتوجّسُ خيفة.
هذا جينغو، مع أنه الآن يبدو خجولًا متردّدًا، فقد كان ـــ على ما يُقال، وأنا لا أستطيع تصوّر ذلك إطلاقًا ـــ في زمنٍ مضى متعجرفًا متسلّطًا.
كان ذلك في أيام ما بعد الحرب، حين اشتدّت ندرةُ السجائر، وبدأت أنواع مثل بيس وكورونا تُطرح في الأسواق.
كان البيع يُحدّد بعددٍ معيّن في اليوم، ويبدأ في السادسة صباحًا.
فيصطفّ الناس في طوابير منذ الفجر، وقبل السادسة بقليل يُسمع صريرُ باب الدكان الخشبي، فيفتحه جينغو ويحضر إلى منصة البيع، ويجلس في وقارٍ وكأنّ الأمر لا يعنيه.
يظنّ المنتظرون أنه سيبدأ البيع فورًا، لكنه لا يفعل ذلك.
بل يأخذ الغلاية الموضوعة على المدفأة الكهربائية بجانبه، ويصبّ لنفسه الشاي ببطءٍ وهدوء، تاركًا الزبائن ينتظرون.
يرتشف الشاي بمتعةٍ ظاهرة، وأحيانًا يضغط لسانه في فمه محدثًا صوتًا يدلّ على لذّته، فإذا انسجم أكثر، أعدّ كوبًا ثانيًا.
الزبائن يغلي الغضب في صدورهم، لكنهم لا يتجرّؤون على الاعتراض، لأن من يعترض لا يبيعه شيئًا.
وحين يفرغ أخيرًا من شرب الشاي، يعلن بصوتٍ متكاسلٍ متثاقل:
"لن أبيع لمن يحتاج إلى فراطة نقود باقية، مفهوم؟"
منذ البداية، كان الجميع يعرف عدد العلب التي ستُباع في ذلك اليوم، وعدد الأشخاص الواقفين في الصف يطابق ذلك العدد تمامًا. لذلك، لو أنه بدأ البيع مباشرة لكان الأمر منتهيًا بسرعة، لكن لا، إنه يتعمّد فعل تلك القسوة. يريد أن يُظهر سلطته، كما لو كان يستمتع بالتسلّط. وبعد حين، كانت النقود التي يُمسكها الزبائن بأيديهم تُوضع واحدة تلو الأخرى على منضدة الزجاج في مقابل علب السجائر. وفي صباحات الشتاء، كان البخار يتصاعد متموّجًا من كومة النقود المتراكمة، لابد أن حقد الزبائن وإصرارهم كانا متغلغلين فيها إلى ذلك الحد.
لكنّ هذا الترفّع وهذا الكبرياء لم يعد يجدي نفعًا عندما بدأت السجائر تُباع في الأسواق بكثرة. كان من الطبيعي أن يحدث ذلك. غير أنّ جينغو، الذي ظنّ أن تلك الحال ستستمرّ طويلاً، فوجئ بأنّ التعافي الاقتصادي تمّ أسرع مما توقع. بعد أن فقد سلطته السحرية تلك، خاب أمله تمامًا. والأسوأ من ذلك أن أولئك الذين كان يتعمد مضايقتهم من قبل صاروا ينظرون إليه باستهزاء ويقولون في أنفسهم: "يستحق ما جرى له". ثم إنّه، حين جلس في محلّه، لم يَعُد أحدٌ يقبل على الشراء منه، فاضطر في النهاية إلى أن يسلّم مكان البيع إلى زوجته فوكو، وبدأ هو يشتغل في أعمالٍ خارجية.
حين انتقلتُ للسكن هنا، كنت أراه كثيرًا يسير في الطريق مطأطئ الرأس، حاضنًا حقيبته بين ذراعيه كأنها كنز، متقدّمًا بخطًى سريعة متعثّرة. خُيّل إليّ أنّه يعمل في مهنة إقراض المال أو في وظيفة مساعدٍ لمرابٍ - وأغلب الظنّ أنه الثاني -. كانت مشيته، بل هيئته كلها، تُعطي انطباعًا كئيبًا كمن يجرّ وراءه ظلًّا ثقيلًا.
هذا الجينغو بدأ، منذ نحو عام، يتصرّف على نحوٍ غريب.
بحسب ما قاله الطبيب أكاغي، فهو ليس اختصاصيًّا في هذا المجال، ولم يفحصه رسميًا، لذلك لا يستطيع الجزم، لكنه يرى أنّ عنده ميولًا إلى الإدمان على الكحول، وأنّ أعراض الاكتئاب تظهر عليه بوضوح.
كان جينغو في الأصل رجلاً ضعيف الإرادة، خجولًا، ضيق الصدر. وحين انضمّ إلى ذلك عاملُ السنّ - أي دخوله في مرحلة منتصف العمر - صار لا يحتمل واقعه، فبدأ يُسكِت ضيقه بالشراب. ومع مرور الوقت، وقع أسيرًا تامًا للكحول.
