ضحايا متتالية
يوسف اقسيم
تعلمنا الكتب الحديثة، والعادة الموروثة أن من علامات الطفولة اتسامها بالبراءة الممزوجة بالذكاء والبداهة في رؤيتهم للأشياء المحيطة بهم، يعلموننا نحن الكبار أننا سنظل امتدادا للعالم الذي نعيش فيه، إذ لا يفكرون إلا في الأشياء التي تمسهم، وتمس بشكل آو بآخر عالمنا الفسيح، لذلك أجدني في كثير من اللحظات أحاول معرفة كنه الأسئلة التي يطرحها الطفل داخل الفصل الدراسي، أعيد مزج سؤاله، وتركيبه إلى عدد من الأسئلة كي أجد الخيط الناظم بين ما يطرحه، وما يريد قصده من السؤال؟
ذات حصة مسائية، كنت أنْقُلُ للتلاميذ المعرفة المقرّرة، وكنت على عادتي أحاول في بداية كلّ حصة معرفة تمثلات المتعلمين حول الدرس؛ لأستغلها فيما بعد... ما زلت أتذكر تلك الحصة بوضوح.
كانت حول مقومات النص الحجاجي، وكان حسب تصوري المسبق للدرس آنذاك، أنه لا بد أن يعرف المتعلم ما معنى الحجاج؟
طرحت السؤال أولا، أَنْصَتُّ للإجابات، قمت بمحاولة تعديلها، قدَّمتُ بعض الأمثلة ليفهم من لم يفهم. بعد أن تبين لي الأمر، طرحت سؤالا جديدا ليطمئن قلبي، فكان: من يُقَدِّمْ لي رأيا حول موضوع معين، ويبرهن عليه بالحجج والأدلّة؟ وبما أن التفاعل كان إيجابيا، تبيَّنَ من جديد أن المتعلمين أغلبهم – وبمعرفتهم البسيطة – قد اتضح لهم الموضوع، أكيد، ليس كل التلاميذ قد فهموا الدرس، وليس ضروريّا أن يفهم الجميع، ذلك لأن العدد هنا لا يهم، فسقراط درّس العديدين ولكن أفلاطون هو الوريث.
ستقول: لماذا؟ لا يهم مرة أخرى أيها القارئ الحكيم.
فأنا أعرف ذلك، وعلى استعداد للإجابة عنه:
لنبدأ من العدد، فعلى الرغم من أنني شعرت أثناء الحصة أنها كانت شيقة وممتعة، إلاّ أن عددهم كان يناهز الخمسين تلميذا، وكلهم من فئات اجتماعية هشة ماديا ومعنويا، كان من بينهم من لا يعرف تهجئة الحروف، ومنهم من يصارع الحرف وكأنه وحش يصعب القبض عليه، ومنهم من يعاني من تأخر ذهني يحتاج إلى أعين يقظة، ووقت كامل لينتشله من عالمه الغامض والمبهم، عالمه الذي يُشْعِرُهُ أنه وحيدا في هذا الكون، يحتاج إلى قلب مفتوح وعقل راجح دائما لينصت إلى أنّاته المفجعة. ومنهم من أصبح يصور نفسه لأقرانه بأنه رأسُ وسيّدُ القسم، لا أحد ينازعه في كلمته، هو السيّد والآخرون عبيد، يلف أوراق الدفتر ليجعل منها سجائر ولفافات من الحشيش، وفي بعض الأحيان يُقَطِّعُ غلاف الكتاب ليجعل منه سكين لصٍّ، وهو ينقض على فرائسه، ومنهم من ينتظر أباه ونحن على مشارف النهاية، ليشتري له كتابه المدرسي... ومنهم التلميذ اليقظ، الذكي، الفطن، البشوش الودود، المنصت النبيه، بل إن هذه الأوصاف لا تكفي، ولن تكفي أبدا، لأنه أيضا الشجاع اللطيف الجيّاشَةُ عواطفه، كلما دار الحديث حول موضوع يقرّبه من أزمته، تشعر وكأنّك أمام جسد قابل للانهيار في أية لحظة. ومنهم من يئس من تنَمّرِ وفضَاضَةِ زملائه، فقط لأن به عاهة شوهت خلقته، تحس بهذا الأخير أنه يتحارب مع جسده، ينبذه، وينبذ حظه العاثر، لا يستطيع الخروج من نفسه، ولا يتحمل سجنها... وأنت على هذه الحال تحاول إشعال الأمل، تكافح الإعصار، والحر اللافح للوصول إلى برّ الأمان.
