المعرفة النبيلة
نهى سعود
"قد يكون جون نرجسيًا، لكنه أيضًا جون ليس إلا. جون الذي قد يكون متعجرفًا، مزعجًا، وغدًا لا يمكن تحمله. ومع ذلك أنا أعلم أن الأشخاص المتطلبين والمنتقدين والغاضبين، غالبًا ما يعانون وحدة شديدة. أعلم جيدًا أن جزءًا منه يختبئ في البرج ينشد مساعدتي على أمل أن أنقذه." كان هذا الاقتباس في كتاب ربما عليك أن تكلم أحدًا للكاتبة لوري غوتليب هو الشرارة الأولى، المحرك الأساسي الذي أشعل أفكاري، سحبني لتيارٍ عنيف من العواطف ومسّني من الداخل. ليس لأجلي فقط، بل لأجل كل من مررت به خلال مسيرة حياتي، وكل من مر بي أيضًا. في البداية غمرني دفء هذه الفكرة. أن يعرفك أحدهم.. كم نحتاج لهذا النوع من المعرفة النبيلة، المعرفة التي تغفر ما تيسر من هفواتنا لأن أحدهم يعرفك كما أنت ويألفك من الداخل. يأنس الإنسان منذ الأزل بالرفقة، بالمحبة ويصبو إليهما. وللأسف لا يحظى كل منا بمثل هذه الامتيازات ولكن الأغلبية قد يحالفهم الحظ. والأشد ندرة وأكثر ما نحتاج هي تلك العين المحبة التي تمحو زللك وتعذر عثراتك فقط لأنها تراك بعين المحبة. العين التي تُبصرك كما أنت داخليًا وليس ظاهريًا فقط. تُبصر النسخة البشرية منك والتي تقبل الخطأ والصواب. ترى الإنسان الذي فيك كما جُبل على الخير والشر معًا، ترى القلب الذي يعتصره الأسى والانكسار عند خسارة صديق أو انتهاء علاقة عاطفية ظن أنها قد تُثمر، وترى الروح التي تسمو عن جميع الماديات تُحب وترحم وتئن وتعطف. تأنس بالأخ والصديق والزوج والحبيب والابن والقريب وتحبك بجميع أطوارك وتقبلها كيفما كانت. وفي هذا السياق استطردت الكاتبة لوري بجملة لها وقعها الخاص إن تمعنَّا في قراءتها: "لكن وراء هذا كله، كم هو مختلف في الواقع عن أي منا؟" وكانت تعني بها جون، الذي تحالف الآخرون ضده وفقًا لما يراه هو وضاقوا ذرعًا بعنجهيته وغطرسته وغروره، دون أن يلحظوا أنه ليس سوى طفل، طفل جريح لم ينضج ولم تلتئم جراحه بعد، وأن كل ما يقوم به من تصرفات تجنبيه ماهي إلا صرخة استجداء وطلب ما يمكن من العون ولو كان على هيئة حضن. وليس جون فقط من قادته الأقدار للوقوع في وضعٍ مستعصٍ كهذا. بيننا الكثير من النسخ المختلفة لجون. فكم من صديق تقطعت أواصر الصداقة بيننا لأنه قال الكلمة الخاطئة -وأحيان أخرى الصحيحة- ولكن في الوقت الخاطئ. كم ذوي قربى تباعدت أسفارنا وارتحلنا عن ديارهم بسبب مصادفة حضورنا لوقت أزمة يمرون بها. لا نراها ولكن نستشعرها ونفسرها بعدم رغبتهم في وجودنا. كم شركاء حياة تقاسموا على الوقوف معًا في السراء والضراء وحنثوا اليمين عند أول خلافٍ يعتقدان أنه مس كرامة أحدهما أو كليهما. وفي المقابل، كم من حشود جُيِّشت ضدنا بسبب التفاتة أو نظرة أو تعابير ارتسمت على وجوهنا وتم تأويلها وتناقلها عبر الأزمنة والأمكنة. الأمثلة كثيرة، والسياقات تتشعب وتتزايد مع مرور الزمن لأن لا أحد منا لديه الشجاعة والمسؤولية الكافية ليدير ظهره للظنون التي تشوه صورة الأعزاء عليه. كما نفتقر للأسف للقوة التي تُمكننا من الغفران وإعطاء الآخرين مساحة لارتكاب الخطأ دون أن نهرع لمحاكمتهم ونعتهم بالذميم من القول فقط لأنهم مارسوا بشريتهم في نطاقنا. فنحن أجبن من أن نقبل ببشرية الآخرين والمفارقة أننا أشجع من أن نخفي بشريتنا أمامهم أيضًا. وبشكلٍ ما ودون أن نصيغها بوضوح نحن نطالبهم بقبولنا كيفما كنا، ونأمل أن يترفعوا عما اقترفناه بحقهم وإلا حسبناهم ناكرين للعشرة ويفتقرون للمروءة. ولكن ماذا عنا نحن؟ نتغنى بشعارات المروءة عندما نكون خلف منصة القاضي وتنساب سهوًا بين أناملنا عندما نجلس في كرسي المحاكمة. أنا، وأنت، وهم، ونحن، اللبنة الأساسية لهذه العجلة الاجتماعية فهي تتقدم بتقدمنا سويًا وتتخلف عن اللحاق بالركب إن تراشقنا الاتهامات مع بعضنا البعض وأبينا السمو عن صغائر الأمور تلك. إن لم يرق قلبك لذكريات الطفولة التي تشاركتماها وتغفر لصديقك على أثرها، ولا تشفع نذور الزواج التي تبادلتماها ولحظاتهم الدافئة لتسامح شريكك، ولا تستجديك ذكريات عنفوان المراهقة التي اختبرتماها سويًا وأسرارها الدفينة لتعفو عن قريبك، إن لم تجعلك سنين العشرة أكثر مرونةً وحلمًا ووفاء، فلأجل ماذا يخوض المرء غمار هذه الحياة الاجتماعية؟ إن العلاقات الاجتماعية بشتى صورها تضفي حياةً للرحلة الإنسانية ورونقًا لطريق العمر متى ما أحسنا التعامل معها وتسخيرها فقد أحسنا لأنفسنا. ومتى اعتكفنا على التصيّد في الماء العكر وهممنا بمجابهة المقربين فقد أسأنا لأنفسنا قبل أن نُسيء لهم. كلٌّ مِنَّا يحتاج ليدٍ حانية تربت على كتفه في الأوقات الحرجة وهو في صومعة شعوره بالذنب، فكن أنت تلك اليد الحنونة الجليلة لأجلك أولًا ولأجل الصورة الأولية التي كونتها عن دائرة معارفك ثانيًا والتي غالبًا ما تكون صائبة رغم كل ماحدث وسيحدث -إلا فيما ندر-.
نهى سعود خريجة لغات وترجمة وتعمل كمترجمة مستقلة لعدد من المنصات الإلكترونية وكاتبة محتوى. مهتمة بالآداب وثقافات الشعوب بالأخص الأدب الإنجليزي والأدب العربي والروسي. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس frrreedom__@