تقول زوجته فوكو:
"إنه غريب الأطوار في هذه الأيام. يخرج من البيت، ثم بعد قليل يعود فجأة، ويبدأ يتلفّت في كل زاوية، ويفتح خزائن الحائط يقول إنه يتأكد فقط من أنني لم أُدخل رجلاً إلى البيت. يبدو أنه يظن أنني أخونه!"
أطلقت فوكو ضحكة باهتة، أشبه بالضحك المنتفخ بلا روح.
على خلاف زوجها، كانت امرأة بدينة - بل أدق من ذلك، جسدها منتفخ مثل رغيف "أنبان" ٤ يمكنني أن أؤكّد بثقة أنّها ليست امرأة جذّابة بأيّ حال من الأحوال.
قالت:
"حين يشكّ بي إلى هذا الحد، أشعر بالخجل أمام أطفالي، حقًا، لا أحتمل ذلك."
متجر موري للتبغ لا يقتصر على بيع السجائر فقط، بل يبيع أيضًا الحلوى الرخيصة للأطفال، ومؤخرًا قسّموا المتجر من الداخل وبدؤوا يبيعون أودِن٥ كطعام جاهز.
الأودِن هناك رخيص، بعشرة ينّات للسيخ الواحد تقريبًا، لكنه مالح قليلًا لأن طعم الصويا فيه قويّ جدًا. ومع ذلك، فهو سهل ومريح، ويبدو أنه يُباع بشكلٍ جيد.
أما أنا، فعندما أتكاسل عن إعداد الطعام بنفسي، أستفيد من هذا المتجر أحيانًا.
ثم هناك أمر لا يُقال علنًا، لكنه معروف:
يُقدّمون خفيةً مشروباتٍ كحولية - مثل الساكي من الدرجة الثانية أو الشوتشو - ويمكنك أن تصبّ لنفسك بهدوء كوبًا منها.
أي أن الزبائن يشربون ويأكلون الأودِن كمقبّلات.
ويبدو أن هذه التجارة الجانبية غير المشروعة كانت فكرة فوكو بعد أن أصبح جينغو زوجها مختلّ التصرفات وتراجعت عائداتهم بشكل حاد، ففكّرت في هذا النشاط كتدبير اضطراري.
وبما أن الأمر بسيط وغير رسمي، فقد أصبح لهم زبائن دائمون معتادون على المكان.
تُحفظ أنواع المشروبات الكحولية داخل خزانة مقفلة بالمفتاح.
وعندما يطلب أحد الزبائن الشراب، تُخرج الزجاجة، يُصبّ منها، ثم يُعاد قفل الخزانة.
كنتُ أظنّ أن ذلك لأجل الاحتياط في حال جاء تفتيش أو تحقيق،
لكن تبيّن لاحقًا أن الأمر ليس كذلك.
فقد كان بين الزبائن الدائمين رجل أعزب يُدعى أوكوبو، في حوالي الثلاثين من عمره،
ويُقال إنه يعمل في إحدى الدوائر الحكومية.
إلا أن هذا الرجل كان ذا عيون جاحظة وطباع فضولية للغاية، من أولئك الذين يتدخلون في شؤون الناس ويحبون التنقيب عن الأسرار.
وهذا هو الشخص الذي سأل عن الأمر.
قال أوكوبو:
"يا أمَّ المحل، لماذا تغلقين الخزانة بالمفتاح كل مرة؟ أليس هذا مزعجًا؟"
فأجابته فوكو بابتسامة متحيرة:
"أعرف أنه كذلك، لكن..."
قال أوكوبو متفكرًا:
"أفهم... إذًا هو مشروب زوجك الخاص، أليس كذلك؟"
قالت وهي تهز رأسها:
"العكس تمامًا في الواقع."
كانت فوكو في الماضي امرأة متجهمة قليلة الكلام، وهذا كان مناسبًا لتجارة السجائر،
لكن عندما بدأت ببيع المشروبات والأودين، صارت تحتاج إلى مجاملة الزبائن والتفاعل معهم.
وهي امرأة صادقة بطبعها، لا تجيد الكذب.
قالت وهي تبتسم بخجل:
"لو لم أُقفل الخزانة، لكان زوجي شرب كل ما فيها من دون أن أشعر."
قال أوكوبو وهو يمضغ قطعة أودين جانبية بطريقة متصنعة:
"آه، لا يمكن إدارة التجارة إذا كان البائع يشرب البضاعة! أمر صعب فعلاً."
ثم أضاف، متمتمًا بنغمة الخبير:
"لماذا لا تأخذينه إلى طبيب نفسي؟ إن بقي على هذا الحال، فالنهاية لا تُحمد."
"أعرف ذلك، لكن كلما ذكرتُ له الأمر يغضب بشدة. لا أدري ماذا أفعل."
أما أنا - لو كنت مكانها - لكنت تجاهلت هذا الفضول الزائد تمامًا،
لكن في هذه المنطقة الناس مترابطون كالجيران القدامى، لا يمكن أن ترفض الحديث مباشرة.