أرجو أن تكون الإجابة شافية، وأرجو منك أن تكمل الفراغات.
في الحصة نفسها، وفي السياق نفسه، ماتزال اللحظة التي سيرفع فيها أحد التلاميذ أصبعه ليقدم رأيا، ويدافع عنه بالحجج والأدلة، مصوّرة في مفكّرتي وكأنها مساءَ اليومِ وقعت.
لقد كنت أعرفه جيدا، من خلال محاورته لمرات عديدة، وسبق أن عرفت من إحدى الحصص أن والديه مطلقان، وأعرف مدى الحزن الذي يشعر به حينما يضع رأسه على الوسادة ليتذكر أنه يفقد شيئا. طفل بريء يعيش الفقدان، يشعر به، يحس بثقل كبير لا أحد سيرفعه سواه، يكافح ويناضل من أجل أن يكبر ليصلح بين ذات البين، هكذا قال.
أشرت له بالإجابة.
فقال: أستاذ، أنا أرى أن الطلاق يدمر الأطفال.
قلت: لماذا؟ ما هي حججك على ذلك؟
"والتلاميذ الآخرون يصغون السمع، ينتظرون الإجابة وهم العارفون بأحواله أكثر منّي".
رد قائلا: لأن الطلاق يجعل الأطفال يشعرون بحالة نفسية مدمّرة.
قلت مع نفسي، يا للبراءة! لم يجد كلمة مناسبة لوصف شعوره غير مدمّرة. أدركت للتوّ أنه يحدثنا عن نفسه، تفاجأت، حتى أحسست بقشعريرة تدب في عروقي، وفي اللحظة الصاعقة برده الحاسم، أدرجت بسرعة قصوى باقي التلاميذ، عن طريق سؤال طرحته بصوت مبحوح فيه نوع من الحيلة، لاستجماع قوة التلميذ، أو هكذا شعرت حينها. ماذا عليه أن يفعل في هذه الحالة؟
فكان المجيب الأول مرة أخرى.
عليه يا أستاذ أن يدرس بجد لتحقيق أحلامه، وحينما يكبر عليه أن يصلح بينهما، وكأن كلمته لا تُفَعَّلُ وهو الطفل الذكيُّ الفطنُ العارف للصواب في كثير من الأحيان. ينتظر أن يكبر لتصبح له الكلمة، ينتظر أن يكبر ليصلح بينهما.
لقد أصبح الحلم وسيلة لفك عقدة الخيط الذي كان سببا في وجوده، وسببا في معرفته للعالم، إنه لا يريد من الحياة إلا أن تكونا معا، لأنكما شكّلتما كينونته وأنتم السبب ليصبح ضرورة وجودية. إنه لا يريد إلا إعادة تركيب الحضن الذي سيجعل منه طيلة حياته أمله في التحقق.
بقيت كلماته عالقة لا تشوبها شائبة، ولا يكدّر وضوحها وصفاءها مرور الأيام، لقد كان سببا لجعلي أتأمل غباء الإنسان وقسوته على أبنائه وبناته لتحقيق رغبات واهية، لقد جعلني أدرك أن الإنسان انعدمت إنسانيته إلى حد أنه لا يستطيع أن يضحي من أجل فلذة كبده، لا لشيء إلا ليعيش حياة ملؤها الظلم وليعيش وسط قيم كانت في القاع، فأصبحت على رأس اللائحة، مثل ذلك التلميذ الذي دجنته العشيرة، فأصبح ينظر إلى حثالة المجتمع أسيادها، ليعيش حياة بئيسة ملؤها الشهوة والرغبة، حياة لا تشبه أبدا ما يقوله الخواص، بل ما يقوله العوام، حيوانية هي لا إنسانية، وكأننا لا نعرف السبيل أو نتحاشاه، فمن منا يتقي شر نفسه في فلذة كبده.
لقد انتهت الحصة بسرعة ذلك اليوم، لم أشعر كيف انقضت ستون دقيقة حتى سمعت رنين الجرس معلنا عن نهايتها، جمع التلاميذ أدواتهم فانصرفوا، وبقيت وحيدا أحدث الكراسي والمقاعد، أسائلهما ما عدد الأزمات والمشاكل التي كنتما تحملانها؟ وما ذنب هؤلاء الأطفال إذا كان الكبار قد أضحوا سريعي الانفعال؟
يوسف اقسيم، كاتب مغربي، حاصل على شهادة الدكتوراه في اللسانيات، يشتغل مدرسا للغة العربية.