فتمادى أوكوبو في تدخله، وقال بنبرة واثقة:
"إن أردتِ، يمكنني أنا أن أقنعه. فأنا موظف حكومي، وكلمتي قد تكون أوقع من كلمتك."
يا له من تدخل ساذج لا داعي له.
وفي زاوية دكان السجائر، كان ابنهما هيراكازو جالسًا يدرس.
وكانت أذناه تتحركان أحيانًا، ما يدل على أنه يسمع الحديث كله.
جسد هيراكازو يشبه أمه –ضخم البنية، لكن وجهه يشبه والده عابس دائمًا، وملامحه يكسوها ظل الكآبة بين حاجبيه.
وأظن أنه عندما تكبر أجيال مثل هيراكازو،فإن ذلك الطابع "الجار-للجار" في هذه البلدة قد يختفي تمامًا ذات يوم.
بسبب تدخل أوكوبو الزائد، حدثت حادثةٌ اعتدى فيها عليه جينغو بمخالبه بعد فترة قصيرة.
عدم لجوئه إلى اللكم بل إلى الخَدش يُظهر طباع جِنجو المميزة بالفعل.
على كل حال، أنا لم أشهد الواقعة بنفسي.
ومع ذلك، لم يُخدَش أوكوبو بسبب نصيحته له بأن يذهب إلى الطبيب.
يمكن القول إن تلك النصيحة كانت سببًا غير مباشر فحسب، أما السبب المباشر فكان شيئًا آخر.
ذات يومٍ وصلَت بطاقة بريدية موجّهة إلى جينغو، ولكنها سُلّمت بالخطأ إلى منزل أوكوبو.
كانت البطاقة من مكتب المدعي العام لمنطقة طوكيو.
ولو كان الأمر خطأ في التوزيع فقط، لكان يكفي أن يُعيدها إلى الصندوق البريدي،
لكن أوكوبو أخذ البطاقة بنفسه وذهب إلى متجر تبغ موري ليسلّمها إليه.
كان محتوى البطاقة إشعارًا بالتصرف في قضية ما، يقول:
«بشأن بلاغكم ضدّ فلان الفلاني في قضية الاشتباه بشهادة الزور، نُبلغكم أننا اتخذنا القرار التالي في تاريخ كذا وكذا: عدم توجيه الاتهام».
وكان على البطاقة ختمٌ واضح للمدعي العام.
ويبدو أن جينغو كان قد رفع دعوى ضدّ شخصٍ ما بتهمة شهادة الزور، لكن القضية انتهت بقرار عدم الملاحقة القضائية وعدم توجيه الاتهام.
رجل فضوليّ مثل أوكوبو لا يمكن أن يدع أمرًا كهذا يمرّ من غير أن ينبش فيه.
قال لي، وهو يضمّ شفتيه بتذمّر:
"يا ترى ما نوع القضية تلك؟ ومن هو الشاهد الذي استُدعي؟ وما الشهادة التي أدلى بها؟
فبهذه البطاقة وحدها لا يمكن أن نفهم شيئًا أبدًا، أليس كذلك؟"
هكذا جاءني أوكوبو يُبلغني بما حدث.
"لذلك ذهبتُ بنفسي لأستوضح الأمر."
فقلت له:
"وهل لك حقّ في أن تسأله عن ذلك؟"
أجاب بثقة:
"طبعًا لي حق! لقد تكبّدت عناء إيصال البطاقة إليه بنفسي!"
لا أستطيع أن أفهم مثل هذا المنطق الدنيوي مهما حاولت، لكن يبدو أن صاحبه مقتنع تمامًا بما يقول، بل وربما تصدر عنه هذه التصرفات بدافع "النية الطيبة" أو "الرغبة في النصح".
لذلك لا مجال للتدخل.
ثم قال:
"وأثناء حديثنا، لم نتبادل سوى كلمتين أو ثلاث حتى هجم عليّ ذلك الرجل وخدش وجهي، كأنه قطة!
لا بد أن يُودَع في المستشفى، فوجوده على هذا الحال خطر لا يُطاق!"
كانت على وجهه خدوش تمتدّ من الصدغ إلى الخد، وبينما كنتُ أحدّق فيها شارِدًا، إذا بأوكوبو يزمجر بحدة:
"لماذا تبتسم هكذا؟! هذا ليس بالأمر المضحك!"
على الرغم من أن الأمر لا يعدو كونه خَدْشًا بسيطًا، إلا أنه في النهاية إيذاء لإنسان، ولذلك لم تستطع فوكو أن تلتزم الصمت تجاهه.
أما الطرف الآخر، أوكوبو فكان فضوليًّا ومزعجًا من الدرجة الأولى، ولهذا السبب ذهبت فوكو لتستشير عيادة أكاغي.
واختيارها لتلك العيادة لم يكن صدفة؛ فقد سمعت أن الطبيب نفسه "ميّال لمثل هذه الحالات"،
مما يعني أنه ربما يُبدي تفهّمًا ويعاملها بإخلاص، ثم إن عدد المرضى قليل، وغرفة الانتظار عادةً فارغة، وبالتالي تقلّ احتمالات انتشار الشائعات وهذه كانت أسبابها.
لكن الطبيب أكاغي أجابها على الفور قائلاً:
"أنا لست مختصًّا بهذه الحالات، لذا لا أستطيع الحكم.
اذهبي إلى مستشفى M. إلى مستشفى M!"
وبعد ذلك، جاءت فوكو تشكو إليّ قائلة ذلك بمرارة.
«مهما يكن الأمر، فمستشفى M بالذات؟ هذا أشبه بإدخاله مصحًّا حقيقيًا للمجانين! إنه أمر مخزٍ، ولا يمكن حتى أن يُحكى للناس».
لماذا يُعَدّ الدخول إلى مستشفى M أمرًا مخزيًا؟
إن كان مرضًا، فلا حيلة فيه، أليس كذلك؟
إن الاتكاء الدائم على الأعراف السائدة يبدو لي حديثًا أحمق، لكنني لم أنبس ببنت شفة.
وذلك التزامًا بمبدئي: لا تُقْدِم، لا تتدخّل.
لأنني لو تفوّهتُ بكلمة على غير حذر، فقد يُقال: ذلك الرسّام غريب الأطوار يؤيد مستشفى M، لا بد أن في أمره شيئًا مريبًا. لا بأس لديّ إن أُطلقت الشائعات، لكن العيش في هدوء، بعيدًا عن أنظار الناس، هو ما يلائم طبيعتي أكثر.
وبهذه الملابسات، انتهى الأمر بأن أُدخل جينغو المستشفى أخيرًا.
وبالطبع، جرى اقتياده خديعةً.
الذي بذل الجهد الأكبر عند إدخاله، وتولّى إجراءات تسجيله كمريض على نفقة الدولة، كان أوكوبو.
فهو موظف حكومي، ولا بد أن له معارف وصلات كثيرة في هذا المجال.
لكن مهما كثرت المعارف، فمن أين تأتي هذه الحماسة لرعاية شؤون إنسانٍ ليس من الأقارب ولا من ذوي الصلة، بل غريب تمامًا؟
إن الإحسان إلى الناس ليس أمرًا سيئًا، غير أن الانشغال به كليًّا يبدو لي أسلوب حياة خاطئًا.
على أن الأمر يختلف إذا كان الإنسان يجد في ذلك وحده معنىً لحياته؛ فحينئذٍ لا حيلة لنا في الأمر.
لنفترض مؤقتًا أن اسم ذلك المستشفى هو «Q». ووفقًا لحديث الطبيب أكاغي، فهو أحد المستشفيات الاحتيالية؛ إذ يبدو أن المستشفيات النفسية، تبعًا لطريقة إدارتها، يمكن أن تكون مربحة إلى حدٍّ كبير. فالطرف المقابل مجنون، فلا يعترض مهما قدّموا له من طعام، ولا بأس من حشرهم بخشونة في غرف جماعية كبيرة. كما أن أولياء الأمور، مراعاةً للمظهر الاجتماعي، لا يحتجون. أمّا مرضى السل، فإذا ساءت معاملتهم اتحدوا وتمرّدوا، لكن المجانين لا قدرة لهم على الاتحاد. أي إنهم، بمعنى آخر، يمكن معاملتهم بأي طريقة كانت. ولا مجال حتى للإصابة بنوبة عصبية عابرة!
المرضى الذين تُدفع نفقاتهم من المال العام تبلغ رسوم إدخالهم إلى المستشفى خمسة عشر ألف ين شهريًا، وتكاليف الدواء ثلاثة آلاف ين، ليكون المجموع ثمانية عشر ألف ين. إذا حُشروا في غرف جماعية وأُطعموا طعامًا رديئًا، ومع ذلك يُجبى ثمانية عشر ألف ين، فلا بد أن صاحب المستشفى لا يكف عن الضحك. ويا للمسكين جينغو، فقد أصبح في النهاية واحدًا من جماعة «الثمانية عشر ألف ين».
وحين أدرك جينغو أنه قد خُدع وجيء به إلى هنا، قيل إنه ثار قليلًا. لكن ما إن ظهر ممرض قوي البنية فجأة حتى هدأ على الفور، وخضع للفحص، ثم دخل الغرفة الجماعية مطيعًا. وقد رافقته فوكو وأوكوبو، وليس من الواضح لماذا رافق أوكوبو رغم أنه ليس يوم أحد؛ لعل ذلك بسبب مسؤوليته عن الإجراءات، لكن يبدو أن الجهة الحكومية التي يعمل فيها فائضة الفراغ إلى حدٍّ كبير. ومع ذلك فنحن جميعًا نتحمّل رواتب أمثال هؤلاء. فلا عجب إذن أن تكون الضرائب مرتفعة.
وبعد مرور أربعة أو خمسة أيام، عاد جينغو ليلًا يتمشّى على مهل إلى دكان تبغ موري. فتح باب الزجاج فجأة، وأدار نظره في أرجاء البيت بعينين كعيني سمكة ميتة، ثم دفع فوكو جانبًا وفتح الخزانة الجدارية، بل وراح في النهاية يفتّش حتى أدراج خزانة الملابس، على ما يُقال. ثم قال:
«هيه! أين أخفيتم الرجل؟»
«أيُّ رجلٍ هذا؟ لا يوجد شيء من هذا القبيل. كلام سخيف.»
شعرت فوكو بقليل من الرهبة، لكنها مع ذلك ردّت عليه بحدّة.
«وما الذي جرى في المستشفى أصلًا؟»
«ذلك المكان أكرهه. الطعام سيّئ، ثم إن من فيه ليسوا مجانين فقط. لا يناسب طبعي. هيا، أخرج أيها الرجل!»
«رجل؟ رجل؟ من تقصد؟»
«نعم. لا أعرف اسمه، لكني أعرفه جيدًا. لا تُمعن في الدوس على الزوج إلى هذا الحد. تستهزئي بي، أليس كذلك؟ لن أترك الأمر يمرّ بسلام. هيه! اذهبي واشترِي خمرًا. سأشرب ثم ألقّنه درسًا.»
ظلّ هيراكازو جالسًا في مكان البيع، وقد تصلّب وجهه كالحجر، ولم يُجب بشيء.
«اذهب أيضًا واستدعِ أوكوبو. ذاك الوغد خدعني ودسّني في مستشفى كهذا، إنه أمرٌ لا يُغتفر.»
ولأنه كان يصرخ بصوت عالٍ، أسرعت إحدى نساء الجيران إلى استدعاء أوكوبو. وما إن هرع أوكوبو إلى المكان، حتى حدث أمر غريب: فقد انكمش جينغو فجأة وهدأ، وأصبح مطيعًا. لعل منظر الممرّض قد تراءى له في ذهنه. وعلى أي حال، إذا كنّا لا نفهم حتى تقلّبات نفس الإنسان السوي، فكيف لنا أن نفهم حركات شخص اختلّ عقله؟
وهكذا، في ذلك اليوم، اتُّصل بالمستشفى، فجاءت امرأة تبدو كممرضة مسنّة. وبعد كثير من التهدئة والإقناع، انقاد جينغو مطيعًا لتلك المرأة، واقتادته عائدةً به إلى المستشفى. وعندها قالت:
«من فضلكم، لا تعطوا المريض أي مصروفٍ بتاتًا. سنحتفظ نحن بالمال، ونعطيه له كلما دعت الحاجة.»
ومنذ ذلك الحين، يبدو أن المراقبة في المستشفى قد اشتدّت قليلًا. ووفقًا لحديث أوكوبو، فإن أمثال جينغو لا يعانون حالة تدفعهم إلى العنف أو إيذاء الآخرين، ولذلك يُؤوَون في غرفة جماعية مفتوحة نسبيًا. ولهذا لم يعد إلى البيت نحو شهر كامل. فقد صودر مصروفه، وحتى لو أراد ركوب القطار لم يكن في وسعه ذلك، أما العودة سيرًا على الأقدام فكانت المسافة إلى بيته بعيدةً إلى حدٍّ لا يُطاق.
لكن أوهام الغيرة لدى جينغو لم تهدأ لذلك. يبدو أنها كانت تثور بين الحين والآخر، على نحوٍ دوري. ولا شك أن هناك فروقًا فردية، لكن الأمر كان كذلك في حالة جينغو. إذ كان فجأةً يتهيأ للخروج، ثم يقول:
«سأعود الآن إلى البيت.»
ثم يعلن ذلك ويحاول الخروج. ولأن عودته إلى البيت تُسبّب حرجًا للمستشفى، كانوا يُمسكون جينغو ويُخضعونه للعلاج بالصعق الكهربائي. لم أره بعيني، لكن يُقال إنه علاج عنيف. فإذا مُرِّر التيار الكهربائي من صدغَي الرأس، أصيب المريض بتشنجات عنيفة تشبه نوبات الصرع، ثم ينهار مترهلًا، ويفقد وعيه تمامًا.
«إن شخصًا يتحمّل الصعق الكهربائي إلى هذا الحد نادرٌ فعلًا.»
هكذا قيل إن الطبيب قال. فعادةً، إذا خضع المرء لهذا العلاج القاسي مرة واحدة، يدخل في غيبوبة لعدة ساعات، وحتى بعد الإفاقة لا تكون ذاكرته واضحة، لكن جينغو لم يكن كذلك. فبعد تلقيه الصدمة، وما إن تمر نحو خمس دقائق، حتى يفيق فجأة وكأن شيئًا لم يكن، ويحاول الخروج مرة أخرى. فيُمسكونه مجددًا ويمررون التيار. وهذه المرة يستفيق بعد نحو عشر دقائق، ثم يبدأ مترنحًا في التوجه نحو المدخل. فيستبدّ العناد بالطبيب، ويُجري الصعق للمرة الثالثة. وبعد ثلاث مرات، حتى جينغو، على ما فيه من صلابة، ينهار أخيرًا، ويصبح على حالٍ يقول فيها:
«آه… أين أنا؟ ولماذا أنا هنا؟»
وعندئذ يُعاد إلى الغرفة الجماعية، ويلتفّ بالبطانية، ويغرق في نومٍ عميق. كيف لذلك الجينغو الخائف المتردد أن تكون لديه مقاومة شديدة إلى هذا الحد للكهرباء؟ ليس الأمر مسألة عناد أو قوة إرادة من هذا القبيل، بل يبدو أنه مسألة بنية جسدية. لا شك في ذلك.
أما كيف انثنت أوهام الغيرة لدى جينغو في أعماق نفسه، وكيف انتهت إلى الارتباط بي أنا تحديدًا، فذلك أمر لا أفهمه جيدًا. فلا شيء يثقل ضميري، وكما ذكرتُ من قبل، فوكو تشبه قطعة الأنبان، امرأة بلا أي جاذبية على الإطلاق. لذلك، حين استجوبها جينغو، قيل إنها صدّته ببرود واستهجان. وقد سمعتُ هذه القصة من أوكوبو.
«لستُ منحطةً لدرجة أن أخونك مع رجلٍ يشبه ذلك السرطان (الكابوريا)، كفاك إلقاءً للتهم العشوائية!»
سألتُ أوكوبو: «ذلك الرجل الذي يشبه السرطان.. هل تقصدني أنا؟»
«نعم، هذا صحيح. لكن ليس أنا من قال ذلك، بل السيدة فوكو. لا تشغل بالك بالأمر كثيرًا»
«لستُ منشغلاً، ولكن.. لِمَ أُتّهم أنا ولا تُتّهم أنت؟ أنت تتدخل في شؤونها كثيرًا، بينما أنا لم أفعل شيئًا».
«ربما لأنك لم تفعل شيئًا، أصبحتَ موضع شك!».
رمقني أوكوبو بنظرة حادة من طرف عينه الجاحظة، وبدا لي أن في عينيه مسحة خفيفة من الكراهية. تمتمتُ وأنا أشعر بموجة عارمة من الإرهاق تجتاح ظهري:
«أهكذا إذًا؟ لا أفهم تمامًا ما تعنيه، ولكن يبدو أن الأمر كذلك».
لقد هرب جينغو من المستشفى وعاد مجددًا. تذرع أمام رئيسة الممرضات برغبته في الذهاب إلى حمام عام في المدينة، واستجدى منها ثمن الاستحمام، وبذلك المال ذهب للعب الباتشينكو، ثم استبدل ما ربحه بالمال، واستخدمه كأجرة للقطار ليعود إلى هنا.
هناك، صرخ باسمي وأثار جلبة، ولكن بما أنه لم يعد من الحمام لفترة طويلة، كانت إدارة المستشفى قد أرسلت ممرضًا لانتظاره عند متجر موري للتبغ، فتمت إعادته بسهولة.
وحسب قول الممرض، فقد كانوا يشكون في أمره دائمًا؛ لأنه كان يدّعي الذهاب للاستحمام ومع ذلك يعود إلى المستشفى وثيابه متسخة كما هي. يبدو أن جني الأرباح من الباتشينكو ليس بالأمر الهين أيضًا.. هكذا أضاف أوكوبو.
«لأنه كان يصرخ بصوتٍ عالٍ حتى سمعه الجيران، فقد طلبت منك فوكو ألا تأتي بعد الآن لتشرب الخمر. لا تأتِ مرة أخرى.»
«إذا قيل لي لا تأتِ، فلن آتي.»
أجبتُ شارد الذهن، وأنا أفكّر في أمر جينغو. جالسٌ في زاوية من الغرفة الجماعية، يقبع ساكنًا، يفكّر يومًا بعد يوم في زوجته. لا بدّ أن هناك رجلًا ما. وفجأة يطفو وجهي في ذهنه. فيتعلّق به كما يتعلّق الغريق بقشّة، ويُقوّي هذا الوهم ويُحرّفه، حتى يرفعه في النهاية إلى مرتبة اليقين. لا بدّ أن مقدار الجهد الذي يبذله، وما يصاحبه من إرهاق، أمرٌ هائل. إنه ليس شيئًا يُقاس بعملي في الرسم.
هكذا خطر لي، غير أن جينغو، في نهاية المطاف، ليس بالنسبة إليّ سوى إنسانٍ يقبع وراء لوح من الزجاج. مهما التوت أوهامه، فذلك شأنه وحده.
«كاميدا-كن.»
«كاميدا-كن.»
تسمعون الصوت الآن، أليس كذلك؟ ذلك هو صوت موري هيراكازو. وقد عرفت هذا الأمر مصادفة منذ فترة قريبة. ففي إحدى الأمسيات، بينما كنت أشرب الجعة وأحدّق شاردًا في الحديقة، وصلني ذلك الصوت. ويبدو أن كاميدا-كن لم يكن يخرج سريعًا، إذ كان الصوت ينقطع حينًا ويعود حينًا، لكنه لا يكفّ عن النداء. كنت أسمع هذا الصوت دائمًا، وكنت أتساءل: أيّ فتى يكون صاحبه؟ فداهمني فضولٌ مفاجئ، فنقلت الكرسي إلى جانب الجدار، وصعدت عليه، ومددت جسدي لأطلّ من نافذة الإضاءة الصغيرة إلى الخارج. فإذا بالذي هناك هو هيراكازو نفسه.
وسوء الحظ -لا، ليس سوءًا ولا حسنًا على وجه الدقة - أن نظرات هيراكازو المتلفّتة التقت بعينيّ تمامًا. فانتفض هيراكازو كمن فُوجئ، وتصلّب جسده، وتوقّف عن مناداة كاميدا-كن، ثم انحنى بجسده الذي يبلغ طوله نحو مئة وسبعين سنتيمترًا، وفرّ هاربًا بأقصى سرعة. لعلّه ذُهل لأن وجهي برز فجأة من نافذة غريبة الشكل.
«آه… إذن ذاك كان هيراكازو.»
وأنا أنزل عن الكرسي، لم أستطع كبح ضحكي لبرهة.
«أها، مفهوم. إذا كان هو، فمن الطبيعي أن يكون صوته قد بدأ يتغيّر هذه الأيام.»
يبدو أن هيراكازو ذاك يكنّ لي نوعًا ما من الشعور. منذ متى بدأ يحمل هذا الإحساس، أو ما السبب الذي جعله يصل إلى ذلك، فلا أدري.
حدث هذا قبل فترة قريبة. فقد طلبت مني سيدةٌ مسنّة أن أُخرج الكلب الذي يُربّى في البيت الرئيسي في نزهة. وبينما كنت أمشي به قرب المدرسة المتوسطة، صدر فجأة صوت من جهة ساحة المدرسة، وطارَت كرة بيسبول نحونا. مرّت بمحاذاة ركبتي، ثم أصابت أنف باكو إصابة مباشرة. وباكو هو اسم ذلك الكلب. أطلق باكو صرخة حادة وسقط أرضًا. وحين نظرتُ، رأيت الدم يتدفّق بغزارة من أنفه. كنت أظن أن الرعاف خاص بالبشر، فإذا بالكلاب تنزف من أنوفها أيضًا. نهض باكو أخيرًا، ورفع نظره إليّ بنظرة عتاب، ثم أخذ يلعق المكان من حوله بلسانه، فاحمرّ وجهه وذقنه وأطرافه الأمامية كلها. لو كان إنسانًا لرفع رأسه وراح يربّت بيده على مؤخرة عنقه، لكن الكلب لا يستطيع مثل هذه الحركة؛ فمهما حاول، لا يدَين له.
ومن الذي تسلّق سياج ساحة المدرسة وجاء يتثاقل الخطى ليلتقط الكرة؟ كان هيراكازو نفسه. لا بدّ أنه أحد طلاب هذه المدرسة المتوسطة. لم ينظر إليّ إطلاقًا، بل التقط الكرة بوجهٍ خالٍ من أي تعبير، ثم عاد يتخطّى السياج بحركات متصلّبة. لا بدّ أنه رأى باكو غارقًا في الدم، ومع ذلك لم يصدر عنه أي اعتذار أو كلمة.
«هـمـف.. إنه أشبه بخيار جزيرة كيوشو المخلل!»
هذا ما فكرتُ فيه.
«ما الذي ينوي فعله يا تُرى؟ يبدو وكأنه يرفض وجودي تمامًا وبإصرار».
كان كاميدا-كن ومن معه يلعبون الرمي والالتقاط في ساحة المدرسة. طاشت الكرة وخرجت إلى الطريق لترتطم بوجه الكلب باكو. إن اعتبرتُ الأمر مجرد صدفة، فهي صدفة مبالغ فيها، كما أن قوة اندفاع الكرة كانت أكبر من مجرد رمية طائشة. ألم يتربص بي حتى غفلتُ، ثم قذفها عمدًا؟ ربما أراد إصابتي أنا لكنه أخطأ التصويب لتستقر في وجه باكو.
بالطبع، لم تكن هذه سوى فرضية نسجتُها في لحظتها، وبما أن الخصم ليس سوى خيار ضخم، فلا أحد يدري ما يدور في رأسه. ولو أنني صرختُ بناءً على تلك الفرضية، لكنتُ قد نزلتُ إلى مستوى جينغو. لذا، اكتفيتُ بتهدئة باكو العكر المزاج واصطحبته إلى الطبيب البيطري ليضمد جراحه ويوقف النزيف. لقد كلفني قبول مهمة تنزيه باكو نفقات غير متوقعة بتاتًا.
«كاميـدا-كـن!»
«أوووه!»
يبدو أن كامِدا-كون قد خرج. يقف الاثنان متقابلين عند البوابة، ويرفعان قبضتيهما.
«تشّ، كِهّ، تَ!»
«تشّ، كِهّ، تَ!»
هكذا يؤدّي أطفال هذه الأيام لعبة «الجانكن» (حجر-ورقة-مقص). وحتى نحو العام قبل الماضي، كانوا يقولون:
«جانكن بوكا بوكا دوكّويشو!»
وعند كلمة «شو» يخرجون قبضاتهم. لكنها عبارة طويلة، فاندثرت مع الوقت، وأصبحوا اليوم يكتفون بالصيغة المختصرة:
«تشّ، كِهّ، تَ!»
لا أعرف معناها. لعلها بلا معنى أصلًا، ليست سوى صيحة لشحذ الحماس.
وماذا يحدث بعد هذه الـ«تشّكِهّتَ!»؟ أظنها كرة طائرة أو كرة سلة، إذ يبدأون بلطم الكرة بقوة على الجدار الخشبي لمرسمي، ولا أدري ما نظام اللعبة، لكنهم يتبادلون إحراز النقاط: كم مقابل كم. قد يكون الأمر لعبًا ولهوًا في الجهة الأخرى، أما من هذه الجهة من الجدار الخشبي، فإننا نتلقى ضغط الكرة، وفي كل مرة يهتز الجدار اهتزازًا ملحوظًا. وأحيانًا تسقط الأشياء الموضوعة على الرفوف وتتدحرج إلى الأرض. لذلك، كلما حلّ يوم الأحد، أنقل كل ما على الرفوف إلى الأرض، وأبذل جهدي في اتخاذ الاحتياطات اللازمة. ولحسن الحظ، هذه اللعبة لا تُمارَس كل يوم، بل تقتصر على أيام الأحد فقط.
في مثل هذا الوقت من فصل الربيع، وفي ظهيرة يوم أحد كهذا، يسود جوٌّ خانقٌ على نحوٍ غريب، يبعث في النفس ضيقًا وكآبة. حتى الطبيب "أكاغي" ذكر لي ذات مرة، في حديثٍ عابر، أن طقس هذا الوقت من كل عام هو الأسوأ على الجسد والعقل معًا. وها هو المعلم العجوز "أكاغي" نفسه لم يظهر هنا منذ أسبوعين، ربما لأنه هو الآخر يشعر بهذا الاختناق.
لكن، أليس الأمر غريبًا؟ رغم أنني أحاول جاهدًا أن أظل شفافًا، ساكنًا في مكاني لا أتحرك، وأتجنب أي نوع من التخبط أو الاضطراب، إلا أنني أجد نفسي—ولأسباب تكاد تكون منعدمة—موضع كراهية، أو غيرة، أو محط آمال الآخرين، أو حتى عرضة للازدراء وتطفل الفضوليين. ما الداعي لكل هذا؟ لستُ أنا من يتخبط، بل هو الواقع القابع خلف الزجاج. ومع ذلك، فإن تلك الأشياء تهددني من بعيد. ليت الأمر يقتصر على مجرد الضحك ساخرًا من تخبطهم، لكن الحياة لا تسير دومًا كما نشتهي.
١ الكينتشاكو: كيس قماشي صغير مستدير، وسمي الباذنجان به لأنه مستدير وصغير
٢ هيراكازو: مكتوبة بنفس كلمة السلام باليابانية إلا أن النطق مختلف 平和
٣ ماتسوزاوا: اسم آخر للمستشفى
٤ الأنبان: هو خبز ياباني حلو محشو بالفاصوليا، وهو نفسه اسم للفلم الكرتوني المدبلج:الرغيف العجيب
٥ أودن: وجبة يابانية من المرق والمكونات المسلوقة
يُعد أوميزاكي هارو (1915–1965) أحد أبرز الأصوات الأدبية التي ظهرت في اليابان عقب الحرب العالمية الثانية. ينتمي أوميزاكي إلى ما يُعرف بـ "جيل ما بعد الحرب" (Sengoha)، وهم الكتاب الذين عاصروا الهزيمة وعبروا عن التفكك النفسي والاجتماعي الذي تلاها.
تميز أسلوبه بالقدرة على المزج بين الواقعية القاسية والسخرية السوداء، حيث ركز في بداياته على تجارب الجنود والعبثية التي عاشوها، لينتقل لاحقاً إلى تحليل القلق الوجودي والاغتراب في المجتمع الياباني الحديث.
وله قصص قصيرة كثيرة من أبرزها " ساكوراجيما " و " ربيع وخريف البيت المتهالك " وغيرها .
عبدالله بندر العبدلي طالب دراسات عليا في اللغة العربية -في جامعة البترا الأردن. صدرت له ثلاث كتب مترجمة عن اليابانية وهي: "أيام كاموساري الهادئة والجميلة" و"قارب تاكاسي" و " الشبح ذو العشرين وجهًا" .